معهد ليفانت للدراسات

سورية وفاتورة الدين الخارجي

فبراير 06
22:52 2015

لا تزال الحرب السورية تستنزف طرفي الصراع والجهات الداعمة والحليفة لهما منذ أربع سنوات، ومع استمرار هذه الأزمة ودخول عوامل اقتصادية عديدة أبرزها تراجع أسعار النفط 50% بات على كل طرف إيجاد البدائل المناسبة للموارد لتأمين تغطية حقيقة لنفقات الصراع ودفع الفاتورة التي تكبر مع توسع العمليات العسكرية على الأراضي السورية.

ففي الشق الحكومي، ارتفع معدل الإنفاق العسكري مقارنة بمرحلة ما قبل الأزمة 2011 حيث يطالعنا تقرير صدر عن "المركز السوري لبحوث السياسات" الزيادة في الإنفاق العسكري بنسبة 2.2% سنوياً من الناتج المحلي في 2011 و6.6% العام 2012 (3.6 مليار دولار أميركي بالأسعار الجارية. وبحسب الموسوعة الدولية "ويكيبيديا والتي أوجدت لسورية تصنيفاً بين الدول الأكثر إنفاقاً على السلاح بحوالي 858 مليون دولار أميركي سنوياً، أي بمعدل الضعفين.

وصنف التقرير الإنفاق العسكري في باب الخسائر الاقتصادية كون "ارتفاع الإنفاق العسكري غير مدرج في حسابات الناتج". وان الخسائر لم تنعكس بحسابات خسارة الناتج المحلي لأن ميزانية التصنيع والإنفاق العسكريين بمعظمها لا تسجل في الحسابات القومية".

ويمكن القول أنّه بات على المسؤولين الحكوميين كل من مكانه ومنصبه التفكير في جلب واردات مالية للخزينة لرفدها بعد الشح والنضوب الذي ضرب موارد الحكومة المالية جراء العقوبات وبسبب تراجع الصادرات وبالذات النفطية والتي كانت تشكل رافد أساسي بالقطع الأجنبي وكذلك انعدام السياحة والتجارة البينية العربية والعالمية كما ذكرنا بسبب العقوبات على سورية.

يفسَر رفع الحكومة التدريجي للدعم عن السلع الأساسية وتجاوز ما وصفه مسؤولون سابقون بـ "الخطوط الحمراء" كرفع أسعار الخبز والمواد التموينية (سكر، أرز) لضعفين، بأنه خطوة حقيقية وجدية في البحث عن موارد لتغطية نفقات الحرب وتأمين رواتب الموظفين الحكوميين البالغ تعدادهم حوالي 1.5 مليون عامل بكتلة أجور 609 مليار ليرة سورية، إذا لم يعد "بساط الدعم" يق المواطنين السوريين والذي حرصت الحكومات السابقة على إبقائه وعدم سحبه من تحتهم كما الحال الآن إلا بعد توفر شروط اقتصادية مثل: تحقق العدالة الاجتماعية والمتمثلة في رفع معدل الأجور في القطاعين العام والخاص، وتحقيق نمو اقتصادي وسكاني يغطي رفع الدعم بالتوازي مع تفصيل برنامج ضمان اجتماعي يظلل الفقراء والذين أصبحوا يشكلون اليوم 90% من السكان وفق تقديرات الأمم المتحدة.

وبالنسبة لتوقيت رفع الدعم عن السلع الأساسية في سورية فإنه "غير مناسب" أمام ارتفاع معدلات التضخم 300% مقارنة بـ2011 وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين وكذلك تراجع سعر الصرف أمام العملات الرئيسية.

هذا الإجراء "رفع الدعم" ليس له أي هدف اقتصادي أو تنموي قريب أو بعيد المدى، لأنه لن يزيد السوريين إلا فقراً ولن يزيد إلا طوابير العاطلين عن العمل جراء رفع أسعار المازوت والذي سيؤثر على قطاعات الصناعة والنقل والتجارة، ما يعني أن هدف هذا الإجراء هو جلب الموارد للخزينة بشتى الطرق، وما رفع سعر المازوت، للمرة الثانية خلال ستة أشهر، للقطاعين العام والخاص من 80 ليرة سورية إلى 125 ليرة، ورفع سعر أسطوانة الغاز المنزلي من 1100 إلى 1500 ليرة، وربطة الخبز من 25 إلى 35 ليرة إلا خطوات حثيثة لترسيخ سياسة "اقتصاد الحرب".

وتوازت خطوة الحكومة هذه بالتوجه للأصدقاء الروس والإيرانيين لتأمين موارد مالية وخطوط ائتمانية متمثلة في مواد غذائية ومشتقات نفطية بعد تراجع نسب المعروض منها في أغلب المدن السورية نظراً لخروج الكثير من آبار النفط عن سيطرة الحكومة في الشرق والشمال الشرقي، ما جعل الاستيراد الحل الأمثل خلال هذه الفترة، وما رفع الدعم إلا دعوة حقيقية للمواطنين للمشاركة بدفع قيم فواتير الاستيراد.

وبحسب صحيفة "الحياة" اللندنية فقد طلبت مؤخراً الحكومة السورية خطأ ائتمانياً جديداً بقيمة 7.4 مليار دولار "وإن رئيس الوزراء السوري وائل الحلقي طلب خلال زيارته طهران في كانون الأول (ديسمبر) الماضي خط ائتمان جديداً يغطي ثلاثة مليارات دولار من المشتقات النفطية و١.٧ مليار من المواد الغذائية والأدوية، حيث كان البند الرئيسي في قائمة مشتريات الحلقي، كميات أكبر من واردات مشتقات البترول والمواد الغذائية".

وكانت إيران منحت في تموز (يوليو) عام 2013، الحكومة السورية تسهيلات ائتمانية مقدارها 3.6 مليار دولار لشراء منتجات نفطية، وجرى تخصيص مليار دولار أخرى لشراء منتجات غير نفطية. وإذا ما وافقت طهران على إمداد الحكومة السورية بالخط الئتماني الجديد فسيبلغ دَين الإيرانيين حوالي 11 ميلار دولار أميركي.

مصادر "الحياة" قالت: أن الجانب الإيراني أشار إلى أن مجلس الشورى الإيراني لن يوافق على تقديم خط ائتمان جديد، من دون ضمانات سيادية سورية بقيمة ٢٠ مليار دولار، ويمكن لهذه الضمانات أن تكون استثمارات ضخمة في مجالات الصناعات الاستخراجية والعقارات والبنية التحتية لكن ايران لن تغامر ما لم ترى ضوءاً في نهاية النفق المظلم أي انفراجة في الأزمة السورية لضمان مصالحها في مرحلة ما بعد الحرب.

وبكلتا الحالتين سواء منحت إيران الحكومة خطأ ائتمانياً جديداً أم لا فإن الثابت الوحيد في هذه المعادلة هو النمو المطرد للديون السورية الخارجية والتي سيكن لها آثار سلبية على الاقتصاد السوري ككل، وعلى معدل دخل الفرد بعد انتهاء الحرب حيث سيساهم في التسديد، وتشير الأرقام في عام 2011 إلى أن حجم ديون سورية هو 7.68 مليار دولار، وتأتي بالمرتبة 90 من التصنيف العالمي، إذ يبلغ حجم الدين على الناتج القومي 29.8%، وكلما ارتفعت المرتبة كان أفضل، لكن الحرب واستمراها تزيد فاتورة الديون السورية وبالتالي الارتهان بالقرار الاقتصادي للخارج وربط الاقتصادي السوري شكلاً ومضموناً بمن يمد السوريين بـ"ترياق" استمرار هذا الصراع.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات – راجع شروط الاستخدام

تقارير ذات صلة