معهد ليفانت للدراسات

سورية وخريف العلاقات الأوروبية

ديسمبر 17
08:36 2014

يصعب فهم العلاقات السورية – الأوروبية خارج إطار النظام الإقليمي للشرق الأوسط، فهذه المسألة مرتبطة أساساً بالصراع الإقليمي، ومحطتها الأولى بدأت عام 1956 عشية الخروج الكبير، البريطاني – الفرنسي بعد العدوان الثلاثي على مصر، لكن مركزي القرار الأساسيين في أوروبا بقيا يبحثان عن توازن يضمن المصالح الخاصة بهما، بينما سعت سورية في بعض محطات هذه العلاقة على تكريس الدور الأوروبي في مواجهة قرارات واشنطن تجاه المسألة السورية، وقراءة العلاقة السورية مع الاتحاد الأوروبي، وعلى الأخص بعد عام 2000 هي أشبه بالرهان على إيجاد دور موازي مع الخلل الاستراتيجي بعد الاحتلال الأمريكي للعراق.

اعتبارات جديدة

رغم احتفاظ سورية طوال نصف قرن بعلاقات "الحد المقبول" مع دول غربي أوروبا، فهي وقعت عام 1977 مع المجموعة الاقتصادية الأوروبية (سلف الاتحاد الأوروبي) اتفاقية تعاون؛ تغطي بشكل أساسي المسائل التجارية، وتوفر دخولاً معفى من الرسوم إلى سوق الاتحاد الأوروبي بالنسبة لمعظم السلع الصناعية السورية، وتضمن تعاوناً ” للبنية الأساسية الإنتاجية والاقتصادية” بسورية، وتشجع الحوار الاقتصادي بين الأطراف، ومنذ نهاية التسعينيات أعادت  دمشق صياغة هذه العلاقات بشكل مختلف لسببين رئيسيين:

  • الصعود غير المسبوق لقوة الاتحاد الأوروبي الذي سعى للتأثير في النظام الدولي، فكانت القيادات التاريخية له، "هلموت كول"  في ألمانيا و"جاك شيراك" في فرنسا، تحاول خلق قوة أوروبية مختلفة، مما دفع دمشق للدخول في عملية تنشيط لعلاقاتها الأوروبية.
  • انحسار الدور الروسي في عهد "بوريس يلتسين"، وفقدان سورية للكثير من ميزات علاقاتها الخارجية مع شرقي أوروبا التي دخلت بمجملها ضمن إطار التفاوض للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

وخلال السنوات الثلاث الأولى من الألفية الجديدة كان اهتمام سورية بدول الاتحاد يتسارع، فبعد أن كانت سورية إحدى الدول الـ12الموقعة على الشراكة الأوروبية المتوسطية (إعلان برشلونة العام 1995)، ولاحقاً ملحق الاستثمار والشراكة الأوروبية المتوسطية التابعة لبنك الاستثمار الأوروبي وذلك عام 2002، تم البدؤ بسياسة الجوار الأوروبية (ENP 2003)، وانعقاد الاجتماع الأول للجمعية البرلمانية الأوروبية المتوسطية (EMPA 2004)، واختتام مفاوضات اتفاقية الشراكة الأوروبية السورية، حيث تم التوقيع عليها بالأحرف الأولى (تشرين الأول) 2006، وإطلاق الاتحاد من أجل المتوسط بحضور الرئيس السوري (تموز) 2008، وإعادة التوقيع بالأحرف الأولى على اتفاقية الشراكة الأوروبية السورية (كانون الأول) 2008، وقيام مجلس الشؤون العامة للاتحاد الأوروبي بفتح الطريق أمام اتفاقية الشراكة الأوروبية السورية (27 تشرين الأول) 2009.

لكن كل هذه التطورات لم تدفع العلاقات السورية – الأوروبية باتجاه الاستقرار، فاتفاقيات الشراكة مع دمشق كانت الأصعب من بين مجمل المفاوضات الأخرى، إضافة لارتجاج العلاقات السياسية وعلى الأخص مع فرنسا في الفترة الرئاسية الثانية من حكم جاك شيراك، ومهما كانت نوعية العوامل السورية أو الأوروبية الفاعلة في هذا الموضوع ، لكن الأهم تجلى بانقسام الاتحاد الأوروبي خلال حرب احتلال العراق، مما أفقده موقعه الاستراتيجي، وهذا الأمر أثر لاحقاً على العلاقات الأوروبية – السورية بعد اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري.

تمسك الاتحاد الأوروبي منذ عام 2000 باعتبار جديد في سورية هو تعزيز جهود الإصلاح فيها ، معتبراً أن هذا الأمر حزمة من الإصلاحات السياسية والاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بالخطة الخمسية العاشرة، بينما كانت ورقة العمل الإستراتيجية لسورية تحدد الإطار الاستراتيجي للتعاون مع الاتحاد الأوروبي للفترة بين عامي 2007 -2013، بثلاث أولويات:

  • دعم الإصلاح السياسي والإداري، بما في ذلك تحديث الإدارة، واللامركزية، وسلطة القانون واحترام حقوق الإنسان الأساسية.
  • دعم الإصلاح الاقتصادي، بما في ذلك تنفيذ الخطة الخمسية، والإعداد لاتفاقية الشراكة الموقعة  بالأحرف الأولى حاليًا والتحضير للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية.
  • دعم الإصلاح الاجتماعي، بما في ذلك تنمية الموارد البشرية والتدابير المصاحبة لعملية التحول الاقتصادي.

عملياً تم التفاوض بشأن اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وسورية  بين عامي 1998 و2004، حيث تم التوقيع عليها بالأحرف الأولى. لكن الحدث السياسي بعد اغتيال الحريري أثر على هذا الموضوع، واعتبر الاتحاد الأوروبي أن الأوضاع السياسية غير مواتية لتوقيعه على الاتفاقية، وفي كانون الأول 2008 تمت إعادة التوقيع بالأحرف الأولى على الاتفاقية، بعد تحديث تقني يعكس التوسع في الاتحاد الأوروبي والإصلاحات التي أجرتها سورية منذ عام 2004. و في تشرين الأول 2009، وافقت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بالإجماع على توقيع اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وسورية . وردت سورية على مبادرة المجلس الأوروبي للتوقيع بطلب بعض الوقت لبحث الاتفاقية بصورة إضافية. في وقت كان الاتحاد الأوروبي أكبر المانحين لسورية، حيث وفر ما يزيد على 210 مليون يورو سنويا في شكل منح وقروض. وخصص 129 مليون يورو للسنوات الثلاثة (2011ـ2013) التي توقفت نتيجة الأزمة السورية

كما كان الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الرئيسي لسورية، ففي عام 2008 استوردت سوريا سلعاً بقيمة 3,6 مليون يورو من الاتحاد الأوروبي؛ واستورد الاتحاد الأوروبي ما قيمته 3,7 مليار يورو من سورية، وتركزت هذه الواردات في النفط الخام (86,6%) إلى جانب بعض المنتجات المصنعة والزراعية، وحسب تصريحات للنائب السابق لرئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية عبد الله الدردري، فإن مصرف الاستثمار الأوروبي أمّن ما يزيد عن 1.4 مليار يورو من القروض منذ عام 2000 حتى بداية الأزمة السورية.

تأثيرات الأزمة

انهارت العلاقات السورية – الأوروبية بشكل دراماتيكي منذ عام 2011، فعدد من الدول الأوروبية لم تقطع علاقتها فقط بدمشق، كما كان يحدث في أزمات سابقة، بل انخرطت سياسياً على الأقل في الصراع الدائر من خلال دعم المعارضة السورية وهيئاتها الموجودة على الأرض الأوروبية، فألمانيا كانت من أوائل الداعين إلى فرض العقوبات على دمشق، فالمستشارة أنجيلا ميركل، اقترحت منذ 27 نيسان 2011 الماضي على لسان المتحدث الرسمي باسم حكومتها شتيفن زايبرت، فرض عقوبات دولية على سورية، رغم أن برلين وقّعت مع دمشق في شباط من نفس العام اتفاقية لمنع الازدواج الضريبي، سبقتها اتفاقية في عام 2008 بشأن الإقامات غير الشرعية. علما أن ألمانيا كانت أول شريك تجاري لسوريا ضمن الاتحاد الأوروبي، وشكل التبادل التجاري بينهما 31 في المائة من إجمالي التبادل التجاري مع الاتحاد.

عملياً فإن فرنسا وباقي الدول الأوروبي دخل في عملية العقوبات، وهو ما أعاد العلاقات مع دمشق إلى نقطة متأخرة جداً، وتبدو هذه المسألة مرهونة بمسار الأزمة ونهايتها، كما انها مرتبطة إلى حد كبير بنوعية المنظومة التي ستظهر على مستوى الشرق الأوسط، فسورية لم تكن الشريك الأفضل للاتحاد الأوروبي نتيجة الصعوبات التي كانت تظهر في كل مرحلة تفاوض، وأوروبا تبدو اليوم في موقف يميل إلى الحل الأمريكي للأزمة لسورية، لكنها في نفس الوقت ليست كتلة موحدة تجاه هذا الموضوع، فالموقف من سورية عاد إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، وإلى عدم موجود سياق يحكم طبيعة العلاقات الأوروبية بدمشق.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات – راجع شروط الاستخدام

تقارير ذات صلة