معهد ليفانت للدراسات

سورية وتركيا.. المواجهة الإقليمية

فبراير 27
08:51 2015

دخلت تركيا بشكل مباشر في المواجهة الدائرة على الأرض السورية، فرمزية العملية التي قامت بها لنقل "رفاة سليمان شاه" هي في النهاية انزلاق باتجاه الحرب، فالدخول التركي سبقه هجوم سوري على جبهة حلب، وحديث أن المعارك الدائرة تخوضها قوى إقليمية وليس الجيش السوري فقط، حديث غير مثبت , وبغض النظر عن دقة هذه المعلومات لكن الأكيد أن المعارك باتت تحمل تداعيات عامة، في وقت يظهر فيه الشرق الأوسط ضمن دائرة النار، فهو ليس محاصراً بالارهاب بل بمعارك متفرقة تعيد تكوينه وفق إطار مختلف.

مشهد عسكري جديد

يبدو التصعيد التركي الجديد حلقة ضمن جملة من التطورات، فكافة دول شرقي المتوسط تحاول تقديم رسائل قوة وسط أجواء التوتر الإقليمي، وإذا كانت البداية بالأردن فإن مصر دخلت على نفس السياق، ثم ظهرت المعركة في حلب ضمن إطار مختلف، وحملت مؤشرات أن أي خسارة فيها لن تطال فقط المجموعات المسلحة بل أيضاً دور تركيا، ولم تتعامل أنقرة مع هذا الأمر بشكل اعتيادي فهي تصرفت وفق اتجاهين:

الأول – امتصاص الصدمة على جبهة ريف حلب عبر الفصائل المسلحة من خلال رفع وتيرة الدعم، وكان الهدف واضحا بعدم السماح بإحداث تغيير ميداني يعيد وصول الجيش السوري إلى الحدود، في وقت ظهرت تقارير عن اسناد إقليمي للجيش السوري، وهو ما كسب المعركة أهمية في إطار صراع الإرادات، وإذا كانت المبالغات العسكرية أساسية في هذه التقرير، لكنها نبّهت  أن الأزمة سورية هي ورقة إقليمية متعددة الاتجاهات.

الواضح أن معارك الجنوب والشمال السوريين كانتا على حساب دور التحالف الغربي، فهناك تراجع في الحديث عن الغارات التي تشنها قوات التحالف، في وقت يظهر فيه سباق إقليمي لاحتلال مساحة من الحرب على الارهاب، وفي هذا الإطار فإن محوراً ظهر في الفترة الأخيرة لتقديم الإسناد المباشر والعلني للفصائل المسلحة السورية، فالأردن و "إسرائيل" استخدمتا قواتهما مباشرة، وتلا ذلك دخول تركيا عبر عملية "نقل الرفاة"، فهي حتى لو كانت عملية محدودة دون نتائج عسكرية، لكنها تحمل تداعيات سياسية خطيرة.

الثاني – طبيعة التنسيق الذي تحدثت عنه تركيا، فهي لا تريد فقط منح شرعية لعملياتها، بل فتح لأشكال أخرى من المواجهات العسكرية المحتملة، ورغم نفيها للتنسيق مع وحدات حماية الشعب الكردي، لكن تقارير مختلفة أوردت مثل هذا الأمر، فالقوات التركية دخلت بعلم الجميع وبقوة عسكرية كبيرة، واعلنت عن العملية بشكل استعراضي دون أي ردود فعل دولية قوية.

بالتأكيد فإن مسألة التنسيق هي في النهاية فرضاً للأمر الواقع أكثر منها حقيقة موضوعية، فعملية الإبلاغ عن العملية لأطراف متعددة لا تعني في النهاية أن هذه الأطراف سهلت دخول القوات، فأنقرة قامت عمليا بـ"التحذير" من التعرض لقواتها، مقمة في نفس الوقت مبررات لها علاقة باتفاقية 1921 بشأن الضريح، وظهرت عمليتها على سطح الحدث وكأنها جزء من سير المعارك الدائرة في الشمال السوري، ولكن بالنسبة لأطراف إقليمية أخرى، وعلى الأخص إيران، فهي رسالة قوة مرتبطة بالصراع على بلاد الشام عموماً.

خطوات التصعيد

العملية التركية جاءت عشية التدخل المصري في ليبيا، وارتباط الحدثين يمكن قراءته ضمن الإطار العام لاشتعال الشرق الأوسط، فتركيا لا تريد التوقف عند حدود الاتهامات الموجهة إليها بشأن "داعش"، أو عدم تقديم المساعدة لقوى التحالف، وهي بلا شك استفادة من "السابقة" المصرية في ليبيا لتنفذ عمليتها العسكرية، وقدمت بذلك شكلاً من الانتقال في الأزمة السورية، وفي أزمة الشرق الأوسط عموماً، فالتدخل لـ"حماية السيادة" أصبح سائداً , الأمر الذي سيعقّد من احتمالات التوصل إلى حلول سياسية في القريب العاجل.

ضمن الإطار السابق تبدو العملية التركية تعديلاً لقواعد التدخل السائدة في الأزمة السورية، فالموضوع لم يعد مقتصراً على محاربة الإرهاب، وبالتحديد الحرب ضد داعش، بل تطور باتجاه التدخل لضمان السيادة، مما سيفتح الباب لاحتمالية معارك جديد ضد الفصائل التركية أو حتى ضد الجيش السوري، وهناك ثلاث اتجاهات أساسية في هذه المسألة:

  • إن التداخل الاقتصادي بين تركيا وسوريا متشعب وعلى الأخص في موضوع المياه، فالعملية التركية ربما تمهد لإطار مختلف في الصراع على المياه على الأخص أن مناطق الصراع تحوي منشآت سورية حيوية بالنسبة لموضوع المياه.
  • تفكر تركيا جدياً في التوزع المسلح بجوار اراضيها، وهي قامت سابقاً بتسهيل السيطرة على بعض المعابر، ولكنها اليوم تعيد النظر كلياً بهذا التوسع، فالفصائل المسلحة أصبحت اليوم خط الدفاع التركي من انتقال الأزمة باتجاه أراضيها، وهم بالفعل أصبحوا منتشرين على طول خط الحدود الشمالي الغربي من سورية، بينما يخضع تواجدهم في الشمال الشرقي لاعتبارات مختلفة أهمها وجود الفصائل الكردية المسلحة.
  • تحمل العملية التركية بكل تفاصيلها هدف "المساومة"، فهي تتحدث عن نقل "الرفاة" مؤقتاً إلى داخل الأراضي التركية، وهذا الأمر يحمل إشارات إلى العودة مجدداً إلى الأراضي السورية وتعديل اتفاق 1921 بشأن هذا الضريح.

لم يعد الوضع في الشمال السوري خطراً فقط، بل دخل فعلياً في المساومات الإقليمية، ولم تعد مسألة الثبات لاتفاقيات بداية القرن الماضي قائمة اليوم على الأقل في الذهن السياسي لبعض دول الإقليم، فموضوع التقسيم يمكن فهمه اليوم في إطار "الغطاء الدولي" الذي يمارسه التحالف وبعض دول الإقليم على أجزاء واسعة من سورية والعراق، فليس المهم اليوم إيجاد حدود سياسية جديدة ، بل كسر تلك الحدود سكانياً من خلال عمليات النزوح، وعسكرياً عبر "الحرب على داعش"، فما يحدث هو أولى علائم المواجهة المباشرة بطرق مختلفة تحاول عدم تجاوز "حافة الهاوية" في موضوع الحرب الإقليمية.

جميع الجقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة