معهد ليفانت للدراسات

سورية وايران .. تاريخ مثقل بالمصالح

سورية وايران .. تاريخ مثقل بالمصالح
نوفمبر 08
20:35 2015

بعد اتفاقية الجزائر في عام 1975 بين شاه إيران رضا بهلوي  والرئيس العراقي آنذاك صدام حسين، طلب الشاه من صدام إخراج الإمام الخميني من العراق فخرج إلى تركيا ثم إلى فرنسا. في هذه الأثناء عرض الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد على الخميني لجوءاً وإقامة في سورية، ولكنه فضَّل الذهاب إلى باريس .

وحين قامت الثورة في إيران عام 1979، كانت سورية أول الدول المعترفة بها والمساندة لها، واتخذت العلاقات السورية الإيرانية منذ انتصار الثورة الإسلامية بعدها الاستراتيجي من خلال تعزيز التعاون في جميع المجالات وتلاقي المصالح والأهداف، خاصة في قضايا الأمن المتبادل ضد الأعداء المشتركين، علماً أن العلاقات مع إيران الشاه قبل الثورة لم تكن سيئة، لكنها لم ترقى إلى المستوى الذي وصلته مع بلوغ الثورة الإسلامية أهدافها، خاصة وأن الشاه كان موالياً للغرب، في حين جاءت ثورة الخميني ترفع شعار العداء للغرب وتعلن تأييدها تحرير الأراضي العربية المحتلة من إسرائيل، بل ومحو إسرائيل عن الخريطة حسب أدبياتها، وهو ما يماشي السياسة السورية، التي وجدت نفسها وحيدة حينها في مواجهة اتفاقيات صلح منفرد من أخوتها العرب مع إسرائيل، وأعداء الجوار يكثرون.  

وتقاطرت الوفود الإيرانية على دمشق طارحة الكثير من التصوّرات الداعية في مجملها إلى إقامة روابط خاصة ومتقدمة، وذلك بعد أسابيع فقط من انتصار الثورة الإيرانية، وكانت تلك البداية، ووصلت الأمور مع مرور أكثر من ثلاثة عقود على هذه العلاقة إلى إطلاق مصطلح "الحلف الإيراني السوري" من قبل معظم السياسيين والإعلاميين العرب والأجانب، يتممه تعاونهما مع حزب الله في لبنان، وهو الحلف المواجه لحلف آخر من (المعتدلين العرب) وعلى رأسهم السعودية المدعومة من الغرب الأمريكي والأوروبي.

فكلا البلدين وجدا في الآخر ترياقاً يمكن أن يمده بأوراق إضافية من شأنها أن تفيده في مواجهة خصومه، والعلاقات الاستراتيجية بينهما تجاوزت بمهارة مجموعة طويلة من التحديات والمطبات الإقليمية، وتمكنت من مقاومة كافة المحاولات التي استهدفت فك الارتباط والتلاحم بينهما تمهيداً لتصفية قائمة من الحسابات الدولية مع هذا الطرف أو ذاك، على الرغم من حساسية البيئة التي تحيط بالدولتين.

وفي نفس سنة انتصار الثورة الإيرانية 1979، كانت العلاقات السورية العراقية قد بلغت أقصى انحداراتها، حينها أصبحت السياسة السورية في مأزق بسبب فقدانها للعلاقات مع مصر بعد اتفاقية كامب ديفيد، والعراق مرة واحدة، مما أفقد دمشق علاقاتها الإقليمية التي امتازت دوماً بتوظيفها لموازنة الحضور الإسرائيلي المتزايد بتحالفات معاكسة.

 ثم جاء الغزو العراقي لإيران في خريف العام 1980 ليزيد من ثقل سورية في العيون الإيرانية من الناحية الاستراتيجية، ووقفت حينها سورية إلى جانب إيران، دون دعم عسكري او مادي باستثناء لوم العراق في حربه على إيران، واستفادت دمشق أيضاً من تخوف دول الخليج العربي من الطموحات العراقية، لأن انتصار العراق الذي اضطرت هذه الدول إلى دعمه مادياً، كان سيجعل النظام العراقي في موقع القوة الأعظم في منطقة الخليج، وهكذا بنت سورية جسوراً دبلوماسية متميزة مع دول الخليج تصل إلى إيران، فصارت سورية قناة للتحاور غير المباشر بين دول الخليج وإيران، واستخدمت دمشق هذه القناة لإسناد مجهودها العسكري وتحقيق توازن ما مع إسرائيل ورفد اقتصادها بالمساعدات الخليجية، كما مثلت العلاقات مع إيران بديلاً معقولاً، من وجهة النظر السورية، لغياب الشريك التاريخي لسورية، أي مصر.

وفي العام 1982 أدى احتلال بيروت، وانكسار القوات السورية في مواجهته إلى ظهور الوجود الإيراني في الأراضي اللبنانية، بموافقة سورية، ليجعل لطهران إطلالة جغرافية على الحدود الشمالية لتل أبيب للمرة الأولى في تاريخها. وترجع الموافقة السورية على دخول العامل الإيراني إلى لبنان، وبالتالي قلب المعادلة الصراعية في المنطقة إلى الاختلال الظاهر في موازين القوى أمام إسرائيل، وهو ما دلل عليه اجتياح بيروت بكل الوضوح، وبعدها كان تشكيل جبهة المقاومة الإسلامية بقيادة حزب الله إيذاناً بتشارك كل من سورية وإيران في النفوذ داخل لبنان بعلاقتهما ودعمهما حزب الله.

وشابت العلاقة بين الطرفين خلال الثمنانيات بعض المشاكل، منها ماكان على خلفية النزاع في لبنان والخلاف بين حزب الله وحركة أمل، وفي نهاية الثمانينيات كانت سورية ما تزال الحليف العربي الأوحد لإيران، وبدت صورة التحالف الإيراني – السوري كالتالي: تحالف بحكم الأمر الواقع، في حين شرع كل طرف في تنويع علاقاته الإقليمية، كان القاسم الأكبر بين دمشق وطهران متمثلاً في الاتفاق على إبقاء المقاومة اللبنانية وسلاحها كورقة ردع ضد إسرائيل، ولكن أدوار كل من طرفي التحالف في لبنان بدأت تتعدل لمصلحة إيران التي صارت شريكاً فعلياً لدمشق هناك.

وفي العام 1991، مع احتلال العراق للكويت، واندلاع حرب الخليج الثانية، دخلت سورية التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لتحرير الكويت، ما أحدث توتر في العلاقات السورية الإيرانية حيث رأت إيران أن وجود أمريكا في المنطقة يهدد مصالحها وبخاصة مع انهيار الاتحاد السوفييتي، والذي كان حليفًا استراتيجياً لسورية أيضاً ، وفي ذات العام صدر "إعلان دمشق" الذي قضى في أحد بنوده بمرابطة  قوات سورية ومصرية في الخليج، وما إن تناهى إلى مسامع الإيرانيين نبأ هذا الإعلان حتى استشاطوا غضباً، ونددوا بما حدث، وأرسلوا وفودهم إلى كل حدب وصوب، وسمع بعض هذه الوفود من السوريين قولاً بدد قسطاً من هواجسه، فما كان منه إلا أن قابلهم بالقول إن الغضب والاعتراض على إعلان دمشق لا يرتبط بالسياسة السورية، بل المصرية، لكن ذلك لم يؤثر كثيراً في العلاقة الوثيقة بين البلدين، وعلامات انهيار العلاقة المتوقعة حينها لم تصدق.

اعتباراً من مطلع التسعينيات، بدأت العلاقات الإيرانية السورية تتجه نحو مرحلة جديدة، متأثرة بطيف عريض من تحولات البيئة الجيوسياسية الإقليمية والدولية، وأولى هذه التحولات، تمثلت في انهيار الاتحاد السوفياتي، حيث خسرت سورية حليفها التاريخي، الذي ارتكزت عليه في مشروعها الأمني والاقتصادي، وفي الوقت ذاته، أدى سقوط الاتحاد السوفياتي، وانهيار الثنائية القطبية، إلى تقليص هامش المناورة السياسية أمام إيران، وجعلها أكثر إحساساً بالضغوط الغربية.

وتشير التقارير الغربية إلى أن التعاون السوري الإيراني قد بدأ فعلياً بدعم سوري للبرامج الإيرانية الناشئة، قبل أن تصبح إيران داعماً رئيسياً للتصنيع العسكري السوري عامة، والصاروخي خاصة.

وجاء انسحاب إسرائيل من لبنان في منتصف عام 2000 ليسوق إنجازاً كبيراً للحلف الإيراني السوري، الذي بدأ يشكل ضغطاً معنوياً على الدول الداعمة لعملية التسوية السياسية للصراع العربي الإسرائيلي، ومع  الغزو الأمريكي للعراق؛ أصبح التهديد الأمريكي لكلا الطرفين سورية وإيران واضحاً، وأدى ذلك لتعزيز العلاقات بين البلدين بشكل موسع، وتمثل في تعاون اقتصادي وعسكري، وبخاصة في مجال تكنولوجيا وصناعة الصواريخ، بالإضافة للدعم المستمر لحزب الله اللبناني، ومع اندلاع الأحداث في سورية عام 2011 وقفت إيران إلى جانب الحكومة السورية والرئيس بشار الاسد ، وقدمت لها الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي، في مواجهة الطرف الآخر المدعوم من السعودية وتركيا وقطر ومن خلفهم الولايات المتحدة، وتعتبر إيران من الدول الإقليمية المؤثرة في الأحداث السورية.

 

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة