معهد ليفانت للدراسات

سورية والعراق .. الحدود تعود ؟

سورية والعراق .. الحدود تعود ؟
يونيو 15
06:43 2017

مرت ثلاث سنوات منذ سيطر تنظيم الدولة الإسلامية على أراضٍ سورية وعراقية، مزيلاً الحدود بين الدولتين لإقامة خلافته، قبل أن يلتقي الطرفان منذ أيام قليلة مع وصول الجيش السوري وحلفائه إلى الحدود مع العراق، شمال شرق التنف، وهي المرة الأولى منذ عامين، بعد سيطرته على عدد كبير من المواقع والنقاط الاستراتيجية في عمق البادية، فيما أكمل مقاتلو الحشد الشعبي العراقي مهمة الإمساك بالحدود العراقية السورية بإيعاز من رئيس الحكومة حيدر العبادي.
 

العمل المستقل للجانبين السوري والعراقي على طرفي الحدود غير منعزل عن التنسيق بين دمشق وبغداد، والذي توّجته اتفاقية التعاون الأمني والاستخباراتي خريف 2015  بين كل من سورية والعراق وروسيا وإيران ضد تنظيم الدولة، وعلى إثرها تقرر إنشاء مركز معلوماتي في بغداد يضم ممثلي هيئات أركان جيوش الدول الأربع، تتلخص مهمته في جمع ومعالجة وتحليل معلومات عن الوضع في منطقة الشرق الأوسط في سياق محاربة "داعش"، مع توزيع هذه المعلومات إلى الجهات ذات الشأن وتسليمها إلى هيئات أركان القوات المسلحة للدول المشاركة في المركز.
 

التنسيق بين الطرفين السوري والعراقي منفردين ظهر في الزيارات المتكررة لممثلين عن العبادي إلى دمشق، نقلوا فيها رسائل للرئيس السوري بشار الأسد متعلقة بالحرب ضد تنظيم الدولة، وقد شنّ العراق أولى غاراته الجوية ضد أهداف تابعة لتنظيم الدولة داخل الأراضي السورية في 24 شباط الماضي، وأكد مصدر مقرب من وزارة الخارجية السورية أن الغارة تمت "بالتنسيق الكامل" مع حكومة دمشق.
 

يبدو أن الاستعدادات على طرفي الحدود متواصلة للمنازلة الكبرى، لكن المشهد المعقّد المرتبط بالقوى الفاعلة في المنطقة، القوى الدولية منها على وجه التحديد، وخاصة الولايات المتحدة، تجعل أي تحرك كبير مرهوناً بموافقتها، وهي التي تدعم الجيش العراقي عسكرياً ولوجستياً، وتفرض الكثير من شروطها على الجانب العراقي، وقد حذرت مؤخراً الحشد الشعبي من دخول الأراضي السورية، وهو مايزيد من العراقيل في وجه أي تعاون سوري – عراقي مستقل.
 

المصلحة السورية – العراقية في التعاون لقتال تنظيم الدولة تفرضها جغرافية الدولتين، حيث الرقة والموصل تمثلان امتداداً لـ"داعش"، والطريق بين المدينتين هو شريان حياة التنظيم ولتجهيزه بإمدادات متواصلة، لذا فإن طرد التنظيم من أي من المدينتين هو بمثابة تدمير للبنية التحتية له وكسر شوكته، ويرى الكثير من الخبراء أنه من الناحية الاستراتيجية فإن تحرير الموصل والرقة عملية مترابطة، وإذا جرت المعركتان بشكل متزامن، فإن التنظيم لن يكون قادراً على نقل مقاتليه من مدينة إلى الأخرى، وسيضطر إلى تشتيت قوته بين الساحتين، لكن العبث الدولي والإقليمي بالأطراف المتحاربة على الساحتين السورية والعراقية يمنع حتى الآن توحيد المعركة ضد "داعش".
 

وهناك مشكلة كبيرة وخطيرة عند حدود الدولتين، في منطقة التنف السورية، حيث يوجد معسكر لفصائل مسلحة تابعة للمعارضة السورية، ومدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية، هذه المنطقة التي تعتبر منفذ حيوي بين سورية والعراق، وقد قصفت الطائرات الأمريكية مؤخراً أكثر من مرة القوات السورية المتقدمة باتجاه الحدود مع العراق.
 

العلاقة بين الجيشين السوري والعراقي تؤثر فيها أيضاً العديد من الأطراف الإقليمية الفاعلة، وليس فقط الولايات المتحدة، فهناك تركيا من جانب وهناك طرف إيراني من جانب آخر، وهناك حتى السعودية والأردن أيضاً تؤثران في هذه العلاقة.
 

دمشق أعلنت في نيسان الماضي على لسان نائب وزير الخارجية فيصل المقداد أن هناك حاجة للمزيد من التنسيق بين الجيشين، السوري والعراقي، في محاربة الإرهاب، وهذا مايؤكد أنه في الوقت الذي يوجد فيه تنسيق بين الطرفين إلا أن هذا التنسيق غير كافٍ، ومحكوم بالتفاعلات الإقليمية والدولية في إطار الحرب على تنظيم الدولة، وما يؤثر على الوضع في كلا الدولتين هو وجود منافذ حدودية مطلقة الشراع لمرور التنظيمات المصنفة بالإرهابية وتمددها، فلو كان هناك تعاون كامل ومن دون عراقيل بين جهازي الاستخبارات السوري والعراقي لتمكنوا من منع الإرهابيين من أن يتواجدوا أو يتنقلوا عبر الحدود.
 

المطّلعون على مجريات الحرب في البادية السورية يرون أن هناك قرار متخذ من قبل المحور الروسي – الإيراني – السوري – العراقي لمواجهة الولايات المتحدة الأمريكية، التي تريد أن تفرض مشيئتها وتغير الخارطة، وأن تتحدى الوجود والحضور الروسي، ولذلك فإن وصول الجيش السوري إلى الحدود رغم القصف الأمريكي، والتهديد الذي يرافقه ماهو إلا تصميم من المحور السوري لتحدي الموقف الأمريكي ونسف النوايا التي يتحدث عنها الطرف السوري المتعلقة بإنشاء كانتون انفصالي في الشرق السوري، يمتد من الحدود جنوباً مع الأردن إلى الرقة ودير الزور، وبحسب التقارير الإعلامية المتقاطعة فإن واشنطن تريد بذلك قطع الطريق الذي يصل إيران بسورية وحزب والله في لبنان عبر العراق.
 

هل تستطيع بغداد تجاوز الضغوط الأمريكية لتحقيق مصلحتها المشتركة مع سورية في إنهاء وجود تنظيم الدولة ؟ وهل تستطيع دمشق تحدي الإرادة الأمريكية في الشرق السوري والتمدد على طول الحدود مع العراق أو على الأقل الجزء الأهم من هذه الحدود ؟ .. المعارك مستمرة على طرفي الحدود ضد تنظيم الدولة، فيما يبدو أن المعركة السياسية مع القوى الإقليمية والدولية أكثر صعوبة، وبحاجة إلى إرادة دولية مشتركة بين القوى المتنافرة لتوحيد الجهود ضد التنظيم المصنف أممياً بالإرهابي، بانتظار مايجمع الأعداء الدوليين والإقليميين على طاولة واحدة ليتمكن الطرفان السوري والعراقي من إنهاء الوجود المسلح للتنظيمات الإرهابية على أراضيهما.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة