معهد ليفانت للدراسات

سورية… مواجهة الحلول السياسية

أبريل 30
21:05 2015

يتحرك المبعوث الدولي لسورية، ستيفان دي ميستورا، لمباحثات جديدة مع الأطراف السورية في جنيف الشهر القادم، في وقت تبدو فيه العملية السياسية تقف على حدود إمكانية حدوث تحولات إقليمية؛ في ظل التوقف "الإعلامي" لعاصفة الحزم، وبدأ العد التنازلي لتوقيع الاتفاق النووي الإيراني، ويبدو أن جديد دي ميستورا سيكون إشراك إيران بشكل رسمي في المباحثات القادمة، لكن الصورة القاتمة للمواجهات الإقليمية ربما لا تتيح احتمالات كثيرة لإنجاح أي عمل سياسي، ففي سورية تبدو المعارك العسكرية سباقا نحو تحقيق أي إنجاز قبل أي مباحثات قادمة، فالحلول السياسية ترتبط بفك اشتباك إقليمي بالدرجة الأولى، وسيواجه دي ميستورا عقبة أساسية في هذا الموضوع، فالتوتر السعودي – الإيراني يشكل النقطة الأولى نحو الوصول إلى جنيف 3 .

تشابك المسارات

اتضحت المواجهة الإقليمية من خلال مبعوثي سورية والسعودية في مجلس الأمن، وبغض النظر عن تفاصيل هذه المجابهة فإنها في العمق تحمل أمرين أساسيين:

الأول محاولة الرياض استخدام "التحالف العربي" الذي شارك في عاصفة الحزم للضغط باتجاه مسارات التسوية، وبعيدا عن واقعية هذا الاستخدام لكنه يوضح رغبة الرياض في التدخل المباشر بالنزاعات الإقليمية، وتبين أرقام توريد الأسلحة إلى السعودية والخليج أن كميات السلاح تملك أكثر من ردع إيران كما كان في السابق.

الثاني الرهانات على كسر الإرادات الإقليمية مازال الأقوى في ظل عدم إعادة رسم الأدوار في المنطقة بشكل كامل، فالرياض تعرف أن "حلفها" تأثر بالموقع الإيراني، وأنها خسرت تركيا وباكستان على الأقل نتيجة العلاقات الإيرانية مع الدولتين، وهي تنظر إلى إسناد موقفها الإقليمي من خلال الدول العربية تحديدا، فسورية والعراق أصبحتا محور اشتباك، إضافة إلى اليمن التي أصبحت جغرافيا مقلقة للسعودية.

دي ميستورا وبدعوته لإيران سيجد نفسه أمام مهمة صعبة، فالسعودية ودول الخليج عموما تملك قنوات مع أطراف مسلحة لن تحضر لقاءات جنيف، وفي الجانب الآخر فإن "داعش" هو الغائب النهائي عن أي تحرك سياسي، فـ"دي ميستورا" سيكون أمام حل يستدعي إيجاد "تسوية" تستطيع مجابهة داعش، حيث لا يكفي التوافق بين الأطراف الإقليمية والسورية بل لابد أيضا من التعامل مع داعش بطرق مختلفة، وهذا المأزق واجهته الولايات المتحدة في عملية تأسيسها لـ"قوات معتدلة" عليها حل عقدة التداخل في مسألة "المجموعات المسلحة"، والقتال ضمن جبهتين.

ضمن أي حل سياسي في سورية فإن الأدوار الوظيفية لعدد كبير من المجموعات المسلحة ستتغير، ويبقى السؤال عن قدرة الدول الإقليمية في التأثير لإحداث هذا التغير، فـ"جبهة النصرة" كتنظيم يتبع القاعدة هو الفصيل الأكثر قدرة على التحكم في الجبهات، وهو يدفع بوحدات مسلحة أخرى للتحالف معه، لكنه في نفس الوقت لن يكون حاضرا في التسويات الأخيرة، فهو ضمن التنظيمات الارهابية المرفوضة أمريكيا، والمهمة السياسية في فك ارتباط بين "النصرة" وباقي المجموعات في الشمال والجنوب فشلت أكثر من مرة، فكيف ستعالج الدول الإقليمية، السعودية وقطر على وجه التحديد، هذا الأمر؟ وهل تملك بالفعل رغبة في إنهاء مثل هذه التشكيلات التي تشكل ورقة الضغط الأساسية على دمشق؟

الهامش الروسي

تدرك موسكو نوعية الأدوار الإقليمية الحالية في شرقي المتوسط، وهذا ما دفع مندوبها في الأمم المتحدة، فيتالي تشوركين، إلى اعتبار أن الطريق الوحيد لتطبيع الظروف المعيشية في سوريا هو القضاء التام على المتطرفين، محذرا في الوقت نفسه من تكرار سيناريو اليمن في سورية، فهناك هامش روسي يبدو كخط أحمر في التعامل مع الوضع السوري، وهو يرتبط أساسا بثلاث مواضيع ضمن استراتيجية لموسكو:

أي تطور للإرهاب في سورية سيؤثر مباشر على روسيا وعلى أقاليمها الجنوبية، وهذا الأمر يعني بالدرجة الأولى الدول التي تستخدم ورقة الإرهاب للتعامل مع الأزمة السورية، فالحلول السياسية يجب أن تغلق الباب أمام أسلوب استخدام "المجموعات المسلحة"، وليس تقديم حوافز سياسية لمن يتعامل مع هذه المجموعات ولو بطريقة غير مباشرة.

تعامل روسيا مع الأزمات الدولية عن طريق التوازن الإقليمي، فالمعارك الدبلوماسية داخل مجلس الأمن منذ أربع سنوات كانت من أجل تثبيت آلية مختلفة في إدارة الأزمات، وكانت سورية النموذج في هذا الموضوع، ويبدو من الصعب السير نحو تلك الآلية إذا استمرت شبكة الإرهاب وغطاؤها الإقليمي – الشرق أوسطي موجود على امتداد سورية والعراق.

 يمكن أن يظهر نظام عالمي جديد كما يطمح الروس وسط شرق أوسط مهدد بشبح الإرهاب، وهو ما يدفع الموقف الروسي على الأقل من التشديد على التعامل مع الإرهاب قبل الذهاب في حلول مختلفة إنسانية أو سياسية.

ربما يستطيع دي ميستورا بلورة "مبادرة" جديدة، لكن هذا الأمر سيبدو عنوانا دون القدرة على وقف المعارك على الأرض السورية، فالتحرك الدبلوماسي لم يعد قادرا على وقف العنف إذا لم يكتسب سمة "شمولية"، وربما لهذا السبب يرى دي مستورا في دعوة إيران عاملا أساسيا لأن حضورها سيضغط على الأطراف الأخرى، وربما يدفع السعودية للبحث عن مخارج جديدة لدورها في المنطقة.


جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

 

تقارير ذات صلة