معهد ليفانت للدراسات

سورية.. معارك الشمال والجنوب

سورية.. معارك الشمال والجنوب
مارس 30
08:11 2015

بشكل يبدو مفاجئاً تركت التنظيمات المسلحة في سورية صراعاتها لتدخل معركتين أساسيتين: الأولى في الجنوب عبر بصرى الشام والثانية في الشمال باتجاه ادلب، وما يجمع بصرى بإدلب ليس الحصار المزمن عليهما، بل أيضا ارتباط الحرب فيهما بتسجيل نقاط داخل صراع الإرادات الإقليمية، فما حدث خلال أسبوع هو محاولات في التأثير على هامش الصراع في سورية؛ بعد أن أصبحت اليمن أمام احتمالات مفتوحة ومن ضمنها تطور الاشتباك الإقليمي إلى حرب بين المحاور، فدخول المسلحين إلى ادلب وبصرى الشام كان تثبيتاً لنقاط المحور المدعوم سعودياً، وكانت جبهة النصرة تضع عملياً نقطة التقاء ما بين السعودية وتركيا نتيجة الحدث اليمني، فظهر واضحاً تجميع للقوى يعكس بداية توافق بين أنقرة والرياض، سرعان ما ظهر واضحاً من خلال تصريحات رجب طيب أردوغان، رئيس تركيا، ضد إيران.

معارك الاشتباك الإقليمي

تبدو معارك بصرى الشام وادلب، إعلامياً على الأقل، صغيرة نوعاً ما أمام التطورات اليمنية وتشكيل تحالف "عربي" لضرب الحوثيين ومنعهم من التمدد، لكن الحدث اليمني على المستوى الإقليمي هو "نقطة ارتكاز" لإعادة تجميع القوى في المنطقة، فالتحالف الغربي ضد داعش شكل المحاولة الأولى، بينما يبدو "التحالف" العربي اليوم هو القاعدة التي ستشكل إطارا مختلفا، على الأخص أنه اكتسب شكلا "مؤسساتيا" مع إقرار القمة العربية بتشكيل قوة لن تكون مهمتها ضرب اليمن، لأن ما حدث هو "ذراع عسكري" في مرحلة التحول الإقليمي الحالية، وهدفه هو إيجاد عوامل إضافة تؤثر على الحل السياسي.

وان قرب توقيع الاتفاق بين إيران ودول (5+1) هو الذي دفع التصعيد إلى هذه المرحلة، لأن هذه الاتفاقية ستعيد تموضع إيران الإقليمي، في وقت تحاول فيه المملكة العربية السعودية تثبيت أوراقها سواء في سورية أو لبنان، إضافة لإيجاد جهاز سياسي عربي يدعم دورها الإقليمي في مواجهة إيران، وهناك مؤشرين أساسيين في هذا الاتجاه:

الأول محاولة تغيير قواعد الاشتباك الإقليمي عبر حلف عسكري عربي، ورغم أن قدرة هذا الحلف ستكون محدود في التدخل لأنه يحتاج لموافقة مجلس الأمن، لكنه سيضغط بشكل تلقائي على الأطراف الأخرى، فموسكو ستجد نفسها أمام معادلة جديدة، كما أن الصين لن تكون مستعدة لمواجهات سياسية على مستوى المنطقة العربية.

والحلف العسكري العربي يملك أدوات التصعيد على مستوى شرقي المتوسط عموماً، ومن هذه الزاوية يمكن فهم المعارك العنيفة في ادلب وبصرى الشام، إضافة للخلافات التي نشبت بين الحشد الشعبي والجيش العراقي قبل معركة تكريت، ففي هذه الأحداث ما يدل على قدرة الأدوات السياسية على التأثير، وكان واضحاً في معارك الشمال والجنوب السوريتين "الاستمالة التركية" التي ظهرت عبر تحالفات الفصائل المسلحة على الأرض، وتأجيل برنامج تدريب "المعارضة المعتدلة" في تركيا، ويشير الأمرين السابقين إلى تنسيق أوسع بين أنقرة والرياض، وبموافقة أمريكية، لإعادة تركيز القوة في مواجهة محور آخر تقوم إيران ببلورته سريعاً، ويملك خطوطاً قوية مع موسكو .

الثاني بلورة سيناريو بديل لمنطقة لشرقي المتوسط عموما، فالمسألة بالنسبة للولايات المتحدة ليست تقليص نفوذ الإيراني، بل خلق جغرافيا هشة يصعب على أي طرف التمدد فيها، وما يحدث عمليا في سورية والعراق ولبنان هو استنزاف للحلول فقط، دون البحث عن نهاية للأزمات.

هذا السيناريو يقضي على المستوى الجغرافي تمكين دول الجنوب (الأردن والسعودية ودول الخليج) من تثبيت استقرارها عبر ابقاء مناطق التوتر في سوريا والعراق ولبنان نقاط الصراع الأساسي، وبشكل يمنع الامتداد إلى مناطق أخرى، فتصفية الحسابات تتم فيها، وأضيف إليها اليمن، بينما يبقى باب المندب محميا من قبل القوات الأمريكية وربما قوى إضافية، فلا مصلحة لأحد، بما فيها روسيا والصين وإيران من تمدد الاشتعال، رغم أن الدول السابقة متضررة من عدم إنهاء الأزمات في الشرق الأوسط.

الإرهاب والحزام الجديد

"الجغرافية الهشة" ليس مصطلحاً لواقع سياسي، فهي تشكل استجابة لواقع اقليمي، فعمليات تمدد الإرهاب اليوم بدأت تأخذ آلية خاصة تتسم بثلاث أمور: الأول هو عدم الاعتماد على التشكيل الشبكي الذي كان أساسا للتنظيمات الإرهابية، فهي تملك مناطق جغرافية على الحدود في بلاد الشام والعراق، وبقايا التنظيم الشبكة لم تعد بتلك الخطورة طالما هناك حركة باتجاه هذه الجغرافية، وأما مسألة العودة للإرهابيين فالواضح أنها محكومة جيدا وكافة العمليات التي جرت كانت محدودة، ولا ترقي إلى ما حدث في نيويورك ولندن على سبيل المثال في بداية العقد الماضي، فالتشكيل الشبكي يتم استخدامه جيدا لمتابعة "الخلايا النائمة"، بينما خطورته في ظل الوضع الحالي تبقى محدودة.

الأمر الثاني هو القدرة على توظيف الإرهاب عندما يمتلك جغرافية، وهذا ما حدث مع معظم المجموعات المسلحة في سورية بما فيها داعش، بينما سياسيا سيبقى الإرهاب موضوعا أساسيا لخلق تحالفات تطوق أي إمكانية لظهور نظام إقليمي جديد في المنطقة، فالتوظيف للإرهاب يسير بشكل واضح عبر تدعيم انتشاره في مناطق الحدود في سورية مع تركيا والأردن، وفي التعاون اللوجستي بين الفصائل المسلحة و "إسرائيل"، ويوضح هذا الأمر أن مثل هذه التشكيلات أصبحت من ضمن النظام السياسي الحالي على هشاشته وقدرته على توليد العنف.

يبقى الإرهاب كأمر أخير نقطة التقاء دولي، فالمسألة ليست في محاربته بل في رسم حدود انتشاره، وهو ما يحكم اليوم طبيعة التحالفات الدولية والإقليمية القائمة، فتنظيم داعش يؤطر عملياً كافت التحالفات وربما العلاقات بين الغرب والمنطقة ابتداء من العراق ووصولاً إلى ليبيا، ووفق سياق هذه العلاقات يتشكل شرق المتوسط كـ"أحزمة للإرهاب" يساعد على بقاء الدول الوظيفية، أو حتى تحويل أدوار الدول لوظائف تحاصر هذه الأحزمة كما يحدث اليوم لمصر على سبيل المثال.

المعارك العسكرية خلال الأسابيع الماضية كانت صورة لتحول السيناريوهات لبلاد الشام والعراق، فالجغرافية الهشة تبدو اطاراً أساسياً لإعادة تشكيل كافة القوى ولرسم ملامح مرحلة طويلة من الصراعات والحروب.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

 

تقارير ذات صلة