معهد ليفانت للدراسات

سورية.. مشاكل البنية السكانية

أكتوبر 27
18:18 2014

حولت الأزمة السورية صورة المجتمع بشكل حاد، فالفترة الزمنية الطويلة من الاضطراب والعنف لم تغير فقط من الهرم السكاني، بل أعادت أيضاً التركيب الديمغرافي الذي برزت فيه مناطق آمنة نسبياً استوعبت اعداداً هائلة من النازحين، في وقت انتقل النشاط السكاني نحو المدن الكبرى ليغير الكثير من ملامح الاقتصاد السوري، وربما كان القرار الأمريكي بضرب داعش في سورية عاملاً هاماً في التأثير على مناطق الاقتصاد السوري الأساسية، فالسلة الغذائية ومصادر الطاقة أصبحت عملياً مناطق عمليات، وربما ستمر عقود قبل أن تعود الدورة السكانية – الاقتصادية للاستقرار نتيجة العنف الذي ضرب كافة المناطق السورية.

البانوراما السكانية

منذ الحرب العالمية الأولى لم تشهد سورية حالة اضطراب سكاني كتلك التي تشهدها اليوم، وإذا كان التركيز الدولي على اللاجئين السوريين في لبنان وتركيا والأردن، فإن حركة النزوح الداخلي غيرت من الديمغرافية بشكل عنيف، وسيؤدي الزمن الطويل للأزمة إلى حالات استقرار دائمة للنازحين في أماكن اقامتهم؛ ويتوقع أن تؤدي حركة النزوح إلى إحداث فجوات متعددة في بعض الفئات العمرية لمضلع الأعمار وتحديداً في الفئة العمرية الأولى (0-4) سنوات، وبعض الفئات العمرية النشطة إنجابياً (15-49) سنة، وذلك نتيجة التراجع النسبي المتوقع في عدد حالات الولادة بفعل تأخير الزواج أو تأجيل الحمل أو المباعدة بين الحمول أو عدم استقرار الزوجين أو غياب الزوج، وسيؤثر هذا الأمر لأربعة أجيال سكانية قادمة على الأقل.

وحسب تقديرات المكتب المركزي للإحصاء، فإن عدد السكان المقيمين في سورية عام 2012 كان سيصل إلى 21,639 مليون نسمة، لكن الأزمة خفضت هذا الرقم إلى ما يقارب  18 مليون نسمة فقط، كمت ستؤثر الأزمة الحالية ستؤثر في معدل النمو السكاني (2%) تقريباً. ويرجح الخبراء تراجع معدل المواليد إلى حدود (29) بالألف خلال سنوات الأزمة، إضافة لانخفاض معدل الخصوبة الكلية إلى حوالي (3) مواليد والزواجية إلى حوالي (5) مواليد.

التحولات السابقة ستؤثر بالتأكيد على فتوة المجتمع السوري عموماً، كما أن تداعيات الأزمة على القطاع الصحي  أدت لتدهور في المؤشرات الديموغرافية- الحيوية، ومن المتوقع ارتفاع معدل الوفيات الخام إلى حوالي (7) بالألف، ومعدل وفيات الأطفال الرضع إلى أكثر من (23) بالألف، ومعدل وفيات الأطفال دون الخمس سنوات إلى (25) بالألف، ومعدل وفيات الأمهات إلى حوالي (65) وفاة لكل مئة ألف ولادة حية.

في المقابل تشير بعض التقديرات إلى أن عدد السوريين المهاجرين بلغ حتى نهاية عام 2013 ما يقارب 1.5 مليون شخص، فيما تشير البيانات إلى أن عدد اللاجئين السوريين في دول الجوار وصل إلى نحو 2.35 مليون لاجئ بنهاية عام 2013، أي إن هناك نحو 4 ملايين سوري غادروا بلادهم بنهاية العام الماضي، ويبدو أن عمق الخطر في التغيير الديموغرافي هو أن الشباب يشكلون النسبة الأكبر في تركيبة الوفيات الواقعة منذ بداية الأزمة، وفي موجات الهجرة التي نشطت خلال العامين السابقين، ما يعني خللاً جوهرياً في التركيبة العمرية للسكان، وفي عدد السكان الذين هم خارج دائرة قوة العمل، وفي معدل الإعالة الاقتصادية.

يضاف إلى ذلك أن نزوح أكثر من ستة ملايين شخص عن مناطق سكنهم ساهم في خلخلة التوزع الجغرافي للسكان داخلياً، وشكل ضغطاً على الموارد والثروات والمرافق الخدمية وفرص العمل في محافظات ومناطق معينة، وأدى عملياً لنمو سكان المدن بنسبة تراوحت بين 4 و5%، وخلال الأزمة فإن هذه النسبة وصلت في بعض المناطق إلى أكثر من 10%.

التأثيرات الاجتماعية العامة

أدت الحركة السكانية إلى تغير كافة المؤشرات الاجتماعية في سورية، ويبدو أن أهم هذه المؤشرات:

  • خلل واضح في التركيب التعليمي لقوة العمل بسبب هجرة أصحاب الخبرات والكفاءات والعمال المهرة من سوق العمل المحلية إلى الأسواق المجاورة أو الخارجية.
  • ضعف البنية التعليمية نتيجة تضرر القطاع التربوي والتعليمي ويقدر بعض الخبراء أن نسبة الأمية ارتفعت إلى حدود الـ20%، وهناك نسب متزايدة من الأطفال لم تلتحق بالدراسة ونسب أخرى متزايدة من الأطفال تقدر بحوالي (30%) تتسرب من المدارس ولا تتابع تعليمها سواء في الحلقة الأولى أو الثانية، إضافة للحالة التعليمية المتردية للأطفال المهجرين في دول الجوار.
  • انخفاض في حجم قوة العمل في سورية بحدود 16,8%، أي بنسبة توازي على الأقل نسبة انخفاض حجم السكان في سورية.
  • خروج العديد من منشآت القطاع الخاص المنظم وغير المنظم من الخدمة، وارتفاع معدل البطالة بين الشباب إلى حدود الـ70% من إجمالي المتعطلين، و(60%) من قوة العمل الشابة.

 

فاقم طول الأزمة السورية من التداعيات على الواقع السكاني ونشاطه الاقتصادي، فهناك الكثير من المخاطر التي يمكن أن تظهر لاحقاً نتيجة العلاقة بين المتغيرات الديمغرافية والسياسية، وتأثير هذا الأمر على البنية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، ويبدو أن التآخر في إعادة الإعمار واعادة الاستقرار السكاني النسبي لبعض المناطق يفاقم من النتائج، ويشكل مخاطر تتجلى في النقاط التالية:

– حدوث فجوات دورية في مضلع الأعمار بمسافة جيل سكاني، ومن الممكن أن تستمر هذه الفجوات في الظهور لأكثر من أربعة أجيال سكانية.

– تعمّق الاختلالات في التوزع السكاني بين المحافظات والمناطق السورية، وارتفاع الكثافة السكانية العامة والمجالية في مناطق معينة على حساب مناطق أخرى نتيجة الانزياحات السكانية غير المسبوقة وغير المنتظمة.

– تدني المؤشرات التنموية الكمية والنوعية للموارد البشرية المعيشية لشرائح واسعة من السكان محدودي الدخل، لترتفع نسبة السكان دون خط الفقر المدقع من عشر السكان تقريباً (11,4%)، حسب تقديرات ما قبل الأزمة، إلى أكثر من الثلث.

وتبدو التحديات في المسألة السكانية أكبر بكثير من مسألة إعادة الإعمار وفق شكلها التقليدي، لأن العمل القادم بالنسبة لسورية سيتضمن ضبط اتجاهات ومكونات المتغيرات الديموغرافية للحد من معدل التسارع في حجم السكان، ويهدف هذا الضبط لتحقيق معدلات عالية لنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، ورفع قدرة المجتمع على تحقيق مستويات أعلى في نوعية الخدمات المقدمة للسكان وزيادة رفاهيتهم. كما أن السياسات السكانية ستجد نفسها أما أزمة حقيقية فيما لو أرادت إيجاد توزع جغرافي متوازن مع الموارد الاقتصادية، فتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية المحلية المستدامة ستصبح أصعب من أي وقت مضى، وسط خلل واضح في التنمية الاقتصادية والاجتماعية الإجمالية للحضر والريف على السواء.

يجد الخبراء اليوم صعوبة في تحديد مسارات المستقبل، لأنهم أمام سورية مختلفة تماماً، لكن هذه الأمر سيفتح في المقابل آفاقا مختلفة لصياغة التنمية السكانية وربطها بموارد اقتصادية مختلفة نوعيا عما كان سائدا قبل عام 2011، ورغم صعوبة هذا التحدي إلا أنه سيضع سياقاً مختلفاً لما يمكن أن تجده الأجيال القادمة من فرص في مراحل ما بعد الأزمة.

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات – راجع شروط الاستخدام

تقارير ذات صلة