معهد ليفانت للدراسات

سورية.. مسائل التعليم وهوية المستقبل

فبراير 23
18:29 2015

تغيب ضمن تفاصيل الأزمة السورية تحولات عميقة تخوضها الأجيال الشابة، فهي تعيش انقلاباً حقيقياً على مستوى هويتها وعلاقتها بالجغرافية التي تنتمي إليها، فالحرب لم تقم فقط بعملية فرز سياسي بل رسمت أيضاً تناقضاً في مستقبل الجيل الشاب الذي يخوض صراعاً ما بين التعليم والانغماس في الصراع الدائر، ففي سورية اليوم ارباك حقيقي على هامش الأحداث، وهو ينتشر داخل الفئات الاجتماعية التي كان من المفترض أن تشكل ما يعرف بـ"الطبقة الوسطى"، وهذا الأمر ينطلق من سؤال أساسي: هل تفرض الأزمة قوانينها رغم كل المحاولات للإفلات منها؟ وبمعنى آخر فهل الخيارات الحدية هي نهائية أمام الأجيال الشابة؟

 

ربما لم يكن هذا السؤال ضرورياً في العامين الأولين للأزمة، فالمسار الأساسي لأي جيل يفترض التواجد ضمن نطاق المؤسسات التعليمية حتى سن 18 عاماً على الأقل، لكن تسارع الحدث منذ عام 2012 فرض أمرين اثنين:

– مواجهة الأجيال لاحتمالات الخروج عن إطار "العملية التربوية" بعد أن طالت المعارك المدن السورية، فهي دخلت إلى جغرافية "الطبقة الوسطى".
 –
تحديات البقاء داخل "العملية التربوية" بعد أصبح هناك "مواجهة مباشرة" بين السياق الطبيعي للأجيال الشابة، أي التواجد على مقاعد الدراسة بما فيها الجامعية، والسياق الآخر هو الخروج النهائي منها بطرق مختلفة مثل الهجرة والنزوح أو الدخول إلى سوق العمل أو حتى الانخراط في عملية الصراع القائمة.

إن الحديث عن التعليم كما سنطرحه هنا يتعلق بانضمام الأفراد إلى منهجية داخل مؤسسة، أي مجموعة ضوابط سواء في الجامعة أو المدرسة، فهي ليست معارف يتم عبرها "محو الأمية" وتزويد الطالب بالعلوم وفق مناهج منفصلة عن الجغرافية كما يحدث في مخيمات النزوح، أو ضمن مهام البعثات الدولية، لأن عملية التعلم كما نريد تصويرها هي إطار لـ"تفاعل" الجيل مع جهاز ومؤسسات تشكل في النهاية "البنية القادمة" لمستقبل الأجيال.


هل يمكن اعتبار الصراع على الأجيال جزء من الصراع الدائر اليوم؟ إن النزوح واللجوء باتجاه دول الجوار يرفع من احتمالات أن تكون الأجيال الشابة محور الصراع مع تطور الأزمة السورية، فمخيمات النزوح والمناطق الخارج عن نطاق الدول تعتبر مواقع لتأسيس الأجيال ضمن سياق مختلف عما عرفته سورية، فعندما أعلنت  وزارة الداخلية التركية في الشهر الثامن 2014 أن عدد اللاجئين السوريين المقيمين على أراضيها، بلغ مليون و385 ألف سوري، يتوزعون ما بين المخيمات المقامة في المدن الحدودية، وداخل المدن التركية، فهذا يعني أن الشريحة العمرية الشابة ستخضع وعلى نحو متزايد إلى تأثير فقدان هويتها وقدرتها على الاندماج لاحقاً في سياق مجتمع سوري ودولة لها مؤسساتها الخاصة.

 

في المقابل فإن النشاط الدولي يتركز على اللاجئين في لبنان والأردن ضمن برامج خاصة، يمثل ما يقوم به "المجلس الثقافي البريطاني" نموذجاً أساسياً له وهو بدأ منذ عام 2013، وهو يسعى لتوفير التعليم لأكثر من 250,000 طفل سوري، وذلك من خلال مساعدة طلاب المرحلة الثانوية البريطانيون زملاءهم السوريين اللاجئين، وبموجب المبادرة يؤسس المعلمون البريطانيون شراكات مع مدارس المنطقة ويقدمون الدعم لزملائهم بمختلف المجالات، وبغض النظر عن تفاصيل المبادرة فإنها تحمل ثلاثة خطوط أساسية:

الحيادية في العملية التعليمية، فالمبادرة تخلق تواصلاً مع الطلبة البريطانيين، وتساعد الطلبة السوريين اللاجئين الموجودين أساساً في المدارس اللبنانية، فالجهود موجهة نحو الجهاز التعليمي اللبناني والأردني لتخطي أثار الأزمة السورية على المؤسسات في كلا البلدين.

إن مسألة حيادية التعليم، هذا على افتراض "حيادية الطلاب السوريين" ستبدل التوجه الأساسي لمرحلة ما بعد الأزمة، فالأجيال التي ستظهر منسجمة تماماً مع سياق دولي لا يهتم أساساً إلا بتخفيف آثار الأزمة، في المقابل فإن العلم يحمل الموضوعية وليس الحياد، لأن وظيفته في دول تعاني الصراع مثل سورية هو تحديد اتجاهات المستقبل ومواجهة التحديات، فالأجيال التي تشرف عليها المنظمات الدولية هي "تكنوقراط" عابرة لمفهوم الوطن وقابلة للتوظيف في أي جغرافية ممكنة.

حسب وزيرة التنمية الدولية البريطانية التي أطلقت المشروع فإنه يتيح لأطفال المدارس البريطانيين والأطفال اللاجئين السوريين بناء الصداقات بينهم، وتبادل خبراتهم، واكتساب فهم أفضل للعالم الأوسع نطاقاً الذي ينشأون فيه، فهل يعني هذا الأمر تجاوز الأزمة، ام إعادة صياغتها ضمن هامش ضيق بالنسبة للأجيال القادمة؟

إن الوضعية الحالية للأجيال المتواجدة في دول الجوار الجغرافي لسورية، وبأعداد كبيرة يؤشر على أننا أمام ظاهرة من تطوير الامكانات الفردية عبر التعليم، وذلك بخلاف ما يحدث داخل سورية من صراع داخل البيئة الشابة حول الخيارات بين القدرة على الاستمرار في العملية التعليمية الممنهجة وفق مؤسسات متعددة، وبين الخيارات الأخرى التي تفرضها ظروف الحرب.

إن البرنامج البريطاني أو غيره من البرامج (برنامج جسور على سبيل المثال) لا يعتمد التعليم كـ"مؤسسة وطنية"، أي أنها معنية بالثقافة الاجتماعية، وفي ظل العدد الكبير من الطلاب خارج سورية فإن جزء من المستقبل أصبح مرهوناً بمشاريع التنمية الدولية إجمالاً، وهو سيصطدم عاجلاً أو آجلاً مع صياغة الدولة بمفهومها الوطني في ظل  أزمة تركت آثاراً عميقة داخل المجتمع.

إن النماذج الدولية بمبادراتها لاستيعاب الآثار الإنسانية للأزمة تبدو الأكثر "لطفا" بالنسبة لمستقبل سورية، فهي تقدم الفرصة للطلاب وتسعى لتحسين واقعهم، لكنها في العمق تقدم جيلاً مختلفاً كلياً على الأقل في استيعابه لسياق المجتمع السوري أو حتى للمسارات الممكنة داخل سورية، فهو جيل المنظمات الدولية العابرة للمفاهيم الاجتماعية التي تسود الشرق الأوسط، وهو جيل التمسك بالآليات الخاصة بـ"فض المنازعات" و "التحول الديمقراطي" و "إعادة البناء"، لكن كل الأمور السابقة لا تلامس إلا الإطار العام لمجتمع تاريخي مركب ربما يحتاج إلى تحولات أعمق بكثير من آليات المنظمات الدولية.

التعليم… التحدي السوري

تعطي الأرقام الخاصة المقدمة في تصريحات وزارة التربية تناقصاً مطرداً في أعداد المتقدمين للدراسة الثانوية، ففي عام 2011 وصل عدد الطلاب المتقدمين للشهادة الثانوية (339605)، بينما بلغ عام 2014 إلى 268653، وهذا الانخفاض يوضح طبيعة التحدي الذي تواجهه العملية التعليمية، فالحكومة السورية أعلنت مع بداية العام الدراسي لعام 2014 عن التحاق 4.3 مليون طالب في جميع المدارس، القابلة للاستثمار والبالغة 17 ألفا و 700 مدرسة، وتشير أرقام العام 2014 أيضاً إلى أن 1385 مدرسة دمرت في عموم المحافظات، وخرج من الخدمة 4606 منها، وخصص منها 680 لإيواء النازحين من مناطق أخرى.

 

نحن أمام ثلاث حالات أساسية:

تعدد المناهج التي يخضع لها الطلاب، فإضافة للتعليم الرسمي هناك مناهج متبعة في مناطق اللجوء المختلفة، ومناهج أخرى في الجغرافية التي تسيطر عليها النصرة وداعش وغيرها من التشكيلات الإسلامية، وفي تركيا تحديداً هناك شهادة ثانوية تمنحها "حكومة الائتلاف"، وهذا التشتيت ستنعكس آثاره بشكل تدريجي على الأجيال اللاحقة سواء خلال الأزمة أو بعدها.
   
تحدي "جودة" التعليم، وهو ما تركز عليه وزارة التربية في تصريحاتها على الأقل، وهذا الأمر يعتبر أساسياً سواء في الإبقاء على الاعتراف بالشهادات السورية الرسمية دولياً، في ظل الحرب القائمة ومحاولة انتزاع الشرعية.
الحفاظ على حق التعليم ومواصلته وصولاً إلى المرحلة الجامعية، فالمؤسسة التعليمية التي تضررت بنيتها التحتية تسعى إلى الحفاظ على المستوى الممكن من حق التعليم لكافة الطلاب، وذلك عبر الكثير من الاجراءت الاستثنائية للتسجيل في المدارس الرسمية.

إلا أن التحديات ربما تحتاج لتكريس مفهوم التعليم وفق سياق المؤسسة التي تتفاعل اجتماعياً مع الأزمة، ويمكن ملاحظة هذا الأمر من خلال التوجهات المعلنة للوزارة وفق التالي:

الإعلان الرسمي بضرورة الاستمرار بـ"التعلم والتعليم مدى الحياة" يمكن أن يصبح جزءاً من كسب الصراع على الأجيال القادمة، وهذا الأمر يقود نحو قراءة القوانين الخاصة بالتعليم ما بعد الأساسي، فإذا كان التعليم الأساسي مسألة تحتل مساحة واسعة من عمل المؤسسات التعليمية، فإن التعليم الثانوي هو مجال الصراع اليوم لأنه يستهدف الجيل الذي سيتعامل مباشرة مع الأزمة ويسد الفراغ الذي خلفه غياب جيل كامل نتيجة الحرب.
 

إن المأزق الحالي هو في المفصل ما بين ما قبل وما بعد الأزمة، فسياق ما قبل 2011 كان يحمل منظومة تعليمية لم تعد تتوفر شروطها اليوم، وهو ما يستدعي النظر بالعديد من الأمور مثل: الدخول الى الثانوية العامة بعد التعليم الأساسي، فمعدلات القبول لم تعد تتوافق مع طبيعة العملية التعليمية التي كانت تستند إلى "التعليم المهني"، فهناك ضرورة لإعادة النظر بهذا الأمر دون ان يمس جودة التعليم.
 

يبدو المفصل ما بين الشهادة الثانوية والتعليم الجامعي الأخطر في مسألة الصراع على الأجيال، فإضافة لمسألة المعدلات العالية للدخول إلى الجامعة أُضيف مسألة "الترشيح" لامتحان الشهادة للطلاب الأحرار، وهم أساساً خرجوا من إطار العملية التعليمية ويرغبون العودة إليها، وأيضاً مع مراعاة جودة التعليم فإن معالجة هذا الأمر تبدو ضرورية، لأن كسب شريحة من الطلاب إلى العملية التعليمية ولو في الجامعة سيتيح مساحات إضافية في الصراع على الأجيال القادمة.

العملية المركبة اليوم هي في دفع التعليم لحالة التفاعل الاجتماعي لكسب الصراع على الأجيال، وهو ما تقوم به المؤسسات الدولية في مناطق اللجوء، وربما يستدعي هذا الأمر توسيع العمل الرسمي نحو كافة الشرائح بما فيها تلك التي انقطعت عن التعليم وتحاول العودة إليه مجدداً.

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات – راجع شروط الاستخدام

 

تقارير ذات صلة