معهد ليفانت للدراسات

سورية .. مجتمع مدني في طور التشكّل 3/3

سورية .. مجتمع مدني في طور التشكّل 3/3
ديسمبر 09
21:33 2015

الأزمة السورية كانت نقطة التحوّل الغير محسوبة والتي غيرت كثيراً في كل مفاصل الحياة في سورية وبالطبع كانت لها تأثيرات جليّة وواضحة على النشاط المجتمعي والمدني فلم تبدأ الأزمة حتى انطلقت معها عشرات التجمعات الشبابية التي حاولت دعم موقف الدولة والاعلام والجيش السوري , وفي شكل مسيرات او تجمعات ووقفات شموع شارك آلاف من الشباب السوري في هذه المبادرات بدعم من منظمات الحزب والنقابات المختلفة ورجال الاقتصاد المقرّبين للدولة .

على المقلب الآخر ظهرت تنسيقيات ومجموعات عملت على التخطيط والقيام بالتظاهرات والحركات الاحتجاجية وبعضها مارس منذ البداية أنشطة عنفية كالتهديد لاغلاق المحال التجارية وبعضها اهتم بتوفير المواد الغذائية وغيرها , ولايخفى على متابع مستوى التمكين الموجود لدى هذه المجموعات والتي يبدو أن تمكينها واعدادها بدأ قبل أي نشاط احتجاجي في سورية , فلايمكن أن يظهر فجأة ناشطون محليون قادرون على ارسال المواد الاعلامية للمؤسسات الاعلامية وتصوير تظاهراتهم بشكل احترافي , ولا يمكن لهذه الصفحات على وسائل التواصل الاجتماعي اجتذاب الآلاف من المتابعين دون وجود مختصين يمارسون بث الرسائل المختلفة .

عن المبادرات الموالية للدولة تنوعت أشكال دعم هذه المبادرات منها من كان شعبياً خالصاً من قبل متحمسين لدعم الدولة ورافضين لما اعتبروه مؤامرة تحاك ضدها , ومن المبادرات من كان مشاريع للظهور لشخصيات اقتصادية واجتماعية على شاشات التلفزيون وأوراق اعتماد لدى الحكومة ليؤذن له الترشح للبرلمان و دعمه لاحقاً , شكل ذلك فرصة لرجال الاعمال السوريين لتثبيت ولائهم فصرفت الملايين على مسيرات سيارات ولافتات وكنزات واعلام وحفلات للتأكيد على الوحدة الوطنية !
ولم يكتف الشباب الموالي بمحاولة الاعتداء على السفارات المحميّة بل طليت سلل القمامة والحاويات بلوغو قنوات الجزيزة والعربية وأسماء المحرضين على قلب النظام في سورية وتحولت الساحات العامة في بداية الأزمة لساحات يومية للتظاهر إلى جانب الحكومة .

حاولت جهات حكومية وحزبية دعم فرق ناشئة لتصويرها كمبادرات شعبية خالصة , وفي فترة معينة تم تنحية دور المنظمات الحزبية والنقابات لصالح هذه المبادرات إلا أن المنظمات سرعان ما عادت للعب دورها التعبوي ابتداءاً من النشاطات الفنية وليس انتهاءاً بتشكيل الفصائل والكتائب العسكرية المقاتلة .

على الجانب الآخر ودون توجهات سياسية كانت هناك هبّة شعبية لاستقبال النازحين من المحافظات السورية واسكانهم وتأمين ما يلزمهم وقد بدأت هذه الهبّات مرافقة لموجات النزوح الأولى من ريف العاصمة وضواحيها ولم تكن الحكومة مهيّأة لأي طارئ من هذا النوع فقام شباب الأحياء والمخاتير بفتح المدارس المغلقة صيفاً أمام هذه العائلات وعمّت الفوضى هذه المراكز فكان المجتمع المحلي يغدق المعونات الغذائية والمادية على الاهالي في هذه المراكز وكانت الجمعيات المحلية تحاول تنظيم هذه المراكز ودعمها محلياً دون أي تدخل من منظمات الأمم المتحدة في وقتها .

لم تستمر هذه الحالة طويلاً فسرعان ما بدأت منظمات الأمم المتحدة الاستجابة وبدأ الهلال الأحمر السوري يأخذ دوره الطبيعي في أزمة من هذا النوع فشكلت لجان حكومية للاغاثة ضمت الشركاء المعنين وانتزعت ادارة المراكز من المجتمع المحلي لصالح منظمات أخرى تحت رعاية ودعم الحكومة ولم تتردد الحكومة في توفير كل ما يلزم لهذه المراكز من حراستها أمنياً وحتى تأمين كل الخدمات الاساسية وعملت منظمات الأمم المتحدة على توفير مواد الاغاثة من خلال شركاء محليين وبدأ توزيع الاختصاصات بين المنظمات بجوانب صحية وتعليمية وغذائية وتنموية وغيرها .

بدات أزمة النزوح بالتصاعد ولا تخفي معلومات الاحصاءات البسيطة التي حاول ناشطون القيام بها أن معظم النازحين لم يذهبوا لمركز ايواء بل توجهوا لمنازل أقربائهم , فبات من الطبيعي جداً أن تسكن عدّة عائلات تحكمها القرابة والنسب منزل صغير متهالك وبالتالي تضاعفت أسعار ايجارات البيوت في العاصمة وغيرها من المدن الآمنة نسبيّاً وبات النزوح الأكبر متركزاً في الاحياء الشعبية وخاصة بعد نزوح كثير من العائلات من مناطق بعيدة عن العاصمة من حمص وادلب وحلب وغيرها .

في هذه الأجواء المختلطة صارت المبادرات والمشاريع الخيرية أصعب من أن يتم احصاءها وتوثيقها , بالطبع كثير من هذه المبادرات كان تأصيلاً للفساد المنتشر بالمجتمع السوري وصورة حقيقة له ولكن بالمقابل عملت كثير من هذه المبادرات والمشاريع على سد نقصٍ لم تستطع الحكومة ولا منظمات الامم المتحدة الوصول له وقدمت خدمات لأماكن من الصعب الوصول لها ووصلت للفئات الأكثر احتياجاً ولكنها بكل تأكيد بقيت قاصرة عن توفير كل الاحتياجات في كل الاوقات , وهذا أمر طبيعي أمام مجتمع فتي تماماً تجاه هذا النوع من الأزمات .

تنوعت الفعاليات التطوعية من اغاثية و ثقافية وفنّية ورياضيّة وغيرها حاولت اعادة الحياة والفرح للمدن السورية التي أرهقتها الحرب وانتشرت مئات الفرق التطوعية في الاحياء والقرى وعملت لفترات طويلة بدون تراخيص أو موافقات لكن سرعان ما اتخذت وزارة الشؤون الاجتماعية أدواراً جديدة لتنظيم عملها وترخيص بعضها فظهرت المئات من الجمعيات والمؤسسات الوليدة والنشيطة .

عملت منظمات الامم المتحدة على تأهيل وتدريب هذه المبادرات والفرق فأقيمت مئات ورشات العمل والدورات في تخطيط المشاريع وادارة مراكز الايواء وتم اعداد آلاف المتدربين على مواضيع الاسعاف الاولي والدعم النفسي والتثقيف الصحي وكان نصيب العاصمة الأكبر من هذه الفرص نظراً للأعداد الهائلة من النازحين ونظراً لتركز نواة مجتمع أهلي أكثر خبرة وانتشاراً .

مع انتقال الأزمة لمستويات أعقد ظهرت الحاجة للعمل على المجال التنموي فالمجتمع لم يعد بحاجة لسلل غذائية وحقائب صحيّة وملابس فقط , بل بات العمل على مشاريع ذات استمرارية توفر الدخل وترفع المستوى الاقتصادي والاجتماعي بعد فقدان الآلاف لمصادر دخلهم أولوية حقيقية , لكن بالطبع بقي حجم النشاط التنموي خجولاً حتى الآن نظراً للتحديات الكبيرة والاعداد الهائلة من العاطلين عن العمل وعزوف رجال الاعمال عن الاستثمار داخل البلاد وهروب الآلاف نحو أوروبا حلماً بواقع أفضل .

في المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة تعمل كل المنظمات غير الحكومية العالمية فتدرّس مناهج تعليمية مختلفة وتقدم أشكال مختلفة من الدعم الاغاثي والطبي وتعمل منظمات الامم المتحدة في مخيمات اللاجئين في البلدان المجاورة , وبالطبع ظهرت في مناطق المعارضة عشرات الجمعيات والمؤسسات الاغاثية والتنموية والتي تبقى أسيرة السياسات المختلفة بحسب داعميها .

فوضى من المشاريع والمبادرات والجمعيات الوليدة لم ترسم إلى اليوم معالم المستقبل القادم للمجتمع المدني في سورية فكل طرف يحاول استثمار واستغلال هذه النوافذ المجتمعية , وبغياب تشريع ينظم عمل هذه المشاريع تبقى المتغيرات اليومية هي المسيّر لهذا الواقع , فالقوانين لم تعدل وفقاً للدستور الجديد 2012 ومازالت سيطرة "المنظمات الشعبية " تعمل وفقاً للمراسيم والتشريعات القديمة والتي تحكم الرجوع لهذه المنظمات في أي عمل شبابي أو تطوعي مجتمعي , أمّا في مناطق المعارضة فالأمر مرتبط بالحاكم الفعلي لتلك المناطق بين متشددين يعتقلون الناشطين والاعلاميين وفصائل عسكرية تسمح بهامش من الحريات للعمل المدني .

رغم كل ذلك يبقى المجتمع المدني السوري حتى اليوم مشروعٌ لم يزل في بدايته , فإلى اليوم لم تظهر مؤسسات مجتمع مدني حقيقية وإلى اليوم لم تشكل أجسام سياسية مدنية قادرة على خلق التغيير وصناعته والتأثير في صناعة القرار بمختلف مستوياته , ليس المجتمع المدني هو سلل غذائية كما يعتقد الكثيرون من العاملون في هذا المجال فالمجتمع المدني هو المؤهل الحقيقي لقيادة عملية التغيير الحقيقية والانتقال نحو واقع أفضل في كل الصعد .

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة