معهد ليفانت للدراسات

سورية .. مجتمع مدني في طور التشكّل 1/3

سورية .. مجتمع مدني في طور التشكّل 1/3
ديسمبر 04
12:10 2015

قبل العام 2000 احتكرت منظمات حزب البعث كل النشاط الأهلي والشبابي في سورية من خلال منظمات الشبيبة والطلائع والاتحاد النسائي والطلبة مع نقابات العمال والفلاحين والاتحاد الرياضي وغيرها , وكان أيّ حلم بافتتاح جمعية أو مؤسسة أهلية فاعلة حلماً بعيد المنال فقد كانت هذه المنظمات "الشعبية"  بحسب التوصيف الرسمي لها هي الحامل لكل النشاط المجتمعي وكل ما يمارس خارجها في شرائحها المستهدفة يخرج صاحبه من القانون , رغم أن تاريخ العمل المجتمعي والتطوعي في سورية قديم وعلى سبيل المثال يرجع تأسيس أول فرقة كشفية في سورية إلى 1912 في لبنان .

منذ 1970 بدأت منظمات البعث بالقيام بأدواراً حصرية لتعبئة وتوجيه كل فئات المجتمع وفق رؤية القيادة السياسية لما يحدث من تطورات في مختلف الصعد ولكن هذه المنظمات تراجعت في تأثيرها على المجتمع السوري فهي التي ترفع شعارات البعث نفسها أصيب كوادرها بالخيبة التي رافقت الجميع بعد عشرات السنين على طرح شعارات لم يستطع أحد تحقيقها .

بدأت المنظمات الشعبية تتراجع في تأثيراتها الفعليّة في أوساطها منذ التسعينيات ومردُّ ذلك إلى الطرق التقليدية التي تحاول هذه المنظات الوصول بها إلى الشرائح الهدف وجمود الخطاب الفكري الذي تنتهجه اضافة لدور التعبئة المحتّم عليها أخذه في عملها , هذه المنظمات هي المسؤول الأول عن ملئ الساحات الكبرى في أي فعالية تقرّها القيادة السياسية ولو كانت ذات طبيعة فنيّة أو رياضية وتوظف لهذه المنظمات أموال موجهة من القيادة القطرية للحزب والوزارات كما تنتشر مكاتبها ومقراتها في كل المحافظات وأبعد القرى في سورية .

لعبت هذه المنظمات أدواراً كبيرة في بناء وصهر الجيل الشاب وفق رؤية وتوجه معين أراده البعث , كما كانت ذراعاً أساسياً استخدمته الدولة السورية في أي مواجهة من أي نوع وربما التنظيمات الشبابية المقاتلة التي ولدت عن هذه المنظمات و التي حاربت إلى جانب الدولة الاخوان المسلمين كانت المثال الأبرز عن الدور المتغيّر التي يمكن لهذه المنظمات العقائدية أن تقوم به , ولم تتردد القيادة السياسية بحظر أي مؤسسة أو جمعية أحسّت بخطرها وتأثيرها على هذه المنظمات ويبرز مثال كشاف سورية الذي أوقف عام 1982 وعاد بمرسوم جمهوري في 2006 كمثال واضح لتقويض أي شيء من شانه أن يؤثر أو يدخل على عمل هذه المنظمات في ذلك الوقت .

هذه المنظمات لم تكتفي باتجاه واحد للنشاط بل كانت الراعي الحصري للأنشطة الشبابية من مختلف المجالات الثقافية والرياضية والفنية والعقائدية والسياحية والاعمال التطوعية مع مراعاة الجوانب الأمنية بالطبع والتي كانت واضحة للجميع ما جعل سمعة هذه المنظمات تتبع أحياناً لهذا الجانب فقط فكان يقال عن أعضاء الشبيبة والطلبة بأنهم أزلام السلطة والمخابرات حيث تواجدت قيادات هذه المنظمات في كل المدارس والجامعات والمعاهد والأحياء .

ففي مرحلة التعليم الاساسي تلعب منظمة طلائع البعث أدوار كبيرة في توجيه وتنشئة هذه الشريحة وفقاً لتوجهات البعث والعروبة وتقام المعسكرات والأنشطة والمسابقات على كل المستويات برعاية حزبية كبيرة ومهرجانات يشارك بها الآلاف وتتلقف منظمة اتحاد شبيبة الثورة في هذه المرحلة ايضاً وابتداءاً من الصف السابع الشباب فتقيم الدورات المختلفة ليُصار في مرحلة لاحقة لاقامة دورات العضوية العاملة لهم واعداد الكوادر القيادية والانشطة المختلفة الرياضية والثقافية والفنية وكلها بشعارات التعبئة التي يقرها الحزب .

ويعد شباب منظمة الشبيبة عماد الشباب المنتسب للحزب والمرشح لأخذ ادوار قيادية فيه فتقام الدورات والمعسكرات والمناظرات والمسابقات وكل أنواع النشاط الشبابي مادام يدور في فلك السياسة الحزبية وتستمر معهم حتى دخولهم الجامعة لياتي دور الاتحاد الوطني لطلبة سورية والذي لاتخلو أي كلية أو معهد أو جامعة من فرع له والوظيفة الاساسية له هي رعاية مصالح الطلاب وتمثيلهم في مجالس الجامعات والتعليم العالي اضافة لدور الانشطة الطلابية بكل أنواعها ومراعاة الدور الأهم وهو الجانب الأمني الذي شكل شبحاً للطلاب في بعض الفترات الحرجة .

لهذه المنظمات كانت تصرف المليارات من الخزينة السورية ولقياداتها سلطات واسعة في قطاعاتهم ويجب الرجوع إليهم حتى على مستوى الادارات التربوية كما يحظى أعضائها بمميزات خاصة ويتبعون دورات ومعسكرات لرفع سوياتهم وقدراتهم القيادية ويتلقون محاضرات في القيادة والتأثير والاقناع والتعبئة كما تحظى فئات منهم ببعثات خارجية في دول شرقية لتطوير أدائها ومشاركة تجاربها التعبوية مع هذه الدول وتوظّفُ في سبيل سلطاتهم كل التسهيلات الاعلامية وموارد الوزارات المختلفة بما فيها وزارة الدفاع .

وبحكم المادة الثامنة من الدستور المعدّل حالياً

"حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد في المجتمع والدولة ويقود جبهة وطنية تقدمية تعمل على توحيد طاقات جماهير الشعب ووضعها في خدمة اهداف الامة العربية"

فقد حظيت هذه المنظمات بمقرات في كل حي في سورية وموظفين مفرغين ومميزات لاستثمار وتفعيل أي نادي أوملعب أوم مركز ثقافي لتؤدي دوراً مطلوباً منها مرهون بخطط وطنية تنفذ على مستوى الدولة في سورية .

حتى هذا الوقت كانت الدولة تتشدّد في أي نشاط شبابي أو مجتمعي خارج عن محيطها الضيّق وكانت برامج الأمم المتحدة مضطرة للتعامل فقط مع هذه المنظمات وبعض الجمعيات ذات التأثير المحدود ولم يعرف المجتمع السوري فكراً تطوعيّاً عدا ما كانت تقوم به هذه المنظمات من حملات نظافة وزيارات لدور الايتام ومخيمات تطوعية كان لها آثار جيدة في فترات مضت .

مع  مجي العام 2000 شهد واقع هذه المنظمات تغيّراً كبيراً في أدوارها ومسؤولياتها وصلاحياتها فوصفات العقود الماضية لم تعد تجدي نفعاً في استقطاب الشباب والرسائل الشمولية باتت قاصرة عن جذب اهتمامات الجيل الشباب الذي بات التلفزيون في حينها ومن بعده الانترنت محرّكه الأبرز , تراجعٌ في الأدوار وترهّل في القيادات كان واقع هذه المنظمات في استقبال القرن الجديد الذي ولّد سورية جديدة .

يتبع ..

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة