معهد ليفانت للدراسات

سورية .. مؤسسات التمويل الصغير والتكافل الاجتماعي

يناير 27
19:08 2015

ساهم الصراع في سورية في عرقلة نمو الاقتصاد، وتضرر قطاعات عامة وخاصة، وتوقف مجالات السياحة والصناعات الاستخراجية وتراجع الصادرات وهو ما دفع بالليرة السورية للتراجع أمام سلة العملات العالمية، ففقد المستهلك جزءا كبيراً يعادل 75% من قدراته الشرائية فاضطر للانكفاء وضغط النفقات والاكتفاء بالأساسيات والإحجام عن الكماليات، وانسحب هذا الحال على المؤسسات الاقتصادية والشركات بمختلف تخصصاتها مهما كبر حجمها وقدرتها التشغيلية لجهة إيقاف التوظيف وعدم التوسع الأفقي والعمودي في الأعمال.

المصارف السورية انطبق عليها ما سبق وبقت تعمل "بالحد الأدنى" وتعمل على التكيّف مع الأزمة والمستجدات لجهة اقتطاع المؤونات اللازمة لمواجهة أي خسائر محتملة بسبب الوضع الأمني فلم نشهد أي مصرف وعلى مدار أربع سنوات أن وزع أرباحاً أو أعلن عن منتج إقراضي جديد عدا بنك واحد. يمكن القول أن المصارف تعمل تحت رؤية ومظلة المركزي السوري فهو مرجعيتها في كل شيء وفق القوانين والأنظمة المصرفية النافذة.. وبما أن المصارف توقفت بشكل شبه كامل عن الإقراض لانعدام شروط الإقراض بسبب الأوضاع الأمنية، برز إلى السطح نشاطاً كان فاعلاً قبل الأزمة لكنه تباطأ بسبب الصراع لجهة الوصول إلى المستهدفين وهو قطاع "التمويل الصغير والمتوسط"…

تشكل مؤسسات التمويل الصغيرة والمتوسطة رديفاً أساسياً للاقتصاد وتعد سورية بيئة خصبة لهذا النوع من التمويل الذي يستهدف الفقراء والأشد في الأرياف والمناطق النائية لمساعدتهم على الانطلاق بمشاريع محلية وبفوائد بسيطة أقل بطبيعة الحال من فوائد المصارف، حيث يتركز60% من الفقراء في سورية في الريف، وبحسب دراسة تناولت قطاع التمويل في سورية العام 2010 إلى أنه ومنذ العام 2003 لعام 2010 أي قبل الأزمة استفاد ما يقارب من 40 ألف عميل سوري من خدمات مؤسسات التمويل الصغير، ويوجد نحو 24000 عميل نشط، وقدرت الدراسة ارتفاع الطلب على خدمات التمويل حتى وصلت إلى 1200 أسرة سورية العام 2010.. ويوجد في سورية عدد من المؤسسات العاملة في مجال الإقراض الصغير والمتوسط بتمويل يتراوح بين 10 آلاف – 250 ألف ليرة، مثل مؤسسة الآغا خان للتنمية ومؤسسة التمويل الصغير الأولى، ودائرة التمويل الصغير (الأونروا)، ومشروع تمكين المرأة والحد من الفقر مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ومشاريع وزارة الزراعة بالتنسيق مع إيفاد، والصندوق السوري لتنمية الريف، ومؤسسة بداية، والأمانة السورية للتنمية  ومشاريع أخرى.

مع استمرار الأزمة السورية تراجع نشاط مؤسسات التمويل أسوة بالمؤسسات الاقتصادية الأخرى التي تماثلها النشاط كالمصارف، لجهة تراجع حجم القروض وتدهور شروط الائتمان وهذا طبعا بسبب الأوضاع الأمنية فهذه المؤسسات تستهدف الفقراء ومن يعيشون في المناطق النائية والأرياف لمساعدتهم على الانطلاق بمشاريع محلية، ونلاحظ أن البيانات المالية المتوفرة والصادرة عن عدد من مؤسسات التمويل الصغير والمتوسطة والمتناهية الصغر في سورية هي لفترة ما قبل الأزمة ومنها ما أعلنته مؤسسة التمويل الصغير الأولى – سورية عام 2011، عن أن مجموع القروض الموزعة في 2011 بلغ نحو 20.052 قرض صغير ومتناهي الصغر بقيمة إجمالية بلغت نحو 1.6 مليار ليرة سورية، محققة بذلك نمواً بنسبة 31% في حقيبة القروض خلال العام2010.

أما مشروع تنمية المرأة الريفية التابع للهيئة العامة لتنمية وتشغيل المشروعات استفاد منه 435 قرية وبلغ عدد القروض 9054 قرضاً، ووصلت المبالغ المقرضة إلى 902 مليون ليرة، ووصل عدد القروض المنفذة في محافظات (الرقة- الحسكة- دير الزور) من خلال المشروعين السابقين، إلى 218 قرية، وعدد القروض إلى 3574 قرضاً وهناك 587 قرضاً قيد الإنجاز، ووصلت المبالغ المقرضة إلى 339.5 مليوناً.

إذا عمليات الإقراض خلال الأزمة فهي خجولة أو لا تسير كما هو مطلوب في الرؤية التي رسمتها إدارات هذه المؤسسات، فمصرف الإبداع منح العام الماضي 18 قرضاً جديداً للمتضررين والمهجرين داخل الأراض السورية، ولا يمكن القول أن هذه المؤسسات المالية على أحسن حال الآن، فهي بسبب الأزمة أمام حالتين الأولى: أنها لا تستطيع ممارسة عملها الطبيعي من خلال المغامرة والدخول في مخاطر ناتجة عن تمويل غير محسوب من قبل إدارات المخاطر التابعة لها ما يرفع نسبة القروض الهالكة أو المتعثرة والمشكوك في تحصيلها، وكذلك لا يمكنها الاستمرار على هذا الحال "مجمدة" أو تعمل بالحد الأدنى فهناك مصاريف تشغيل يأكل رأس المال وهناك مستثمرين وضعوا أموالاً لتحقيق عائد وأرباح حقيقية.. ما يعني أنها مكبّلة ورهينة انتهاء الأزمة السورية.

ويعتبر التمويل الصغير توجهاً مثالياً في الاقتصادات الناشئة لتقديم قروض صغيرة لأسر فقيرة بهدف مساعدتها على البدء في أنشطة إنتاجية أو لتنمية مشاريعهم، والتمويل الصغير لا يشمل الاقراض فقط بل يتناول أنشطة ذي صلة بالادخار والتأمين. ولقد بدأ هذا النشاط الاقتصادي تاريخياً في بنغلاديش والبرازيل منذ نحو ثلاثين عاماً وقد بلغ أوجه في ثمانينات القرن الماضي حيث نمى القطاع حتى انتقل محور اهتمامه من مجرد القروض إلى بناء مؤسسات محلية قادرة على البقاء والنمو لخدمة الفقراء الناشطين اقتصادياً، وتم التركيز على الإقراض التنموي وذلك بالإصرار على السداد، وفرض نسبة فائدة لتغطية تكاليف القرض والتوجه للزبائن الذين كانوا يعتمدون على القطاع غير الرسمي للحصول على قروضهم اللازمة. (CGAP, 2012) 

وبحسب الدراسات التي تتناول هذا القطاع "فإن تقديم خدمات مالية في مؤسسات الإقراض الصغيرة والمتوسطة يعتبر مرتفع التكاليف فتكلفة تقديم القروض الصغيرة وحجم العمليات الكثيرة من أهم أسباب إحجام البنوك والمصارف عن تقديم قروض صغيرة، ويمكن القول أن تكاليف إدارة القرض الصغير نسبة إلى حجم القرض أعلى بكثير من تكاليف إدارة قرض أكبر إذ يجب على وظفي مؤسسة الإقراض زيارة الزبون في منزله أو مكان عمله لتقييم سمعته الائتمانية ودراسة الجدوى الاقتصادية لمشروعه بناءاً على لقاءات مع أفراد أسرته والأشخاص المرجعيين، وفي حالات كثيرة تتكرر الزيارة للمتابعة وللحث على السداد وللتحصيل ما يجبر المؤسسة على فرض نسب فائدة تبدو مرتفعة لتغطية تكاليف إدارة القروض وإدارة المخاطر وحجم الأعمال والأشخاص المنخرطين في العمليات الإقراضية". وإن تحديد سعر الفائدة يتم دراسته وتحديده بناء على دراسات متخصصة من قبل خبراء ماليين لوضع خطة للوصول إلى استقرار المؤسسة وتحقيق الإستدامة خلال 5 – 6 سنوات وتتم مراجعته باستمرار وتعديله بحيث لا يرهق المقترض ولا يضعف المؤسسة.

التمويل الصغير والاعتماد على الذات

يوفّر التمويل الصغير الخدمات المالية لذوي الدخل المحدود ممن يفتقرون لضمانات تؤهلهم الحصول على قروض مصرفية، وترسل برامج التمويل الصغير رسالة ايجابية إلى الأسر والمجتمعات المحلية حول الاعتماد على الذات.. ويساهم في توفير حزمة متكاملة من الخدمات المالية المتناهية الصغر تشمل المناطق الأكثر احتياجاً، مصممة لتلبية احتياجات الفئات المستهدفة، بالتركيز على المـرأة  والشباب، وتقدم هذه الخدمات مؤسسات مالية تعمل في بيئة تنافسية، تدخل في إطار المنظومة المالية والرقابية في سورية، وهذا يعني أن على المؤسسة أن تكون مستدامة وقادرة على تغطية تكاليفها وتوليد فائض صغير يسمح لها بالنمو وتوسيع نطاق عملياتها لخدمة شريحة أكبر من العملاء، وغالباً ما تكون تكاليف تشغيل مؤسسات التمويل الصغير، بالنسبة لمحفظة قروضها أعلى من تكاليف المصارف التجارية، لأنها تقدّم خدمات في المناطق الريفية والنائية البعيدة عن مراكز المدن والمحافظات والبعيدة عن القطاع المالي التقليدي ولأن تقديم القروض الصغيرة وجمع المبالغ المسددة تكلف أكثر من القروض الأكبر التي تقدمها المصارف التجارية.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات – راجع شروط الاستخدام

تقارير ذات صلة