معهد ليفانت للدراسات

سورية .. دعوات لاشراك الاسلاميين بعد عقود الغياب

سورية .. دعوات لاشراك الاسلاميين بعد عقود الغياب
يناير 26
10:25 2016

في ظل التحوّلات التي تعيشها الدول العربية وعلى وجه التحديد ما يحصل في سورية فإن تطلّعات الباحثين والمفكرين العرب لاتعدو لتكون مجرد اسهامات خجولة في دراسة الواقع المعاش في السنوات الأخيرة ولا تتضمّن رؤى حقيقيّة للمستقبل في هذه البلدان , حيث يحرص معظمهم على عدم التنبؤ بأي تغييرات قادمة نظراً لما قدمته الخمس سنوات الأخيرة من مفاجآت على مختلف المستويات أذهلت الجميع .

لكنّ بعض هؤلاء يعملُ في مراكز للأبحاث والدراسات مموّلة من الدول النفطيّة والغنيّة والتي سعت إلى استثمارهم في بناء وانتاج دراسات واقامة مؤتمرات وندوات تصوّر الواقع المتغيّر, وذلك بغياب موضوعي للدراسات والأبحاث وانما دراسات منحازة لتبرير سياسات هذه الدول التي ساهمت ماديّاً ومعنويّاً في التغييرات الحاصلة عربياً , بل كانت وسائل اعلامها المحرك الرئيسي للأحداث في بعض الدول مثل سورية , والحديث لا يقتصر عن قنوات الجزيرة والعربية بل يذهبُ لتدريبات اعلاميّة تلقاها ناشطون قبل سنوات من بدء الأحداث في سورية قدمتها منظمات مجتمع مدني .

وفيما تندرُ المؤسسات البحثية الحقيقيّة العربية فإنّ القائمة منها تفتقد الدعم والتمويل والحريّة مع هشاشة في بنيتها واستمرايتها وضعف المستويات التعليميّة والجامعية وارتباط معظمها بالسلطات الحاكمة الموجّهة لسياساتها ما يحول دون الاضطلاع بمهامها التي ما زالت أحلاماً فقط منذ عقود .

مالا يراهن أحدٌ عليه اليوم هو اتجاه الشعوب العربية والتي انتقلت خلال خمس سنوات نقلات غير مضبوطة بين اتجاهات متباينة علمانية ومدنية وأخرى سلفيّة ومتطرّفة وبات الحديث اليوم في سورية مثلاً قابلاً (في المستويات غير الرسميّة الحكومية طبعاً) لحوار مع المكوّن السلفي بعد أن كان قبل سنتين ربما جريمة كبرى لايمكن ارتكابها , في ظل ما كان يعتقده الباحثون عن مستويات من العلمانية والمدنية وصلتها سورية .

اذاً اليوم تولّدت فرص للمكوّنات الاسلامية الأقل تطرّفاً من تنظيم الدولة الاسلامية "داعش" للظهور على الساحة ومناداة البعض لاعطائها أدواراً في العملية السياسيّة القادمة .

وربما يفسر ذلك صعود تنظيم الدولة وسيطرته على مساحات واسعة وما يرتكبه من فظائع , ما جعل الاتجاهات تميل لمكونات اسلاميّة أقل تطرّفاً رغم أن بعضها – كجبهة النصرة-  لايقلُّ تطرّفاً عن التنظيم ولكن سياسته الاعلاميّة لاتظهر كلّ شيء وتهتمُّ بعمل أنظمة الحكم المحليّة والمحاكم التي أقامتها في مناطق سيطرتها والتي تسعى لاستثمارٍ في السكان بهذه المناطق لكسب تأييدها ودعمها , وبالطّبع  يغلبُ السوريون على الجنسيات المقاتلة في النصرة ويغيب هذا الأمر في تنظيم داعش لصالح جنسيات عربية وأوروبية وآسيوية تشكّل غالبيّة مقاتليه ما يعطي زخماً أكبر للنصرة بين السوريين .

ورغم الأحاديث التي تدور في جنيف والرياض وفيينا وموسكو وباقي المدن التي شهدت محاولات سياسيّة للحل يبقى الفصلُ في مسار الأزمة السورية مرتبطٌ بالميدان فالانجازات التي تحققها قوات السورية مع الغطاء العسكري والجوي الروسي فرضت واقعاً جديداً للمساومات المقبلة وقوّت موقف الحكومة وحلفائها , بعد فترة سابقة مليئة بخيبات الحكومة وفقدانها لمناطق واسعة .

اذاً الرهان اليوم على حلول سياسيّة يأخذ حيّزاً كبيراً من الاعلام لكن الرهان الذي تعتقد فيه الأطراف السورية هو رهان آخر , فالسيطرة الأكبر اليوم هي للتنظيمات المتطرّفة ولتنظيم "داعش" وبالتالي فإن الاتفاق مع مكونات المعارضة المفككة أصلاً لا يغيّر إلا أدواراً بسيطة في ما يحصل على الارض , مالم يحصل توافق من قبل الدول والممولين الراعيين لتمدد داعش والنصرة واقفالهم مصادر التمويل والتسهيلات في الاراضي التركية وغيرها , وهذا مرتبط إلى حد كبير مع الأزمة في العراق الذي دخل بمواجهة مفتوحة مع تنظيم الدولة الاسلامية .

واذا كان الميلُ اليوم لانهاء النزاع العسكري في سورية فإن ذلك يحتّم من وجهة نظر البعض التلاقي مع المكوّن السلفي واعادته للخارطة السياسية بعد عقود من اقصائه عنها بفعل التوجهات العلمانية والقومية في سورية والتي لم يكتب لها النجاح في مسارها كما يبدو اليوم , قبل عقود كان الاسلاميون في سورية يشكلون كتلاً برلمانية ويشاركون في صنع السياسيات والحكومات , لتأتي التجربة القومية وتحظر الاحزاب الاسلامية ويولّد ذلك استعداد للاسلاميين للظهور في أي لحظة كما حصل في الثمانينيّات وكما يحصل اليوم  .

 

الباحثون العرب في مأزق فكري كبير , هم الذين تغنّوا خلال العقود الماضية بالتوجهات العلمانية لأنظمة الحكم يعودوا اليوم لنقض دراساتهم والدعوة لحوارات مفتوحة مع المكوّنات الاسلاميّة لما تمثله من قوّة ضاربة على الارض ولما تعيشه تشكيلات العلمانيين من تبعيّة واضحة للممولين وتشرذم واضح اضافة لتباعد في الأهداف .

إنّهم عاجزون تماماً عن خلق وعي مجتمعي جديد تجاه العلمانيّة والمدنيّة في ظل التغييرات المفاجأة منذ 5 سنوات وحتّى اليوم والتي قلبت موازين القوى و زادت في أدوار دول عربية لتشكّل وتشارك في صنع المتغيّر العربي وفق سياساتها ولو أن الاتجاجات بدأت شعبيّة تنادي بالحريات إلا أنها تحوّلت لأدوات سياسيّة بيد تلك الدول .

 


 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

.

 

تقارير ذات صلة