معهد ليفانت للدراسات

سورية .. الطاقة البديلة

يناير 20
07:41 2015

قبل الأزمة السورية كان صوت الحديث عن التوجه لاعتماد الطاقة البديلة مرتفعاً، كان هناك سعي حقيقي من الأطراف المعنية في القطاعين العام والخاص لإيجاد صيغة تشريعية عبر قانون يشجّع الشركات ورؤوس الأموال للاستثمار في هذا المجال، وهو ما كان يتوازى مع توجه عربي إقليمي وعالمي لاعتماد الطاقة البديلة (الرياح والشمس والمياه) بدلاً من الوقود الأحفوري الذي تنبأت دراسات عديدة باقتراب نضوبه وعدم التعويل عليه مستقبلاً وإدخاله في موازنات الدول المالية كرافعة نمو، حيث كشفت دراسة حديثة للجنة الدولية للتغيرات المناخية أنه يمكن الحصول على نحو 75% من الطاقة في جميع أنحاء العالم من مصادر بديلة بحلول عام 2050

أما في سورية وبسبب الصراع فقد غابت معظم مصادر الطاقة اللازمة لتوليد الكهرباء وبقيت طاقة الشمس والرياح.. واليوم يبقى الحديث عن التوجه للطاقة البديلة مطلوباً وخاصة بعد الحرب، فتكاليف إعادة الإعمار تتطلب مصادر طاقة مستمرة وبتكاليف أقل مادياً وضرراً على البيئة، ولا يمكن وقتها للمصادر السورية على وضعها الحالي من نفط وغاز أن تف بالغرض، إذا لا بد من البحث عن بدائل في ظل الاهتمام العالمي والإقليمي لتطوير مصادر الطاقة البديلة، باعتبارها أكثر البدائل الواعدة والملائمة لتلبية احتياجات السوريين من الطاقة ولدورها الكبير في الحفاظ علي البيئة وتحقيق التنمية.

تعد سورية بجغرافيتها من أنسب بلدان العالم لمشاريع الطاقة البديلة (الشمس – الرياح) إذ تتميز سورية بمساحاتها بسطوع شمسي شبه دائم على مدار العام وبمعدلات عالية تصل وسطياً إلى أكثر من عشر ساعات يومياً أي حوالي 300 يوم، ولقد أثبتت دراسات فنية أن منطقة حمص مصنفة في المرتبة السادسة عالمياً لاستمرارية الرياح الدائمة فيها، وكذلك تعطي الطاقة الشمسية 2300 كيلو واط في الساعة في الكيلومتر المربع الواحد، ويعدّ مستوى الاشعة الشمسية في سورية ثاني أعلى مستوى بين الدول العربية، ورغم الإقبال "الخجول" للشركات للاستثمار في هذا المجال وفق صيغة التشاركية بين القطاعين العام والخاص "BOT" نظراً لغياب هذه الثقافة وتسيّد الاعتماد على الوقود الأحفوري لتوليد الكهرباء كما هو الحال في كثير من الدول العربية  النفطية، وكذلك بسبب غياب التشريعات والقوانين الناظمة لطرفي العلاقة فقد تأخرت سورية في هذا المجال، وكان لا بد من الإسراع باللحاق بالدول التي تتقدم على هذا الصعيد عبر استصدار قانون ناظم وجد النور في 2009. وبالأرقام يمكن القول أن الاستثمار في الطاقات البديلة أكثر جدوى للمستثمر وأكثر ديمومة فالمستثمر الذي يؤسس مزرعة رياح ويستثمر لفترة مابين 20 – 25 عاماً، فانه يسترد ثمن مزرعته بعد 5 أعوام، وسيكون مردود بقية السنوات أرباح، وذلك وفق عدد من الدراسات حيث يقدّر العمل التشغيلي للمزرعة بـ25 عاماً.

 

أنسب المناطق للاستثمار

يعود استثمار طاقة الرياح في سورية إلى بداية خمسينات القرن الماضي حيث نقل بعض المغتربين السوريين العائدين من أمريكا الجنوبية تقانة المراوح الريحية الميكانيكية متعددة الشفرات لضخ المياه، وتم تصنيع ما يقارب الـ 4000 مروحة في ورش صغيرة، وجرى تركيبها في منطقتي حمص والقلمون، وعملت هذه المراوح بنجاح لسنوات عديدة.. وكما قلنا تعتبر سورية واحدة من الدول الغنية جداً بالمناطق المؤهلة لتوليد الكهرباء من الرياح، حيث يرصد أطلس الرياح عام 1994 (الصورة) معلومات عن سرعات الرياح مأخوذة من 60 محطة رياح تغطي معظم المناطق، وهذه المعلومات تتضمن نتائج القياسات الريحية لمدة عشرة أعوام (1979-1989)، ووفقاً لهذا الأطلس تم إعداد خارطة الرياح حيث تم تقسيم سورية إلى 4 مناطق ريحية، وتم  تقييم مصادر الرياح بالتعاون مع شركة  Deconالالمانية، حيث تم اختيار المواقع اعتماداً على نتائج أطلس الرياح السوري وتم تركيب 17 محطة رصد ريحية لقياس وسائط الرياح وأخذت القياسات لمدة سنتين في تلك الموقع، وأظهرت النتائج توفر كمون ريحي عالي في عدد من المناطق، ومن خلال قراءة الخارطة يمكن تقسيم المناطق الملائمة لاستثمار الرياح إلى خمس مناطق:

1 – منطقة الجبال الساحلية، وتمتد من ادلب وحتى غربي حماة وغربي مدينة حمص "شين".

2 – المنطقة الوسطى، وتمتد من مدينة قطينة وباتجاه الشرق حتى تدمر وإلى غربي دير الزور وشرقي الرقة ثم العودة مروراً بقرية الكروم وقرية اثريا حتى سلمية.

3 – المنطقة المحيطة بالطريق الدولية (حمص – دمشق)، وتعتبر منطقة جندر من المواقع الواعدة في هذه المنطقة.

4 – المنطقة الجنوبية الغربية، وتمتد من جنوب دمشق وحتى القنيطرة ومرتفعات الجولان وتمتاز هذه المنطقة بمعدل سرعة رياح أعلى من 5 m/s على مدار العام.

5 – المنطقة الجنوبية الشرقية، وتمتد من مطار دمشق الدولي حتى سبع بيار والتنف ونزولاً إلى أقصى الجنوب (الزلف) على حدود الأردن.

 

لماذا الطاقة البديلة؟

يتجه العالم اليوم لاعتماد مصادر بديلة عن الوقود الإحفوري، وتشير عدد من الدراسات إلى أنه قد ينضب بعد أعوام إضافة إلى مخاطره على البيئة على المدى البعيد، ويساهم تذبذب أسعار الطاقة بين ارتفاع وانخفاض في تضرر اقتصادات العالم، لذلك أصبحت أعين الشركات تتجه نحو مشاريع أكثر جدوى مستفيدة من طاقة الرياح والشمس، ولعل سورية ووفق البيئة الخصبة التي تملكها من أنسب الدول التي يجب أن تتلقف هذه المبادرة وتتوجه بهذا الاتجاه، بعد أن تضررت آبار النفط والغاز وخرجت عن الخدمة وتوقفت نحو 30 عنفة كهرباء بسبب غياب الوقود، فضلاً عن التكاليف المرتفعة لانتاج الكهرباء باستخدام الفيول، وبحسب بيانات وزارة الكهرباء فإن تكلفة إنتاج الكيلو واط ساعي، تبلغ 17.5 ليرة سورية، وعلى التوتر المنخفض تبلغ التكلفة 35 ليرة، وأن تكاليف الوقود للمحطات تقدر بـ250 مليار ليرة سنوياً، أي بمعدل 700 مليون ليرة يومياً، وهذا ثمن وقود لمحطات التوليد، وبحسب الوزارة فإن سورية تحتاج لإقامة محطة سنوياً على الأقل باستطاعة 700 – 1000 ميغا واط تكلفتها 700 مليون يورو وهذا يحتاج إلى قروض وتمويلات قد توقفت بعد العقوبات التي فرضها الغرب على سورية، إضافة إلى أن تكلفة توليد الكيلو واط الواحد من الكهرباء في سورية يعد من أعلى المعدلات في العالم إضافة إلى الفاقد الكبير حيث يقدر الخبير في مجال الطاقة الدكتور زياد عربش بين 15-18% وهو يختلف حسب المحافظات إذ انه يصل إلى 30% في ريف دمشق.
وبحسب دراسة نشرتها مجلة (ابيض أسود) فإن لدى سورية عشر محطات لإنتاج وتوليد الكهرباء تعمل على الغاز والفيول والمازوت، وهي: الزارة وتنتج (660) ميغاواط وتستخدم الغاز بشكل أساسي، ويمكن أن تعمل على الفيول وعلى المزيج الغازي مع الفيول، والسويدية طاقتها (150) ميغاواط، وبانياس تنتج (680) ميغاواط إضافة إلى مجموعة غازية باستطاعة (35) ميغاواط وتعمل على الفيول، وحلب استطاعة المحطة الإجمالية (1100) ميغاواط وتستعمل الفيول والغاز والطبيعي، والتيم تنتج (96) ميغا واط وتعمل على الغاز والمازوت، ومحردة تنتج (660) ميغاواط وتستخدم الغاز الطبيعي والفيول والمازوت، والناصرية تنتج (336) ميغاواط وتعمل على الغاز والفيول والمازوت، وزيزون تنتج (384) ميغاواط وتعمل على الفيول والمازوت والغاز، وجندر تنتج (1290) ميغاواط تعمل على الغاز، وتشرين تنتج (2625) ميغاواط تعمل على الغاز والفيول والمازوت. وبلغت الذروة المسائية لحمل الشبكة (7278) ميغاواط، وأدنى حمل (4337) ميغاواط، وذلك في منتصف شهر آذار (2011).

وعلى اعتبار أن تكاليف انتاج الكهرباء في سورية هي من أعلى المعدلات عالمياً يبقى اللجوء للطاقة البديلة حلاً وخياراً استراتيجياً في المستقبل، ففي دراسة قدمها عدد من الباحثين إلى مؤتمر الطاقة الوطني الأول في سورية العام 2010 منهم الدكتور مطانيوس حبيب، أجرى مقارنة حول تكلفة إنتاج الطاقة بين محطتي طنجة في المغرب وجندر في سورية، وأوضح الفارق الكبير بينهما، ففي محطة طنجة وصلت كلفة إنتاج الكيلو الواط الساعي (2.28) ليرة مقارنة بـ(3.56) ليرة في محطة جندر..

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات – راجع شروط الاستخدام

 

تقارير ذات صلة