معهد ليفانت للدراسات

سورية ..اتجاهات إعادة الإعمار

سبتمبر 11
20:01 2014

يشكل إعادة الإعمار في سوريا منفذاً سياسياً هاماً لمعظم القوى الإقليمية والدولية، واحتل منذ دخول الأزمة عامها الثاني وحتى اليوم موقعاً أساسياً في التفكير بمستقبل البلاد عموماً، فالمسألة لم تعد مجرد استثمارات عادية بل خلق بيئة للنفاذ إلى عمق العامل السياسي، حيث يشكل الاقتصاد السوري بوابة تحول عميقة يمكن عبرها تغير طبيعة البنى السياسية والاقتصادية، فبعض التقديرات تتحدث عن أن تكلفة إعادة الإعمار ودعم التنمية في سوريا ستصل إلى 200 مليار دولار، وذلك وفق البيانات حتى نهاية عام 2013، ومثل هذه الإرقام تنعكس مباشرة على التحركات الاقتصادية التي أنتجت عدة مؤتمرات بهذا الخصوص، فالبحث الاقتصادي يتجه نحو شكل سورية في ظل حجم الأموال التي تحتاجها كي تنطلق من جديد.

تقديرات مبدئية

لا توجد دراسات دقيقة حول حجم الدمار الذي سببته الأزمة السورية، فهناك تقديرات حكومية تتحدث عن قطاعات بعينها، بينما يشمل الدمار مدن وقرى وممتلكات عامة وخاصة، ووفق تصور أولي هناك 9 محافظات بمدنها وأريافها تعرضت لدمار كلي أو جزئي، وذلك من أصل 14 محافظة سورية، ففي حلب، على سبيل المثال، طال التدمير البنية الصناعية في المدينة، وتشير بعض الدراسات أن الخسائر فيها تجاوزت 15 مليار دولار، ولكن مع إضافة ما تعرضت لها المدينة بذاتها وأسواقها التجارية، فإن الخسائر ربما تتجاوز الخمسين مليار دولار في حلب وحدها.

الجانب الآخر من مسألة إعادة الإعمار تبحث في عدد اللاجئين والنازحين الذي يقدر بحوالي 7 ملايين لاجئ ونازح، وهؤلاء إما فقدوا منازلهم بالكامل أو دُمرت جزئيا أو تضررت، وهذا يعني الحديث عن ما يقارب 4 ملايين منزل يحتاج لإعمار كامل أو جزئي، ويمكن أن تصل تكلفة مثل هذا الأمر إلى أكثر من 150 مليار دولار، وبالتأكيد ليس كل مَن غادروا مكان إقامتهم فقدوا منازلهم، إلا أن البنى التحتية للمناطق التي تضررت جزئيا ستؤدي للوصول إلى تقديرات مالية عالية، حيث يذهب البعض إلى أن تأهيل البنية تحتية سيرفع من التكلفة الكلية لإعادة الإعمار لتصل الى 500 مليار دولار، وحسب الاحصائيات التي ظهرت في مؤتمرات مختلفة خارج سورية فإن أكثر من 20 مستشفى كبير تعرضت للدمار بشكل كامل ومثلها لدمار جزئي، كما تعرضت أكثر من 500 مدرسة للدمار الكامل، وأما بالنسبة لبيوت المدنيين، فإن هناك أحياءا بكاملها في حلب وحمص وريف دمشق ودرعا وادلب ودير الزور دمّرت بالكامل، وفي بعض هذه المحافظات مثل حلب ودير الزور، فإن نسبة الدمار في بيوتها بما في ذلك الارياف تصل الى نحو 40%.

عملياً فإن التصريحات الرسمية وحتى نهاية عام 2013 عن خسائر تتجاوز ألف مليار ليرة سورية، أي 11 مليار دولار تقريباً، أما قطاع الكهرباء فإن تكلفة الأضرار التي لحقت بالاقتصاد نتيجة انقطاع التيار الكهربائي تقدر بنحو 22 مليار دولار أميركي، فالزراعة تضررت جراء انقطاع الكهرباء وعدم توفر مادة الديزل لتشغيل مضخات الري، فالاقتصاد السوري يعتمد فعلياً على 4 قطاعات هي: الزراعة والصناعة والسياحة والنفط، وتعاني هذه القطاعات من تدهور نتيجة الأزمة، وهو ما أدى لتدهور في أسعار صرف العملة السورية خلال الثلاث سنوات والنصف الماضية.

ووفق تقرير "المركز السوري لبحوث السياسات" في أيار عام 2014، فإن الخارطة السكانية السورية تشكلت من جديد، فحتى نهاية عام 2013 غادر 12% من سكان سوريا البلاد، بينما ترك ما يقارب نصف السكان (45%) أماكن إقامتهم الدائمة، وقدر التقرير إجمالي الخسائر الاقتصادية في السنوات الثلاث الأولى من عمر الأزمة بنحو 143.8 مليار دولار، أي ما يعادل بالأسعار الثابتة 276% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي عام 2010.

ويورد التقرير أن ثلاثة أشخاص من كل أربعة أصبحوا فقراء مع نهاية عام 2013، وأكثر من نصف السكان (54.3%) يعيشون في حالة الفقر الشديد، كما أن 20% يعيشون في حالة من الفقر المدقع، أي لا يستطيعون تأمين حاجاتهم الغذائية الأساسية، ويعتبر التقرير أن هناك تغيراً في تركيب الناتج المحلي الإجمالي على نحو كبير، حيث مثل القطاعان الزراعي والخدمات الحكومية حوالى 50% من الناتج خلال عام 2013، بعدما كانا يمثلان عام 2010 ما يعادل 30.4% من الناتج المحلي، وارتفعت البطالة إلى نحو 54.3%، أي إن هناك ما يقرب من 3.39 ملايين عاطل من العمل، منهم 2.67 مليون فقدوا عملهم خلال الأزمة، الأمر الذي أدى إلى فقدان المصدر الرئيسي لدخل 11.03 مليون شخص. أما الدين العام في النصف الثاني من عام 2013 فوصل إلى نحو 126% من الناتج، حيث استوردت الحكومة النفط والسلع الأساسية لمواجهة نقص العرض في السوق المحلية، واستمرت في دعم بعض أسعار السلع والخدمات الأساسية.

الاتجاهات في إعادة الإعمار

رغم عدم اتضاح الرؤية بشأن إعادة الإعمار، فإن التركيز عليها يبدو جوهرياً، فخطاب القسم للرئيس السوري د. بشار الأسد بعد انتخابه وفق الدستور الجديد للبلاد، تحدث عن بداية إعادة الإعمار، وهذا الأمر يعني عدم انتظار نهاية الأزمة أو البحث عن استقرار يُطمئن المستثمرين أو "البنك الدولي"، كما يؤشر إلى محاولة رسم ملامح خاصة في ظل اتجاهين أساسيين برزا في مسألة إعادة الإعمار:

  • الأول يعتمد على ما يقدمه "البنك الدولي" وفق صورة "مشروع مارشال السوري"، الذي قدمته "مجموعة عمل اقتصاد سوريا" التابعة للمجلس الوطني السوري المعارض، وأسامة القاضي وفرح الأتاسي، ويستند إلى المدرسة الليبرالية في الاقتصاد وهو قروض على دفعات من البنك الدولي تصل إلى 20 مليار دولار، وذلك بشرط استكمال تحرير التجارة والخصخصة، ورفع الدعم كلياً وإنهاء دور الدولة في السوق، وبتشريعات تسمح للاستثمارات الأجنبية باستقدام ما يصل إلى 40% من عمالتها من خارج سوريا، إضافة إلى سياسات ضريبية شديدة التساهل مع الاستثمار الأجنبي.

ويؤيد هذا الطرح نائب رئيس مجلس الوزراء الأسبق للشؤون الاقتصادية عبدالله الدردري، وذلك ضمن آلية عمل "الأسكوا" التي نشطت بشكل كبير منذ بداية عام 2014، وهو ما أدى لتكثيف العمل بنموذج  سوريا الاقتصادي عبر جملة من المشاريع والمخططات التي تعمل عليها هيئات بحثية دولية أو مدعومة دولياً، ومن يبشر اليوم بهذا الطريق، هم المعارضة خارج سورية إضافة للمنظمات الدولية، ويعبّر الدردري عن المشروع المرتقب في لقاء مع Syrian pages بأن الخوف من شروط البنك الدولي لا تعفينا من أن الواقع يقول إننا لا نستطيع الإعمار من دون قروض.

  • الثاني يرى أن "البنك الدولي" لديه منافسين فأفضل القروض الخارجية هي أقلها سوءاً، والتمويل الأساسي يجب أن يكون داخلياً عبر التركيز على القيم الكامنة في قطاعات عديدة غير مستثمرة بعد، فلابد من كسر احتكار التمويل من قبل الدائرة الغربية عبر مقرضين جدد على رأسهم الصين التي تعتمد على الإقراض العيني الملموس بالتصنيع، وبشروط أفضل بما لا يقاس من شروط الإقراض الغربي.

ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن الأرقام حول حجم الخسائر السورية ربما يكون صحيحاً، لكنه يظهر من أجل خدمة نتائج مسبقة تقود نحو الاقتراض من البنك الدولي، فالمهم ليس تقدير حجم الخسائر بل البحث عن آلية عودة الإنتاج بالدرجة الأولى وهي نقطة انطلاق إعادة الإعمار  الذي سيحدد المستقبل اللاحق لسوريا.

وسط هذين الاتجاهين يبدو أن الأزمة السورية تملك أكثر من تعبير عن تعقيداتها، فالحكومة التي لا تريد انتظار اليوم الأول لانتهاء الأزمة كي تبدأ بإعادة الإعمار، قامت فعلا بمنح استثمارات لروسيا والصين، ووعدت بحرمان الشركات التي لعبت دوراً سلبياً بالأزمة بحرمانها من العمل في سورية، وفي النهاية فإن الصراع العسكري والسياسي سينتهي داخل الاقتصاد الذي يمكن أن يصبح نقطة الانتقال لرؤية سورية وبلاد الشام بشكل مغاير.

* حقوق النشر محفوظة لمعهد ليفانت للدراسات (راجع شروط الاستخدام) .

تقارير ذات صلة