معهد ليفانت للدراسات

سوريا و الاستحقاق الرئاسي

سوريا و الاستحقاق الرئاسي
مايو 02
10:58 2014

 

  قراءة الانتخابات الرئاسية القادمة في سورية تضعنا أمام صورة مختلفة وجمهورية جديدة، وذلك رغم كافة التحفظات التي أبدتها بعض أطراف المعارضة، إضافة للانتقادات الدولية التي ظهرت فور الإعلان عن هذا الاستحقاق الدستوري، فهي انتخابات تجري للمرة الأولى منذ نصف قرن تقريبا(منذ عام 1963)، وستخلق "منافسة" وذلك بغض النظر عن الظروف السياسية التي ستحكم هذه المنافسة، فهناك على الأقل أربعة أجيال لم تختبر معنى المنافسة على الرئاسة، ولا حتى البيئة السياسية التي يمكن أن يوجدها ظهور مرشح رئاسي جديد، فإذا كانت الانتقادات اليوم تتجه نحو الواقع السوري وحجم اللاجئين والنازحين وأحداث الحرب، فإنه في المقابل سيبدو مسار الاستحقاق الرئاسة حالة مستجدة تحمل معها سيناريو غير مألوف للسوريين.

الرئاسة والدساتير السورية

  يشكل الدستور الحالي شكلا غير مسبوق في مسألة الاقتراع المباشر على الرئاسة، حيث شهدت سورية منذ عهد الاستقلال دساتير مختلفة إلا أن الدستور الحالي يأتي بعد عقود طويلة ليضع الانتخابات الرئاسية ضمن عملية سياسية مختلفة جذريا عما سبقها، فأول دستور سوري كان بعد انسحاب العثمانيين من سوريا عام 1918، فتم تشكيل حكومة وطنية برئاسة علي رضا الركابي وفي أيار 1919 ووفق القانون العثمانيتم انتخاب أعضاء "المؤتمر السوري العام"، وفي 8 آذار 1920 أعلن المؤتمر دونالتنسيق مع الحلفاء "استقلال سورياوأعلن قيام المملكة السورية العربية وعيّن فيصلالأول ملكًا عليها، وشكل المؤتمر لجنة خاصة برئاسة هاشم الأتاسي مهمتها صياغةدستور المملكة وجاء الدستور باثني عشر فصلاً و147 مادة، ومن أهم ما جاء فيه أنسوريا "ملكية مدنية نيابيّة، عاصمتها دمشق ودين ملكها الإسلام"، وترك الدستور للملكتشكيل الوزارة من غير أشخاص الأسرة المالكة وجعلها مسؤولة أمام المؤتمر الذي يحقّ لهاستجوابها وسحب الثقة منها، وحدّ من صلاحيات الملك بإلزام أي قرار يتخذه بتوقيعرئيس الوزراء والوزير المختص، نشر هذا الدستور في 13 حزيران، أي أنه طبّق 15يومًا فقط، وذلك بسبب تلاحق الأحداث التي بلغت ذروتها مع إنذار غورو واحتلالالفرنسييين دمشق في 25 تموز ثم نفي الملك فيصل في 28 تموز 1920.

  بقيت سورية بعد ذلك تحت الحكم المباشر للفرنسيين حتى 28 تموز 1922 عندما أصدر هنري غورو"القانون الأساسي للاتحاد السوري"، وهو بمثابة الدستور الاتحاديلمقاطعات دمشق وحلب واللاذقيةونصّ القانون على استحداث "المجلس الاتحاديليكونالسلطة التشريعية العليا في البلاد، وهو مكون وفق القانون من 15 عضوًا، خمس عنكل مقاطعة من المقاطعات الثلاث، وله صلاحية انتخاب رئيس الاتحاد ولمدة عام واحد، ولايجوز لرئيس الاتحاد اتخاذ أي قرار دون مصادقة المجلس، وإليه ترفع اقتراحاتالحكومات الثلاثة في دمشق وحلب واللاذقية لكي يدققها ويقرّها وله وحده حق وضعبعض القوانين الهامة كالعقوبات والأحوال الشخصيّة واعتماد الموازنة العامة للدولة، بعد ذلك وفي 1 كانون الثاني 1925 تم حل الإتحاد وإعلان الوحدة بين دولتي دمشق وحلبفقط، وأصدر المفوض الفرنسي الجديد ماكسيم فيغان قرارًا آخر اعتبر بمثابة القانونالأساسي للدولة، وكان رئيس الدولة ينتخبه أعضاء المجلس التمثيلي ويؤازره خمسةوزراء، وأن صلاحيات رئيس الدولة ظلت بموجب القانون الجديد هي ذاتها صلاحياترئيس الاتحاد السابق.

  في الواقع كان على السوريين انتظار عام 1928 ليشهدوا دستورا حقيقيا، ففي هذا العام تم تكليف الشيخ تاج الدين الحسني رئاسة الدولة، وجرى انتخاب جمعية تأسيسية ، وانتخبت الجمعية لجنة وضع الدستور في 9 حزيران برئاسة إبراهيم هنانو، ووضع الدستور في 11 آب من نفس العام وتم التصويت عليه وإقراره في الجمعية. واعتبرالدستور سوريا "جمهورية نيابية عاصمتها دمشق ودين رئيسها الإسلام"، والنظام كماحدده الدستور شبيه إلى حد بعيد بالنظام الفرنسي آنذاك، ينتخب بموجبه رئيسالجمهورية في مجلس النواب غير أنه ليس مسؤولاً أمامه، وله صلاحية تعيين رئيسالحكومة التي يختار أعضائها رئيس الحكومة بالتعاون مع الكتل البرلمانية ويعود للرئيسحق إصدار تشكيلتها وتكون مسؤولة أمام مجلس النوابومنح الدستور للرئيس حقنقض القوانين وحل مجلس النواب أو تعليق عمله "لفترة محدودة"، وحددت ولاية الرئيسبخمس سنوات ولا يجوز إعادة انتخابه إلا بعد مرور خمس سنوات على انقضاء رئاستهالأولى، لكن هذا الدستور عطله المندوب السامي هنري بونسو، وفي 14 مايو 1930 أقربونسو الدستور بعد أضافة المادة 116 التي تنصّ على "طي المواد التي تتعارض معصك الانتداب حتى زواله.

  في عام 1939 توقف العمل بالدستور نتيجة الحرب العالمية الثانية حتى 1941؛ فأعيدالعمل بالدستور ولم تجر انتخابات حتى عام 1943 ففازت الكتلة الوطنية ووصل شكريالقوتلي إلى الرئاسة، وفي عام 1947 عدّل الدستور بتحويل النظام الانتخابي مندرجتين إلى درجة واحدة، وعدل مرة ثانية عام 1948 للسماح بانتخاب القوتلي لولايةثانية مباشرة بعد ولايته الأولى، وفي 30 مارس 1949 انقلب حسني الزعيم عسكريًاعلى الحكم المدني برئاسة القوتلي وعلّق العمل بالدستور، وسرعان ما انقلب عليه ساميالحناوي في آب 1949 ونظمت انتخابات جمعية تأسيسيّة لوضع دستور جديد للبلاد.

  ان كافة الدساتير الصادرة حتى انقلاب حسني الزعيم اعتمدت على النظام الجهوري النيابي، وكان انتخاب الرئيس يتم عبر مجلس النواب، وفي المقابل فإن العلاقة بين الرئيس وقائد الجيش ربما لم تلحظ الواقع الاجتماعي والثقافي لسورية، فكان الرئيس هو الذي يعين قائد الجيش، وكان أيضا أول ضحاياه عندما قام قائد الجيش حسني الزعيم حسني الزعيم (1897 – 1949) بانقلاب آذار 1949، وبالتأكيد فإن الاضطراب السياسي بعد الاستقلال لم يكن مسؤول عنه الدستور، ولكن في المقابل فإن كافة الدساتير السابقة كانت لا تتعامل مع حيوية الأزمات التي تعاني منها سورية وذلك بسبب وجود المستعمر الفرنسي الذي كان يحتكر "القوة" عبر الجيش وقوات الشرطة.

  بعد ثلاث انقلابات متتالية تم وضع دستور جديد عام 1950، وكانت مسودته تتألفمن 177 مادة، خلال المناقشات طويت 11 مادة وخرج الدستور بصيغته النهائية مؤلفًامن 166 مادةواحتدم النقاش على ثلاث مواضيع: الأول إعلان الإسلام دين الدولةأو دين رئيس الدولة وانتهى الأمر بالحفاظ على صيغة دستور 1930 بكونه دين رئيسالدولةوالثاني وضع حد أعلى للملكية الزراعية في الدولة للتخفيف من سطوة العائلاتالإقطاعية وحسم الأمر لترك سقف الملكية مفتوحا، والموضوع الثالث كان حول إدراجمادة تنص على وقوف الجيش على الحياد دون التدخل في الحياة السياسية السوريةولم يتم إقرار هذه المادة، ولم تظهر تغييرات عميقة في بنية النظام السوري فحافظ علىطبيعته البرلمانية وقلّص صلاحيات رئيس الجمهورية وسحب حق نقض القوانين والمراسيممنه وأمهله عشرة أيام فقط للتوقيع عليها، وحافظ على اختصاصه بالتصديق علىالمعاهدات الدولية وتعيين البعثات الدبلوماسية في الخارج وقبول البعثات الأجنبية ومنحالعفو الخاص وتمثيل الدولة ودعوة مجلس الوزراء للانعقاد برئاسته وتوجيه الخطاباتللسوريين، وزاد من صلاحيات البرلمان بمنعه التنازل عن صلاحياته التشريعية للحكومةولو مؤقتًا كما أوجب على الحكومة الاستقالة في بداية كل فصل تشريعي، وعزز منسلطة القضاء باستحداث المحكمة الدستورية العليا.

  بعد الانقلاب الثاني لأديب الشيشكلي عام 1952 عطل العمل بالدستور، ثم أصدردستورًا جديدًا هو أول دستور رئاسي للبلاد شبيه بالنظام المعمول به في الولاياتالمتحدة، فألغى منصب رئيس الوزراء، وطبق من 10 تموز 1953 وحتى 26 شباط1954، وفيه يتم انتخاب الرئيس من الشعب ويعتبر رئيسا للوزارة ويعين الوزراء، وبذلكحل أزمة عدم الاستقرار الحكومي في البلاد، بعد خلع الشيشكلي في 25 شباط1954 أعيد العمل بدستور 1950 والبرلمان الذي كان قائمًا والرئيس هاشم الأتاسيريثما تتم انتخابات نيابية جديدة.

  عمليا فإن النظام الجمهوري النيابي سبب العديد من الأزمات السياسية الداخلية، فكان انهيار الوزارات أمرا طبيعيا، بينما كانت القوى السياسية غير قادرة على ضمان توازن قوي في البرلمان نظرا لوجود كتلة كبيرة من المستقلين تفوق الكتل الحزبية وتجعل من الحياة السياسية رهينة التوازنات الداخلية لكتل المستقلين التي في غالبها كانت تمثيلا عشائريا وعائليا وشرائح طبقية خاصة، ومنذ عام 1963 بدأت "جمهورية" جديدة إن صح التعبير، حيث فرضت حالة الطوارئ ووضع دستور مؤقت عام 1964، ودستور مقت ثان عام 1969، وآخر دستور مؤقت صدر بعد وصول الرئيس حافظ الأسد إلىالسلطة في 9 كانون الأول 1971 واستمر العمل به حتى 1973.

الدستور الدائم لعام 1973

  شكل الرئيس الراحل حافظ الأسد لجنة برئاسة محمد فاضل لصياغة "دستور دائمللبلادوتم إقراره باستفتاء يوم 12 آذار من عام 1973، وظهر في مقدمة الدستور أمرين أساسيين: الأول هو الفكر السياسي لحزب البعث من خلال (الوحدة والحرية والاشتراكية)، والثاني الظرف الخاص بالبلاد حيث اعتبر الدستور سوريا جزءا من "اتحاد الجمهوريات العربية" التي كانت تضم آنذاك مصر وليبيا وسوريا، ودون إغفالأن "الشعب السوري جزء من الأمة العربية"، ونص على وجوب كون الرئيس "عربيًاسوريا، وشكلت المادة الثامنة احتكار البعث للحياة السياسية الحزب القائد للدولةوالمجتمعبالنسبة للرئيس فيتم ترشيحه من القيادة القطرية لحزب البعث عن طريقمجلس الشعب للاستفتاء دون وجود أي مرشح آخر، وظهرت صلاحيات رئيس الجمهوريةفهي واسعة، لتصبح سورية جمهورية رئاسية، فهو رئيس السلطة التنفيذية والقائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة، ولا يوجد فصل واضح للسلطات، بينما حافظ الدستوركما في الدساتير السابقة على اعتبار دين رئيس الجمهورية هو الإسلام وأن الفقهالإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريعوعدل هذا الدستور مرتين، الأولى عام 1981لتغيير شكل علم البلاد من علم اتحاد الجمهوريات العربية تاركا لرئيس الجمهوريةبقانون تحديد العلم، والمرة الثانية في حزيران 2000 لتخفيض عمر المرشح للرئاسة منأربعين عامًا إلى 34 عاما.

دستور ما بعد أزمة 2011

 في 15 شباط 2012 أنهت لجنة صياغة الدستور المسودة التي سلمتها لرئيس الجمهورية، وتم الاستفتاء عليها في 26 شباط، ويتألف الدستور من 157 مادة وستةأبواب وتسعة فصول ومقدمة، وإذا كان أهم ما حمله تعديل المادة الثامنة فتم انهاء احتكار الحياة السياسية، وفي المقابل فإن الرئيس الجمهورية وفق الدستور الجديد هورئيس السلطة التنفيذية، ينتخب لمدة سبع سنوات قابلة للتمديد مرة واحدة، واشترط أنيكون سوريا بالولادة ومن أبوين سوريين بالولادة، وغير متمتع بأي جنسية أخرى، وغيرمتزوج بغير سورية، وأن لا يكون صدر بحقه حكم قضائي "شائنكما أوجب أن يكونالمرشح حاصلاً على توقيع 35 نائبًا من مجلس الشعب للترشح. أما الدعوة للانتخاباتفتتم عبر رئيس مجلس الشعب الذي يدعو للانتخابات الرئاسية خلال فترة شهرين إلىثلاث أشهر من ولاية الرئيس القائم، ويعتبر فائزا من يحصل على الأغلبية المطلقة سواءمن الدورة الأولى أو بعد دورة الإعادة، وكحال مجلس الشعب ففي حال عدم انتخابالخلف يستمرّ الرئيس المنتهية ولايته على رأس السلطة حتى انتخاب خلفه، كما اعتبرالدستور رئيس الجمهورية غير مسؤول عن أعماله في إطار ممارسة صلاحياته التي نصّعليها الدستور إلا في إطار "الخيانة العظمىأما صلاحياته فهي: 

تسمية نوابه وإعفائهم وتفويض بعض صلاحياته لهم.

تسمية رئيس الوزراء والوزراء ونوابهم، وقبول استقالتهم وإقالتهم.

رسم السياسة العامة للدولة بالتعاون مع مجلس الوزراء المعين من قبله.

إصدر القوانين وردها إلى مجلس الشعب، فإذا أعاد المجلس إقرارها بأغلبية الثلثيناعتبرت نافذة دون توقيعه.

إعلان الحرب والسلم والتعبئة العامة.

إعلان حالة الطوارئ وإلغائها لمدة مفتوحة، بمرسوم يقرّه مجلس الوزراء.

اعتماد السفراء الأجانب وتعيين السفراء السوريين لدى الخارج.

قيادة الجيش والقوات المسلحة بما فيها إصدار جميع "القرارات والأوامر اللازمة لممارسةهذه السلطة".

تعيين الموظفين المدنيين والعسكريين.

رئاسة المجلس الأعلى للقضاء.

إبرام المعاهدات والاتفاقيات الدولية.

إصدار العفو الخاص ومنح الأوسمة ومخاطبة الشعب.

حل مجلس الشعب.

اقتراح القوانين.

إعداد وإصدار القوانين خارج دورات انعقاد مجلس الشعب أو أثناء انعقادها "فيحالات الضرورةعلى أن يكون للمجلس حين انعقاده إلغائها، فيما يعرف باسم"المراسيم التشريعية".

جميع الإجراءات السريعة التي يراها مناسبة في حال تعرض البلد للخطر.

تشكيل اللجان والجمعيات الخاصة.

استفتاء الشعب، ولا يجوز للمحكمة الدستوريّة العليا الاعتراض حتى لو كان موضوعالاستفتاء مخالفًا للدستور.

تعيين أعضاء المحكمة الدستورية العليا، التي من واجباتها محاكمته.

إحالة الوزراء إلى المحاكمة.

اقتراح تعديل الدستور، بناءً على طلبه أو ثلث أعضاء مجلس الشعب.

  عمليا فإن صلاحيات الرئيس بدت واسعة رغم بعض التحديدات التي حاولت خلق نوع من الفصل بين السلطات، ورغم الانتقادات التي تم توجيهها للدستور لكن من المفترض أنه سيوجد حالة منافسة جديدة، وربما سيتيح اختبار بيئة سياسية مختلفة وذلك بغض النظر عن تشابكات الأزمة التي تعيشها سورية اليوم، وربما المهم آلية إنتاج هذه العملية لتصبح جزءا من ثقافة المنافسة السياسية أكثر من كونها استحقاقا دستوريا قادرا على إنهاء الأزمة، فالاختبار الدستوري الجديد لم يعد مستقلا عن التجاذبات السياسية الدولية ولكنه في النهاية سيرسم مسار لحركة جزء هام من المجتمع السوري.

تقارير ذات صلة