معهد ليفانت للدراسات

سوريا ولبنان… الحدود والسيادة

يونيو 20
12:23 2014

كشفت الأزمة السورية عن تفاصيل لم تكن متوقعة في العلاقات ما بين دمشق وبيروت، فهذه العلاقة كان محورها بشكل دائم أمن البلدين، وهذا ما عبر عنه الميثاق اللبناني عام 1943 الذي تحدث صراحة عن أن لبنان لن تكون ممرا يهدد أمن سوريا، فهذا القلق الأمني يأتي عمقه التاريخي من بداية القرن الماضي، فالسوريون مازالوا يحتفظون بأمرين: الأول دخول الجنرال هنري غورو إلى سوريا عبر لبنان عام 1920، والثاني اقتطاع أجزاء من سوريا من اجل تأسيس دولة لبنان الكبير وذلك في نفس، وهو ما شكل مسألة أساسية في موضوع ترسيم الحدود، وبقيت العلاقات بين الدولتين "علاقات أمر واقع" دون أي قرارات رسمية وعلى الأخص بالنسبة لسوريا بشأن الاعتراف بسيادة لبنان حتى عام 2008 عندما تم افتتاح سفارة سورية في لبنان، وهو بمثابة طي لصفحة الماضي، إلا أن ترسيم الحدود بقي مسألة حساسة وعالقة رغم تشكيل لجنة مشتركة بخصوص هذا الموضوع.
الحدود… لبنان المغلق
   تشكل حدود لبنان مع سوريا المنفذ البري الوحيد لها، فظهور "إسرائيل" جنوبا أغلق أي مجال بري للبنان، وهذه الحدود من الشمال والغرب يبلغ طولها 375 كم، وتم ترسيمها وفق وثائق الانتداب الفرنسي، وذلك وفق القرار 318 الصادر عن الجنرال غورو ابان فترة الانتداب، ولكن الترسيم الميداني لم يتم، الأمر الذي أوجد مشكلة بالنسبة للقرى الحدودية مثل عرسال ومعربون والقاع وراس بعلبك ودير العشاير وشبعا بسبب من النزاع بين الاهالي على حقوق الانتفاع من الاراضي الشاسعة المترامية على امتداد الحدود. وحسب المصادر اللبنانية فهناك وثائق تعود الى محاضر اجتماعات لجان الحدود السورية – اللبنانية المشتركة منذ العام 1918، وتعبر المصادر اللبنانية أن هناك 36 نقطة خلافية بين الجانبين اللبناني والسوري؛ تبدأ من بقعة حنيدر في اقصى شمال شرق لبنان وتنتهي في مزرعة هورا الواقعة في اقصى جنوب شرق لبنان قرب مزارع شبعا المحتلة. وتحاول المصادر الرسمية اللبنانية العودة إلى الوثائق العثمانية التي تظهر تحديداً حدود الاقضية اللبنانية المتاخمة للاراضي السورية، وهي تتضمن مستندات الضرائب التي كان يسددها مالكوها اللبنانيون الى الدوائر العثمانية عن اراضيهم الواقعة في تلك الانحاء، ويتم الاعتماد أيضا إلى القرارات الصادرة عن سلطات الانتداب الفرنسي بدءاً من القرار رقم 19 الصادر في 6 كانون الاول 1918 عن المفوض الفرنسي دي بيباب، والقرار رقم 299 الصادر في 3 آب 1920 عن الجنرال غورو. والقرار رقم 318 الصادر عن غورو ايضاً بتاريخ 31 آب 1920 والذي تضمن خريطة حدود لبنان الكبير.
   وبحسب الخبراء اللبنانيين فإن الحدود واضحة، فمن الشمال يمثل مجرى النهر الكبير خط الحدود الشمالية؛ من نقطة تلاقي النهر الكبير مع وادي شدرا حتى نهر العاصي، وهم يعتمدون في هذا التحدي على ما أنجزته لجنة الخبير الفرنسي "اشار" عام 1921، وأما الحدود الشرقية فتتضمن بعض المشاكل، فمن المفترض ان تمر عبر خط القمم استناداً الى عمليات ترسيم قام بها الانتداب الفرنسي (…). وفي العام 1935 اقترح مدير دائرة المساحة الفرنسي دور افورد تعيين قاضيين عقاريين سوري ولبناني لدرس وبت الاشكاليات الميدانية للترسيم النهائي في ضوء الوثائق والمستندات والصكوك المقدمة من اصحاب العلاقة، وعيّن القاضي رفيق الغزاوي مندوباً عن لبنان في لجنة الحدود في حين عينت سوريا القاضي العقاري عبد الرزاق الشمعة. وعقدت اللجنة المشتركة مئات الجلسات وتركت محاضر سميت محاضر التحديد والتحرير لمجمل القرى الحدودية في لبنان وسوريا.
   ولكن هل المسألة عودة فقط للوثائق القديمة؟ من الجانب السوري كان هناك اعتبارين أساسيين: الأول هو الوضع الجيبولتيكي على طول الحدود، فالخرائط الفرنسية تجعل من الصعب ضبط الممرات وهو ما أكدته الأزمة السورية الأخيرة، والثاني هو أن بعض المناطق الواجب ترسيمها تقع في المناطق المحتلة من قبل "إسرائيل"، ففي سوريا يبدو الموضوع أعقد من اللجان التقنية، فهو يستند أساسا إلى نوعية العلاقات بين البلدين وتأثيراتها على الموقع السوري تحديدا، وإلى التداخل في "الجيبولتيك" السوري – اللبناني.
   عمليا فإن العلاقات السورية اللبنانية تم رسمها في ظل الانتداب الفرنسي بعد ترسيم حدود دول المنطقة في اتفاقية "سايكس بيكو"، كبلدين منفصلين بمؤسسات واحدة كبنك سورية ولبنان، والذي ظل يحمل هذا الاسم حتى بعد استقلال البلدين، وقبل الاستقلال اللبناني عام 1943 بأسابيع عقد أول اتفاق بين لبنان وسوريا، وكانت سوريا تحت ظل الانتداب، وتمحور حول إدارة مصالح البلدين التي أنشأها الانتداب، ثم كان الميثاق الوطني اللبناني عام 1943 ويتضمن تعهدا لبنانيا بعد استخدام أراضي لبنان "مقرا أو ممرا لأعداء سوريا".
   إلا أن العلاقات بين البلدين تبدلت كليا منذ عام 1958، وذلك مع انفجار الوضع في لبنان بعد محاولة الرئيس كميل شمعون تحالف مع الغرب بعد فشل العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وانتهت الأزمة بتفاهم بين الرئيس جمال عبد الناصر (رئيس الجمهورية العربية المتحدة التي تضم مصر وسوريا) مع القادة اللبنانيين، فغادر شمعون وحل محله الرئيس فؤاد شهاب، وتوصل عبد الناصر مع شهاب بعد اجتماع جرى على نقطة بالحدود السورية اللبنانية إلى اتفاق نص على حرية لبنان الكاملة كدولة مستقلة فيما يتعلق بسياستها الداخلية، أما فيما يتعلق بالسياسة الخارجية فلا يجوز للسلطة اللبنانية اتخاذ قرار إلا بعد التنسيق المسبق مع سلطات الجمهورية العربية المتحدة. واستقرت العلاقات بين البلدين منذ هذا التاريخ وفق تلك التفاهمات، ومنذ عام 1943 حتى 1974 وقع البلدان 28 اتفاقية، لكنها كانت في غالبيتها اتفاقيات تنظيمية حيث لم يتم تبادل السفراء ولم ترسم الحدود. 
  وفي عام 1975 اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية، وهو ما دفع الرئيس سليمان فرنجية لطلب تدخل سوريا لوقف الحرب، فدخلت القوات السورية إلى لبنان بدعم ومساندة عربية من خلال مؤتمر القمة العربي الذي عقد في عام 1976 وأصدر قرارا بالإجماع يقضي بإرسال قوات ردع عربية إلى لبنان (بهدف إنهاء الحرب الأهلية هناك)، تشكل القوات السورية العماد الرئيسي لها. أما التحول الآخر فجاء بعد اتفاق الطائف عام 1989، فأعاد إحياء العلاقات الرسمية بين لبنان وسورية، وأقر الاتفاق مبدأ (العلاقات المميزة) بين البلدين بمباركة دولية وعربية، وترجم هذا الاتفاق عبر معاهدة (الأخوة والتعاون والتنسيق) التي وقعت بين البلدين عام 1991، ونصت على "الروابط الأخوية" المميزة التي تربط البلدين، واتفق البلدان على "تحقيق أعلى درجات التعاون والتنسيق" بينهما في جميع المجالات، وتحقيق مصلحة البلدين في "إطار سيادة واستقلال كل منهما"، و "ضمان أمنهما القومي والوطني".
وشكلت المعاهدة نموذجاً مثالياً للعلاقات بين البلدين، لكن نصوصها كما الاتفاقات التي انبثقت عنها بقيت في كثير من الحالات حبراً على ورق، ولم تستطع الهيئات التي انبثقت عنها القيام بعمل مؤسساتي. فالمجلس الأعلى الذي تنص المعاهدة على انعقاده دورياً كل سنة لم يجتمع خلال السنوات الـ14 التي تلت المعاهدة إلا في ما ندر. ومنذ توقيع معاهدة الطائف وقع لبنان وسورية نحو 39 اتفاقية و80 بروتوكولاً ومذكرة وبرنامجا، كان آخرها في 31 كانون الثاني 2005 في المجالات المختلفة. كانت باكورة الاتفاقات بينهما اتفاقية أمنية، وقعت بعد نحو أربعة أشهر من الطائف حملت عنوان (اتفاقية الدفاع والأمن)، ونصت على تأليف لجنة لشؤون الدفاع والأمن مهمتها التأكد من (منع أي نشاط أو عمل أو تنظيم في كل المجالات العسكرية والأمنية والسياسية والإعلامية من شأنه إلحاق الأذى أو الإساءة للبلد الآخر. والتزام الجانبين عدم تقديم ملجأ أو تسهيل مرور أو توفير حماية للأشخاص والمنظمات التي تعمل ضد أمن الدولة الأخرى، وفي حال لجوء أفرادها إليها القبض عليهم وتسليمهم إلى الجانب الثاني بناء على طلبه).
   في عام 2004 حدث تحول جديد مع صدور القرار الدولي رقم 1559 الذي طالب برحيل القوات الأجنبية عن لبنان، وكان المقصود هنا القوات السورية التي انسحبت فعلا بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، ولم تؤدي الإجراءات اللاحقة من فتح سفارة سورية في لبنان إلى تغير المناخ في العلاقات بين البلدين، وبينت الأزمة السورية أن مسألة الحدود ستبقى تشكل محطة للتحولات على مستوى البلدين وعلى طبيعة الأدوار الإقليمية.
   إن كافة الأمور التقنية المتعلقة بترسيم الحدود بين سوريا ولبنان تبدو هامشية أمام التحديات بشأن العلاقات الإقليمية عموما، وتركيز على بعض الأمور مثل "المياه" في منطقة دير العشائر لا يعكس واقع التفكير السياسي بمسائل الترسيم، وما يؤشر على القضايا الاستراتيجية في مسألة الترسيم هو انه أصبح قضية دولية وذلك مع القرارين 1559 و 1701 الذات يؤكدان ترسيم الحدود بين البلدين، فالبند العاشر من القرار 1701 ينص على: “يطلب إلى الأمين العام أن يضع، بالاتصال بالعناصر الفاعلة الرئيسية الدولية والأطراف المعنية، مقترحات لتنفيذ الأحكام ذات الصلة من اتفاق الطائف، والقرارين 1559 (2004) و1680 (2006)، بما في ذلك نزع السلاح، وترسيم الحدود الدولية للبنان، لا سيما في مناطق الحدود المتنازع عليها أو غير المؤكدة، بما في ذلك معالجة مسألة منطقة مزارع شبعا، وعرض تلك المقترحات على مجلس الأمن في غضون ثلاثين يوما”.
   لكن إنجاز الترسيم يستند إلى توازن إقليمي‘ فبعض النقاط العالقة تم إنهاؤها مثل مسألة لبنانية مزارع شبعا، وهو موضوع تم مناقشته مبكرا منذ  آذار 1946 في اطار الاتفاق بين الدولتين السورية واللبنانية على مصيرها وهويتها، وتؤكد المصادر اللبنانية أنه تم  توقيع اتفاق ترسيم الحدود بين البلدين في منطقة مزارع شبعا واشتمل على 17 محضراً وحكم قضائي واحد اضافة الى خريطة موقعة من الحكومتين، وجملة نقاط حدودية مرقمة بما يحسم لبنانية تلك الانحاء، لكن هذا الأمر لم يعد مرتبطا بسوريا ولبنان، بل بما تخطط له "إسرائيل" بشأن مياه جبل الشيخ وموقعه الاستراتيجي، فحتى لو كانت اعمال الترسيم الحدود منجزة بنسبة 90%، إلاأنها غدت مرتبطة بالأمن الإقليمي بما فيه مسألة احتلال الجولان، وبالتوازنات السياسية التي ماتزال فاعلة سواء من خلال الأدوار السعودية أو السورية في الموضوع اللبناني، وأعطت الأزمة السورية الأخير ثقلا لهذه الحدود التي أصبحت جزءا من الأزمة السورية، وتهديدا حقيقيا على السيادة والأمن السوريين، وهو ما سيجعل من موضوع الترسيم معلقا إلى حين إنجاز اتفاقات إقليمية شاملة، وإلى إعادة فهم العلاقات السورية اللبنانية على أساس مختلف يأخذ بعين الاعتبار الاستراتيجيات والتوجهات للبلدين، وربما يحتاج الأمر إلى حوار معمق بين الطرفين قبل اللجوء إلى الاجراءات التقنية بشأن ترسيم الحدود

تقارير ذات صلة