معهد ليفانت للدراسات

سوريا الاستحقاق الرئاسي والتحول السياسي

يونيو 20
12:15 2014

قراءة الانتخابات الرئاسية القادمة في سورية تضعنا أمام صورة مختلفة وجمهورية جديدة، وذلك رغم كافة التحفظات التي أبدتها بعض أطراف المعارضة، إضافة للانتقادات الدولية التي ظهرت فور الإعلان عن هذا الاستحقاق الدستوري، فهي انتخابات تجري للمرة الأولى منذ نصف قرن تقريبا(منذ عام 1963)، وستخلق "منافسة" وذلك بغض النظر عن الظروف السياسية التي ستحكم هذه المنافسة، فهناك على الأقل أربعة أجيال لم تختبر معنى المنافسة على الرئاسة، ولا حتى البيئة السياسية التي يمكن أن يوجدها ظهور مرشح رئاسي جديد، فإذا كانت الانتقادات اليوم تتجه نحو الواقع السوري وحجم اللاجئين والنازحين وأحداث الحرب، فإنه في المقابل سيبدو مسار الاستحقاق الرئاسة حالة مستجدة تحمل معها سيناريو غير مألوف للسوريين.
الرئاسة والدساتير السورية
   يشكل الدستور الحالي شكلا غير مسبوق في مسألة الاقتراع المباشر على الرئاسة، حيث شهدت سورية منذ عهد الاستقلال دساتير مختلفة إلا أن الدستور الحالي يأتي بعد عقود طويلة ليضع الانتخابات الرئاسية ضمن عملية سياسية مختلفة جذريا عما سبقها، فأول دستور سوري كان بعد انسحاب العثمانيين من سوريا عام 1918، فتم تشكيل حكومة وطنية برئاسة علي رضا الركابي وفي أيار 1919 ووفق القانون العثماني تم انتخاب أعضاء "المؤتمر السوري العام"، وفي 8 آذار 1920 أعلن المؤتمر دون التنسيق مع الحلفاء "استقلال سوريا" وأعلن قيام المملكة السورية العربية وعيّن فيصل الأول ملكًا عليها، وشكل المؤتمر لجنة خاصة برئاسة هاشم الأتاسي مهمتها صياغة دستور المملكة وجاء الدستور باثني عشر فصلاً و147 مادة، ومن أهم ما جاء فيه أن سوريا "ملكية مدنية نيابيّة، عاصمتها دمشق ودين ملكها الإسلام"، وترك الدستور للملك تشكيل الوزارة من غير أشخاص الأسرة المالكة وجعلها مسؤولة أمام المؤتمر الذي يحقّ له استجوابها وسحب الثقة منها، وحدّ من صلاحيات الملك بإلزام أي قرار يتخذه بتوقيع رئيس الوزراء والوزير المختص، نشر هذا الدستور في 13 حزيران، أي أنه طبّق 15 يومًا فقط، وذلك بسبب تلاحق الأحداث التي بلغت ذروتها مع إنذار غورو واحتلال الفرنسييين دمشق في 25 تموز ثم نفي الملك فيصل في 28 تموز 1920.
   بقيت سورية بعد ذلك تحت الحكم المباشر للفرنسيين حتى 28 تموز 1922 عندما أصدر هنري غورو"القانون الأساسي للاتحاد السوري"، وهو بمثابة الدستور الاتحادي لمقاطعات دمشق وحلب واللاذقية. ونصّ القانون على استحداث "المجلس الاتحادي" ليكون السلطة التشريعية العليا في البلاد، وهو مكون وفق القانون من 15 عضوًا، خمس عن كل مقاطعة من المقاطعات الثلاث، وله صلاحية انتخاب رئيس الاتحاد ولمدة عام واحد، ولا يجوز لرئيس الاتحاد اتخاذ أي قرار دون مصادقة المجلس، وإليه ترفع اقتراحات الحكومات الثلاثة في دمشق وحلب واللاذقية لكي يدققها ويقرّها وله وحده حق وضع بعض القوانين الهامة كالعقوبات والأحوال الشخصيّة واعتماد الموازنة العامة للدولة، بعد ذلك وفي 1 كانون الثاني 1925 تم حل الإتحاد وإعلان الوحدة بين دولتي دمشق وحلب فقط، وأصدر المفوض الفرنسي الجديد ماكسيم فيغان قرارًا آخر اعتبر بمثابة القانون الأساسي للدولة، وكان رئيس الدولة ينتخبه أعضاء المجلس التمثيلي ويؤازره خمسة وزراء، وأن صلاحيات رئيس الدولة ظلت بموجب القانون الجديد هي ذاتها صلاحيات رئيس الاتحاد السابق.
   في الواقع كان على السوريين انتظار عام 1928 ليشهدوا دستورا حقيقيا، ففي هذا العام تم تكليف الشيخ تاج الدين الحسني رئاسة الدولة، وجرى انتخاب جمعية تأسيسية ، وانتخبت الجمعية لجنة وضع الدستور في 9 حزيران برئاسة إبراهيم هنانو، ووضع الدستور في 11 آب من نفس العام وتم التصويت عليه وإقراره في الجمعية. واعتبر الدستور سوريا "جمهورية نيابية عاصمتها دمشق ودين رئيسها الإسلام"، والنظام كما حدده الدستور شبيه إلى حد بعيد بالنظام الفرنسي آنذاك، ينتخب بموجبه رئيس الجمهورية في مجلس النواب غير أنه ليس مسؤولاً أمامه، وله صلاحية تعيين رئيس الحكومة التي يختار أعضائها رئيس الحكومة بالتعاون مع الكتل البرلمانية ويعود للرئيس حق إصدار تشكيلتها وتكون مسؤولة أمام مجلس النواب. ومنح الدستور للرئيس حق نقض القوانين وحل مجلس النواب أو تعليق عمله "لفترة محدودة"، وحددت ولاية الرئيس بخمس سنوات ولا يجوز إعادة انتخابه إلا بعد مرور خمس سنوات على انقضاء رئاسته الأولى، لكن هذا الدستور عطله المندوب السامي هنري بونسو، وفي 14 مايو 1930 أقر بونسو الدستور بعد أضافة المادة 116 التي تنصّ على "طي المواد التي تتعارض مع صك الانتداب حتى زواله.
   في عام 1939 توقف العمل بالدستور نتيجة الحرب العالمية الثانية حتى 1941؛ فأعيد العمل بالدستور ولم تجر انتخابات حتى عام 1943 ففازت الكتلة الوطنية ووصل شكري القوتلي إلى الرئاسة، وفي عام 1947 عدّل الدستور بتحويل النظام الانتخابي من درجتين إلى درجة واحدة، وعدل مرة ثانية عام 1948 للسماح بانتخاب القوتلي لولاية ثانية مباشرة بعد ولايته الأولى، وفي 30 مارس 1949 انقلب حسني الزعيم عسكريًا على الحكم المدني برئاسة القوتلي وعلّق العمل بالدستور، وسرعان ما انقلب عليه سامي الحناوي في آب 1949 ونظمت انتخابات جمعية تأسيسيّة لوضع دستور جديد للبلاد.
   ان كافة الدساتير الصادرة حتى انقلاب حسني الزعيم اعتمدت على النظام الجهوري النيابي، وكان انتخاب الرئيس يتم عبر مجلس النواب، وفي المقابل فإن العلاقة بين الرئيس وقائد الجيش ربما لم تلحظ الواقع الاجتماعي والثقافي لسورية، فكان الرئيس هو الذي يعين قائد الجيش، وكان أيضا أول ضحاياه عندما قام قائد الجيش حسني الزعيم حسني الزعيم (1897 – 1949) بانقلاب آذار 1949، وبالتأكيد فإن الاضطراب السياسي بعد الاستقلال لم يكن مسؤول عنه الدستور، ولكن في المقابل فإن كافة الدساتير السابقة كانت لا تتعامل مع حيوية الأزمات التي تعاني منها سورية وذلك بسبب وجود المستعمر الفرنسي الذي كان يحتكر "القوة" عبر الجيش وقوات الشرطة.
   بعد ثلاث انقلابات متتالية تم وضع دستور جديد عام 1950، وكانت مسودته تتألف من 177 مادة، خلال المناقشات طويت 11 مادة وخرج الدستور بصيغته النهائية مؤلفًا من 166 مادة. واحتدم النقاش على ثلاث مواضيع: الأول إعلان الإسلام دين الدولة أو دين رئيس الدولة وانتهى الأمر بالحفاظ على صيغة دستور 1930 بكونه دين رئيس الدولة. والثاني وضع حد أعلى للملكية الزراعية في الدولة للتخفيف من سطوة العائلات الإقطاعية وحسم الأمر لترك سقف الملكية مفتوحا، والموضوع الثالث كان حول إدراج مادة تنص على وقوف الجيش على الحياد دون التدخل في الحياة السياسية السورية ولم يتم إقرار هذه المادة، ولم تظهر تغييرات عميقة في بنية النظام السوري فحافظ على طبيعته البرلمانية وقلّص صلاحيات رئيس الجمهورية وسحب حق نقض القوانين والمراسيم منه وأمهله عشرة أيام فقط للتوقيع عليها، وحافظ على اختصاصه بالتصديق على المعاهدات الدولية وتعيين البعثات الدبلوماسية في الخارج وقبول البعثات الأجنبية ومنح العفو الخاص وتمثيل الدولة ودعوة مجلس الوزراء للانعقاد برئاسته وتوجيه الخطابات للسوريين، وزاد من صلاحيات البرلمان بمنعه التنازل عن صلاحياته التشريعية للحكومة ولو مؤقتًا كما أوجب على الحكومة الاستقالة في بداية كل فصل تشريعي، وعزز من سلطة القضاء باستحداث المحكمة الدستورية العليا.
   بعد الانقلاب الثاني لأديب الشيشكلي عام 1952 عطل العمل بالدستور، ثم أصدر دستورًا جديدًا هو أول دستور رئاسي للبلاد شبيه بالنظام المعمول به في الولايات المتحدة، فألغى منصب رئيس الوزراء، وطبق من 10 تموز 1953 وحتى 26 شباط 1954، وفيه يتم انتخاب الرئيس من الشعب ويعتبر رئيسا للوزارة ويعين الوزراء، وبذلك حل أزمة عدم الاستقرار الحكومي في البلاد، بعد خلع الشيشكلي في 25 شباط 1954 أعيد العمل بدستور 1950 والبرلمان الذي كان قائمًا والرئيس هاشم الأتاسي ريثما تتم انتخابات نيابية جديدة.
   عمليا فإن النظام الجمهوري النيابي سبب العديد من الأزمات السياسية الداخلية، فكان انهيار الوزارات أمرا طبيعيا، بينما كانت القوى السياسية غير قادرة على ضمان توازن قوي في البرلمان نظرا لوجود كتلة كبيرة من المستقلين تفوق الكتل الحزبية وتجعل من الحياة السياسية رهينة التوازنات الداخلية لكتل المستقلين التي في غالبها كانت تمثيلا عشائريا وعائليا وشرائح طبقية خاصة، ومنذ عام 1963 بدأت "جمهورية" جديدة إن صح التعبير، حيث فرضت حالة الطوارئ ووضع دستور مؤقت عام 1964، ودستور مقت ثان عام 1969، وآخر دستور مؤقت صدر بعد وصول الرئيس حافظ الأسد إلى السلطة في 9 كانون الأول 1971 واستمر العمل به  حتى 1973.
الدستور الدائم لعام 1973
   شكل الرئيس الراحل حافظ الأسد لجنة برئاسة محمد فاضل لصياغة "دستور دائم للبلاد" وتم إقراره باستفتاء يوم 12 آذار من عام 1973، وظهر في مقدمة الدستور أمرين أساسيين: الأول هو الفكر السياسي لحزب البعث  من خلال (الوحدة والحرية والاشتراكية)، والثاني الظرف الخاص بالبلاد حيث اعتبر الدستور سوريا جزءا من "اتحاد الجمهوريات العربية" التي كانت تضم آنذاك مصر وليبيا وسوريا، ودون إغفال أن "الشعب السوري جزء من الأمة العربية"، ونص على وجوب كون الرئيس "عربيًا سوريا، وشكلت المادة الثامنة احتكار البعث للحياة السياسية الحزب القائد للدولة والمجتمع. بالنسبة للرئيس فيتم ترشيحه من القيادة القطرية لحزب البعث عن طريق مجلس الشعب للاستفتاء دون وجود أي مرشح آخر، وظهرت صلاحيات رئيس الجمهورية فهي واسعة، لتصبح سورية جمهورية رئاسية، فهو رئيس السلطة التنفيذية والقائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة، ولا يوجد فصل واضح للسلطات، بينما حافظ الدستور كما في الدساتير السابقة على اعتبار دين رئيس الجمهورية هو الإسلام وأن الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع. وعدل هذا الدستور مرتين، الأولى عام 1981 لتغيير شكل علم البلاد من علم اتحاد الجمهوريات العربية تاركا لرئيس الجمهورية بقانون تحديد العلم، والمرة الثانية في حزيران 2000 لتخفيض عمر المرشح للرئاسة من أربعين عامًا إلى 34 عاما.
دستور ما بعد أزمة 2011
   في 15 شباط 2012 أنهت لجنة صياغة الدستور المسودة التي سلمتها لرئيس الجمهورية، وتم الاستفتاء عليها في 26 شباط، ويتألف الدستور من 157 مادة وستة أبواب وتسعة فصول ومقدمة، وإذا كان أهم ما حمله تعديل المادة الثامنة فتم انهاء احتكار الحياة السياسية، وفي المقابل فإن الرئيس الجمهورية وفق الدستور الجديد هو رئيس السلطة التنفيذية، ينتخب لمدة سبع سنوات قابلة للتمديد مرة واحدة، واشترط أن يكون سوريا بالولادة ومن أبوين سوريين بالولادة، وغير متمتع بأي جنسية أخرى، وغير متزوج بغير سورية، وأن لا يكون صدر بحقه حكم قضائي "شائن" كما أوجب أن يكون المرشح حاصلاً على توقيع 35 نائبًا من مجلس الشعب للترشح. أما الدعوة للانتخابات فتتم عبر رئيس مجلس الشعب الذي يدعو للانتخابات الرئاسية خلال فترة شهرين إلى ثلاث أشهر من ولاية الرئيس القائم، ويعتبر فائزا من يحصل على الأغلبية المطلقة سواء من الدورة الأولى أو بعد دورة الإعادة، وكحال مجلس الشعب ففي حال عدم انتخاب الخلف يستمرّ الرئيس المنتهية ولايته على رأس السلطة حتى انتخاب خلفه، كما اعتبر الدستور رئيس الجمهورية غير مسؤول عن أعماله في إطار ممارسة صلاحياته التي نصّ عليها الدستور إلا في إطار "الخيانة العظمى" أما صلاحياته فهي:
تسمية نوابه وإعفائهم وتفويض بعض صلاحياته لهم.
تسمية رئيس الوزراء والوزراء ونوابهم، وقبول استقالتهم وإقالتهم.
رسم السياسة العامة للدولة بالتعاون مع مجلس الوزراء المعين من قبله.
إصدر القوانين وردها إلى مجلس الشعب، فإذا أعاد المجلس إقرارها بأغلبية الثلثين اعتبرت نافذة دون توقيعه.
إعلان الحرب والسلم والتعبئة العامة.
إعلان حالة الطوارئ وإلغائها لمدة مفتوحة، بمرسوم يقرّه مجلس الوزراء.
اعتماد السفراء الأجانب وتعيين السفراء السوريين لدى الخارج.
قيادة الجيش والقوات المسلحة بما فيها إصدار جميع "القرارات والأوامر اللازمة لممارسة هذه السلطة".
تعيين الموظفين المدنيين والعسكريين.
رئاسة المجلس الأعلى للقضاء.
إبرام المعاهدات والاتفاقيات الدولية.
إصدار العفو الخاص ومنح الأوسمة ومخاطبة الشعب.
حل مجلس الشعب.
اقتراح القوانين.
إعداد وإصدار القوانين خارج دورات انعقاد مجلس الشعب أو أثناء انعقادها "في حالات الضرورة" على أن يكون للمجلس حين انعقاده إلغائها، فيما يعرف باسم "المراسيم التشريعية".
جميع الإجراءات السريعة التي يراها مناسبة في حال تعرض البلد للخطر.
تشكيل اللجان والجمعيات الخاصة.
استفتاء الشعب، ولا يجوز للمحكمة الدستوريّة العليا الاعتراض حتى لو كان موضوع الاستفتاء مخالفًا للدستور.
تعيين أعضاء المحكمة الدستورية العليا، التي من واجباتها محاكمته.
إحالة الوزراء إلى المحاكمة.
اقتراح تعديل الدستور، بناءً على طلبه أو ثلث أعضاء مجلس الشعب.
   عمليا فإن صلاحيات الرئيس بدت واسعة رغم بعض التحديدات التي حاولت خلق نوع من الفصل بين السلطات، ورغم الانتقادات التي تم توجيهها للدستور لكن من المفترض أنه سيوجد حالة منافسة جديدة، وربما سيتيح اختبار بيئة سياسية مختلفة وذلك بغض النظر عن تشابكات الأزمة التي تعيشها سورية اليوم، وربما المهم آلية إنتاج هذه العملية لتصبح جزءا من ثقافة المنافسة السياسية أكثر من كونها استحقاقا دستوريا قادرا على إنهاء الأزمة، فالاختبار الدستوري الجديد لم يعد مستقلا عن التجاذبات السياسية الدولية ولكنه في النهاية سيرسم مسار لحركة جزء هام من المجتمع السوري.

تقارير ذات صلة