معهد ليفانت للدراسات

سمات دخول للسوريين إلى لبنان .. غضب الجغرافيا

سمات دخول للسوريين إلى لبنان .. غضب الجغرافيا
يناير 04
21:12 2015

لأول مرة في تاريخ لبنان الحديث يتم التحكم بدخول السوريين، فسابقا كانت دمشق تضغط على لبنان من خلال إغلاق الحدود، ونادراً ما أدت الأوضاع السياسية بين البلدين إلى اجراءات مثل تلك الاجراءات التي يتم اتباعها حالياً من قبل السلطات اللبنانية، ورغم أنها تبدو اعتيادية في ظل حالة النزوح نحو لبنان، لكنها في العمق تعبر عن أزمة حقيقية على مستوى القرارات داخل الحكومة في لبنان، فمسألة السمات تمثل الخروج الثاني عن الاتفاقيات بين البلدين التي رُسمت منذ مراحل الاستقلال المبكر، فمنذ تبادل السفراء انتقلت العلاقة باتجاه مختلف، فهو شكل اعترافاً من دمشق بالدرجة الأولى بانتهاء زمن "الترابط السيادي"؛ حيث كانت قوة سورية في قدرتها على التحكم في ردود فعل القوى السياسية لجارتها، في المقابل فإن لبنان انهت الحسابات الدقيقة لمسألة وجودها في الهامش الاستراتيجي لدمشق.

"الترابط السيادي"

حمل الميثاق الوطني اللبناني لعام 1943 تعهداً من السلطات اللبنانية "ألا تستخدم أراضيها مقراً أو ممراً لأعداء سورية"، ورغم أن مثل هذا الأمر لا يحتاج لتعهدات في العلاقات بين الدول، إلا أن أهميته تأتي من التاريخ القريب للبلدين الذي حمل حدثين أساسيين:

الأول – دخول الجنرال الفرنسي هنري غورو (17 تشرين الثاني 1867 -16 أيلول 1946) إلى دمشق من الطريق الدولي الذي يربط دمشق ببيروت، حيث احتل العاصمة السورية وأنهى الحكم الوطني فيها.

الثاني – قيام السلطات الفرنسية باقتطاع أقضية من سورية وضمها إلى لبنان في إطار تأسيس الدولة اللبنانية.

وفيما استقلت سورية في إطار صراع سياسي – عسكري، فإن التوافقات اللبنانية التي أنتجت ميثاق الاستقلال (1943) كان برعاية فرنسية كاملة، وكان لا بد من تقديم ضمانات تقلل من القلق السوري ضمن دولة حديثة الاستقلال، وعلى الأخص أن لبنان استأثرت بالنشاط التجاري الذي أسسته سلطات الانتداب، كما أن النقد الموحد بين البلدين أثر لاحقاً حتى على سعر صرف الليرة السورية حتى بداية الحرب الأهلية اللبنانية.

بالنسبة للبنان فإن جارتها الأكبر تتحكم بكافة المعابر البرية لها، وكان أي إجراء اقتصادي يؤثر عليها بشكل سريع، فالمباشرة ببناء ميناء اللاذقية في الخمسينات أثر على حركة التجارة فيها، كما أن تفجير خطوط التابلاين خلال العدوان الثلاثي كان أيضا عملاً يطال لبنان، وطوال عقدين ونصف، منذ الاستقلال وحتى الحرب الأهلية اللبنانية، ساد التوجس بالنسبة لترابط مسألة السيادة بين البلدين، خصوصاً مع ظهور "إسرائيل" التي غدت العامل الأساس في تشكيل العلاقات داخل الشرق الأوسط عموماً، وعلى الجانب اللبناني فإنه منذ اتفاق الرئيس جمال عبد الناصر زمن الوحدة مع الرئيس فؤاد شهاب؛ ساد هدوء في العلاقات بين دمشق وبيروت، ويمكن هنا تسجيل ثلاث أمور أساسية:

  • استفادت لبنان ومنذ عام 1958 من حركة الأموال السورية تجاهها نتيجة النظام الاقتصادي السورية.
  • حركة العمالة السورية إلى لبنان بقيت مرتبطة بحركة الإعمار الدورية في لبنان، ولم تشكل عبئاً حقيقياً على الاقتصاد اللبناني.
  • سياسياً وحتى بعد انسحاب القوات السورية من لبنان فإن مسألة ترابط السيادة بين البلدين بقي مأزقاً حقيقياً لاستراتيجية الدولتين، واتضح هذا الأمر في الأزمات السياسية المتلاحقة في لبنان خلال تشكيل الحكومة أو انتخاب رئيس الجمهورية، فالحقيقة الأساسية التي لا يمكن تجاهلها أن لبنان ومنذ انسحاب القوات السورية أصبح دولة تصارع استراتيجي.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم التخبط في سياسة "النأي بالنفس" الذي ظهر مع بداية الأزمة السورية، فهو "نأي" على مستوى التصريح السياسي، ولكن على مستوى القوى السياسية كان هناك انقسام وإجراءات سواء لجهة دعم القوى المسلحة المعارضة، أو للترابط مع الدولة السورية.

مسارات لبنانية

تتخذ مسألة "سمات الدخول للسوريين" شكلاً تنظيمياً يحاول الحد من عمليات النزوح، لكنه في المقابل يعكس عدم قدرة مؤسسات الدولة على التعامل مع طبيعة العلاقة السورية – اللبنانية، فالنزوح بشكله الحالي يستند إلى السياسة اللبنانية منذ بداية الأزمة، فـ"النأي بالنفس" اوجد أربع مسارات لبنانية:

  • مسار رسمي يحاول تجاهل التطورات الحاصلة والمواقف ضد سورية، سواء من قبل الجامعة العربية أو حتى الأمم المتحدة، فعدم تبني موقف رسمي لم يعفِ لبنان من تداعيات الأزمة السورية، وأدى النأي بالنفس إلى تجاوز لنوعية العلاقات بين البلدين، فلم يحدث تعاون أمني أو عسكري مما أدى لانتشار الارهاب، كما أن التعاون السياسي غدا في حدوده الدنيا، وهو ما أثر على طريقة النزوح والمساعدات الدولية المقدمة للاجئين.
  • مسار القوى السياسية التي توزعت وفق اتجاهات إقليمية، فمن مساعدة المعارضة  وتقديم مأوى للمسلحين؛ وصولاً إلى حالات الدعم العسكري للدولة السورية.
  • مسار مجلس الوزراء اللبناني الذي يشكل صيغة التوافق خارج موضوع "النأي بالنفس"، فقرارته هي بإدارة تناقضات الموجودة داخله، ومن هذه النقطة ظهرت قرارات "سمة الدخول" للسوريين.
  • أخيراً هناك المسار الاجتماعي الذي ينقسم أيضاً ما بين رفض تواجد السوريين وصولاً إلى الاستفادة من المخيمات لتجنيد عناصر مسلحة كما يحدث في منطقة عرسال.

إن المسارات السابقة لا تعكس فقط تداعيات الأزمة السورية على السياسة العامة اللبنانية فقط، بل تقدم حجم التناقضات في فهم العلاقة بين البلدين، فما بين الرغبة في إزاحة السلطة السورية وصولاً إلى اعتبارها داعماً أساسياً للنظام الإقليمي يبدو التشتت القائم بشأن السيادة اللبنانية بالدرجة الأولى، فمنح سمة الدخول مبني اليوم على نوع من الاطمئنان إلى أن الحكومة السورية لن تقوم بإجراءات مضادة، وهو اطمئنان لجظي لأنه سيؤثر على علاقات البلدين مستقبلاً، علماً أن السياسة اللبنانية ومنذ 2005 تتجاوز بنود اتفاقية الطائف التي تنص على خصوصية العلاقة بين البلدين.

على المستوى المنظور ستبقى مسألة سمات الدخول نوعاً من تنظيم تدفق اللاجئين، لكنها ستصبح لاحقاً جزءاً من تكوين العلاقة، خصوصاً في المراحل اللاحقة عندما تصبح الحركة اعتيادية على طرفي الحدود، وعلى المستوى الداخلي اللبناني فإنها قدمت اختباراً  لمسألة التحالف مع بعض القوى اللبنانية، فأوضحت أن السياسة اللبنانية مازالت ضمن مأزق تداخل السيادة بين الجارين.

 

جميع الحقوق محفوظة – مركز ليفانت للدراسات – راجع شروط الاستخدام

تقارير ذات صلة