معهد ليفانت للدراسات

سفراء الدول والحياة السياسية اللبنانية

سفراء الدول والحياة السياسية اللبنانية
أكتوبر 13
20:52 2016

لم يكن لبنان يوماً من الأيام بعيداً عن تجاذبات القوى الكبرى ومحط أنظارها للسيطرة عليه وجعله محطة متقدمة لعملياته في المنطقة التي تعد الأكثر توتراً في العالم، فكل دولة وضعت يدها عليه سعت من خلال الفتن وتغذية الانقسامات بين طوائفه المتعددة والمتنوعة لاستمرار سيطرتها وإلحاقها بها من العثمانيين إلى الفرنسيين وتالياً بعد الاستقلال حيث كان محط صراع من قبل الدول الكبرى من خلال دفعه لأن يكون في هذا الحلف أو ذاك، وعملت العديد من الدول العربية المركزية على أن يكون لبنان دائراً في فلكها من مصر عبد الناصر مروراً بالسعودية آل سعود وسورية حافظ الأسد، وليبيا القذافي والعراق صدام حسين.. كل هذا العمل كان يأتي من خلال السفراء المعتمدين في بيروت الذي كانوا يعبرون عن توجهات بلدانهم وسعيها لتنفيذ أجنداتها في لبنان.
 

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه لماذا كل هذا الإصرار على لبنان، هل لأن التنوع الطائفي والاثني في البقعة الجغرافية ما بين سورية وفلسطين يسمح بذلك ؟ أم أن الغاية هو مجرد تقسيم المنطقة بغض النظر عن العرق واللون والطائفة ؟ ولماذا للسفراء الأجانب حظوة كبيرة في المجتمع السياسي اللبناني ؟.
 

بعد سيطرت العثمانيين على بلاد الشام بعد معركة "مرج دابق" 1516 الشهيرة دخل لبنان في حسابات السلطنة العثمانية، فعهدت إلى أسرة درزية من أصول كردية لإدارته، وفي 1590م عين السلطان فخر الدين الثاني واليا على تلك البلاد.
 

وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبالتحديد بين عامي 1841 و1860 حدثت الكثير من الفتن الطائفية بين الأقليات غير المسلمة بدعم وتحريض من فرنسا والمملكة المتحدة الهدف منها إنهاك قوة الدولة العثمانية، وكذلك إيجاد المبرر للتدخل الأجنبي في لبنان تمهيداً لتمزيقه والسيطرة عليه هذه الفتن كانت دافعا للعثمانيين لاستدعاء عمر باشا واستبداله بمحمد باشا بعدما أرغم الباب العالي في كانون الأول 1842م على إبرام اتفاق مع الدول الأوروبية الخمس الكبرى وهي: بريطانيا والنمسا وروسيا وبروسيا وفرنسا، يقضي بتقسيم لبنان

 

وذلك إلى قائمقامتين: نصرانية يحكمها الأمير المسيحي حيدر إسماعيل أبي اللمع، ودرزية يحكمها الأمير الدرزي أحمد أرسلان. وجعلت طريق بيروت – الشام الحد الفاصل بينهما، ومن ثم تطورت الأحداث إلى تم في عام 1861 اتفاقاً يقضي بأن تكون جبل لبنان لحاكم مسيحي يعينه الباب العالي بعد التشاور مع الدول الخمس الكبرى وسمي الاتفاق بنظام المتصرفية، بحيث يتم تشكيل مجلس إدارة من اثني عشر عضوًا تتمثل فيه جميع الطوائف على الشكل التالي:4 موارنة- 3 دروز- 2 روم أرثوذكس – 2 روم كاثوليك- 1 سني- 1 شيعي.
 

بعد زوال الاحتلال العثماني وقع لبنان تحت الاستعمار الفرنسي حيث حرصت باريس على أن يكون لبنان تابعاً لسياستها وأجنداتها حتى بعد نيل الاستقلال "1946" تحت مسميات وذرائع كثيرة.
 

فلم يهنئ هذا البلد المستقل من الحروب والمشاكل فتتالت الأنواء والمحن عليه حتى وقعت الحرب الأهلية 1975 ومعها بدأ موسم جديد من التدخلات وفرض الإملاءات والشروط عليه، فجاء التدخل العسكري السوري برعاية عربية وغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي باركت دخول الجيش السوري لوقف المجاز التي تحدث بين لبنانين على اختلاف مشاربهم السياسية من جهة، وثانياً لإيقاف المجاز التي تحدث بين الفلسطينين ولبنانين من جهة ثانية

 

وفي الأثناء جاء الاحتلال العسكري الإسرائيلي لأجزاء من العاصمة بيروت والاشتباك بين الجيشين السوري والإسرائيلي على أرض لبنان.. وفي هذه الفترة برز بشكل واضح دور السفير الأمريكي فيليب حبيب خلال العامين 1981 و1982، كمبعوث خاص للولايات المتحدة الأمريكية إلى لبنان، فعمل على التوصل إلى ترتيب لوقف إطلاق النار بين القوات الإسرائيلية وقوات منظمة التحرير الفلسطينية، وكذلك المفاوضات التي أجراها خلال تلك الفترة حول اتفاقية للسلام مكونة من ثماني عشرة نقطة، تتضمن انسحاب القوات الفلسطينية والسورية من بيروت الغربية.
 

كما لعب السفير الأمريكي في لبنان في عام 2005 دوراً محورياً في تأليب القوى اللبنانية على الوجود السوري العسكري في لبنان والمساعدة لاحقاً في إصدار قرار من مجلس الأمن رقم 1559 ينص بشكل واضح على خروج القوات السورية في لبنان ونزع سلاح القوى اللبنانية التي تحارب إسرائيل وعلى رأسها حزب الله.
 

طبعاً تدخل السفراء في الحياة السياسية اللبنانية لم يتوقف فاليوم يلعب السفير السعودي علي عواض العسيري دوراً بارزاً في تعطيل انتخاب رئيس جديد للجمهورية اللبنانية بعد فراغ مستمر منذ أكثر من سنتين، دون أن ننكر الدور الذي يقوم به سفراء الدول الخمس الكبرى وعلى رأسهم الأمريكي والروسي والفرنسي، ومعهم سفراء إيران وسورية ومصر.
 

أخيراً طالما أن معظم المكونات الطائفية والسياسية والثقافية اللبنانية تابعة أو موالية لجهات وقوى غير لبنانية، وطالما أن التركيبة اللبنانية معقدة جداً "وجود ما يقارب 18 طائفة"، وطالما أن الاشتباك الإقليمي مازال مستمراً فلا شك أن لبنان سيبقى ساحة صراع للقوى الإقليمية والدولية وسيكون للسفراء الدور الأبرز في إنفاذ هذه التدخلات والسياسيات الدولية فيه.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة