معهد ليفانت للدراسات

زيارة ترامب لإسرائيل : الصديق الذي حاول إرضاء الجميع

زيارة ترامب لإسرائيل : الصديق الذي حاول إرضاء الجميع
يونيو 18
22:40 2017

حملت زيارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لإسرائيل معانٍ وأوجهاً كثيرة، ومثلّت انقطاعاً عن الموقف الأميركي خلال إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وهذا الرأي جاء من الداخل الإسرائيلي الذي كانت له رؤيته الخاصة والمتباينة لانعكاسات الزيارة على العلاقات الأميركية الإسرائيلية من جهة، وعلى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من جهة ثانية.
 

معظم السياسيين ووسائل الإعلام في إسرائيل وصفوا زيارة ترامب بأنها تاريخية، وتحمل تحولاً عميقاً في التوجهات الأميركية تجاه إسرائيل من جهة وتجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من جهة ثانية، ولم يكتف المراقبون في تل أبيب باعتبار الزيارة قطيعة مع إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، بل ومع التوجه التاريخي الرسمي لواشنطن، بما في ذلك توجهات رؤساء جمهوريين فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
 

في التفاصيل، يمكن ملاحظة أنه ظهرت داخل الدوائر السياسية الإسرائيلية ثلاث مواقف مركزية حول زيارة ترامب وتصريحاته خلالها، ويمثل الموقف الأول اليمين الإسرائيلي الذي اعتبر أن توجه ترامب وتصريحاته تنسجم بشكل كامل مع توجهات الحكومة الإسرائيلية ومع اليمين الإسرائيلي، حتى أن وزير العلوم، أوفير أكونيس، من حزب الليكود، صرح بعيد مغادرة ترامب إسرائيل بأنه سعيد بانضمام عضو جديد لليكود وهو الرئيس ترامب، ولا مانع لديه حتى من انضمام ملانيا ترامب عقيلة الرئيس لعضوية حزب الليكود، هذا بالإضافة إلى تصريحات بنيامين نتنياهو المتواترة خلال الزيارة حول وجود صديق حقيقي ومختلف لإسرائيل عما سبق في تاريخ رؤساء الولايات المتحدة الأميركية.
 

موقف اليمين الإسرائيلي المتفائل بترامب له أسبابه، فصديق الليكود الأمريكي لم يتطرق إلى الحقوق السياسية للفلسطينيين لا من قريب ولا من بعيد، فلم يذكر حق الفلسطينيين في تقرير المصير، أو حل الدولتين، ولم يشر بكلمة واحدة إلى الاستيطان في مناطق 1967، أو حتى إلى مبادرة السلام العربية، وخاصة بعد زيارته للسعودية، أو إلى أي قضية تتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي لا في زيارته لإسرائيل أو زيارته للسلطة الفلسطينية في بيت لحم.
 

الموقف الثاني، وتمثله المعارضة الإسرائيلية، التي اعتبرت أن توجه ترامب ينسجم في مجمله ولكن في عمقه مع التوجهات التي دعت إليها خلال السنوات السابقة في مواجهة مواقف الحكومة الإسرائيلية الحالية، ويعتمد هذا الموقف على مجموعة معطيات برزت خلال الزيارة أهمها تأكيدات ترامب أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس هو شريك جدي وحقيقي للسلام، وأنه مستعد للتفاوض مع الحكومة الإسرائيلية على الفور، وهو يلائم موقف "المعسكر الصهيوني" وزعيمته تسيبي ليفني، فيما يحمل هذا التوجه تناقضا مع خطاب نتنياهو والحكومة الإسرائيلية الذي يعتبر محمود عباس غير شريك للتسوية مع إسرائيل.
 

الموقف الثالث، وهو يناقض الموقفين السابقين حيث يعتقد أن ترامب لم يقدم أي شيء، لأنه لا يعلم شيئاً، وليست عنده أي رؤية لا للصراع ولا للتسوية بين الجانبين، وهو يعتمد على مجموعة اعتبارات أهمها أن ترامب لم يذكر في خطاباته أي شيء فيما يتعلق بالتسوية، حتى أنه لم يذكر نقطة البداية للمفاوضات بين الجانبين، وغياب أي شيء في خطاباته عن التسوية وشكلها لا ينم عن حرصه على نجاح المفاوضات بل لكونه لا يمتلك تصوراً لها.
 

ويرى أصحاب هذا الموقف أن ترامب حاول إرضاء الجميع في خطاباته، صحيح أنه لم يذكر شيئًا عن الحقوق السياسية لكنه لم يؤكد شرعية إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأن ما تحدث عنه حول إسرائيل والشعب اليهودي كان خطاباً عاطفياً تاريخياً، ولم يعنِ أي شيء في الجانب السياسي.


كما يقولون أن زيارة ترامب لإسرائيل كانت عبارة عن زيارة دينية وزيارة بين أصدقاء، فهو لا يمتلك شيئاً وغير مطلع على شيء ولا يعرف طبيعة الصراع ولا شكل الحل، وكانت زيارته عبارة عن محاولة لإحداث قطيعة مع باراك أوباما، وزيارته لإسرائيل كانت عبارة عن تحصيل حاصل لزيارته المركزية في الرياض واجتماعه مع قادة الدول العربية والإسلامية. فهو ما كان ليتجاهل إسرائيل في هذه الزيارة، وإلا سيكون مثله مثل أوباما الذي يحرص ترامب على أن يظهر بعكسه تماماً.


لم تكن التصريحات التي أطلقها ترامب في إسرائيل من حيث المضمون مختلفة عن تصريحاته خلال زيارة نتنياهو للولايات المتحدة في شباط 2017. ففي الزيارتين، بقي ترامب على مواقفه من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وذلك على الرغم من زيارته للرياض والتقائه مع الزعماء العرب والمسلمين. في الزيارتين لم يتطرق ترامب إلى الاستيطان كمعيق للسلام، وفي الزيارتين لم يذكر الحقوق الفلسطينية في تقرير المصير، وفي الزيارتين تحدث عن الخطر الإيراني كخطر مركزي على الشرق الأوسط، وفي الزيارتين تحدث عن الإرهاب، لا بل إنه خلال زيارته الحالية سواء في الرياض أو بيت لحم أشار إلى أن حركة حماس الفلسطينية هي حركة إرهابية، وأن على السلطة الفلسطينية أن تتوقف عن دعم وتمويل "الإرهاب".


وإذا كان هناك من يعتقد أن ما ظهر في تصريحات ترامب لا يُعبّر عما دار بين الأطراف في المحادثات السرية وفي الغرف المغلقة، وإلى أن تتضح عناصر رؤية إدارة ترامب إزاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يجوز اعتبار أن زيارة الرئيس الأميركي للشرق الأوسط مثلت تأييداً لموقف دول "الاعتدال" العربي "السعودية ومصر" فيما يتعلق بالبيئة الإقليمية، ومثلت تبنيّاً للموقف الإسرائيلي فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي أو على الأقل مثلت تبنياً للرؤية الإسرائيلية حيال نقطة الانطلاق نحو تسوية الصراع، وأن هذا هو ما فعله ترامب في زيارته.


وفي ضوء ذلك فإن الجانب الفلسطيني كان الجانب الغائب في زيارة ترامب إلى المنطقة وإسرائيل، لكونه تجاهل الموضوع الفلسطيني في زيارته العربية، وتجاهل الحقوق الفلسطينية في زيارته لإسرائيل، بانتظار خطوات ترامب الفعلية اتجاه مشكلات إسرائيل في المنطقة بدءاً من الصراع مع الفلسطينيين وصولاً إلى الصراع مع محور "المقاومة" الممتد من طهران إلى دمشق وصولاً إلى الضاحية الجنوبية في بيروت.

 

 


جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة