معهد ليفانت للدراسات

زلزال الشرق الأوسط… اختبار الدولة السورية

يونيو 20
12:52 2014

منذ عام 2003 بدأ اختبار الشرق الأوسط بعد ستة عقود تقريبا على مؤتمر سان ريمون الذي رسم خرائط الدول، فسقوط العراق وبناء دولتها من جديد كان المغامرة الكبرى في إعادة هيكلة الشرق الأوسط بشكل كامل، واختلت الموازين طوال عقد كامل وصولا لما أطلق عليه الربيع العربي، ولكن "الدولة" في شرقي المتوسط كانت أمام امتحان صعب بعد أن تحصنت بمفهوم "السيادة" المعترف به دوليا، فمع الاحتلال الأمريكي للعراق بات واضحا أن ثنائية "الدولة – السيادة" هي الهدف الأساسي من حروب "الجيل الرابع"، أي حروب ما بعد الحرب الباردة، ويبقى السؤال المطروح عن الصورة النهائية للدولة في ظل الصراع لتغيير مفهومها حتى على مستوى الوعي الاجتماعي.
سوريا وتحدي الدولة
يتم التركيز منذ احتلال العراق ووصولا إلى الأزمة على التحديات المباشرة للدولة السورية، ففي أزمة العراق تم تسليط الضوء على "اللاجئين العراقيين"، وكانت هذه الموجة الرابعة التي تشهدها سوريا، فالأولى حصلت الثمانينات وضمت حوالي مائة ألف شخص شكلوا كتلة سياسية مؤلفة من شيوعيين وقوميين وديمقراطيين ومعارضين لنظام صدام حسين، تبعتها موجة ثانية بعد الحرب العراقية-الإيرانية وبلغت ذروتها في 1991، الموجة الثالثة قدمت لسورية مع الحصار الاقتصادي الذي فرض على العراق، أما الموجة الرابعة وهي الأكبر بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، وبلغت ذروتها في عام 2006 لتصل إلى حوالي مليون ونصف إلى مليون وثمانمئة ألف. وحسب بعض التفديرات كان يلزم لسورية أكثر من عشر سنوات لبلوغ هذه الزيادة السكانية من مليون ونصف أو مليوني فرد في فترة وجيزة. وتسبب هذا الأمر بموجة غلاء غير مسبوقة طالت العقارات والإجارات بشكل رئيسي وزادت عن 200%، إلى جانب غلاء السلع الأساسية وخاصة المواد الغذائية. أما استهلاك الكهرباء فارتفع بنسبة 16%. وقدر صندوق النقد الدولي كلفة اللاجئين العراقيين على الاقتصاد السوري في ذلك الوقت بمقدار 1.3 مليار دولار (أي 3.7% من الناتج المحلي الإجمالي.
 

zilzalsyr

هذا التحدي الاقتصادي كان الأقل تكلفة بالنسبة للدولة السورية أمام مهمة أصعب واجهت فيها انتقال نتائج الحرب إلى سورية، حيث كان من الصعب السيطرة على الأعداد الكبيرة من اللاجئين والتعامل مع إمكانية ظهور بيئة حاضنة للارهاب، إضافة لتفاعل اللاجئين مع أحداث بلدهم بما تحمله من عمليات اتقسام اجتماعي، وكان واضحا أن خارطة توزع اللاجئين أثرت بوضوح على الخارطة القادمة لظهور بؤر العنف في سوريا عموما، فالاجئين وبهذه الكثافة حملوا معهم كل هموم بيئتهم باتجاه سورية، وأدى هذا الأمر لإمكانية ظهور بيئة حاضنة للارهاب وعلى الأخص أن خارطة توزع اللاجئين العراقين حملت معها تجمعات واضحة المعالم في بعض المناطق السورية، فعمليات التواصل خلقت ظرفا مناسبا لتطور المساحة القادرة على استيعاب التطرف وتطويره.
عانت الدولة السورية من بعض التحركات على مستوى الخلايا النائمة خلال العقد الأول من القرن الحالي، ولكن الأزمة التي بدأت منذ عام 2011 أوضحت أن الحدث العراقي كان له تأثير كبير على مستوى تحرك الإرهاب، وعلى صعيد تحرك تنظيم القاعدة ففي 11 تموز 2005 أُعلن عن صدام مسلح أسفر عن ضبط مجموعات "تكفيرية" تطلق على نفسها اسم "جند الشام للجهاد والتوحيد" المرتبطة بتنظيم القاعدة، تلاها الإعلان عن حوادث شبيهة، وكانت التحليلات في تلك الفترة تتحدث عن مجموعات محلية منعزلة وصغيرة ليس لها امتداد دولي، لكنظهورها على سطح الحداث لا يمكن فصله عن الحدث العراقي بالدرجة الأولى، ولاحقا عن أحداث مخيم نهر البارد الذي ارتبط بما يسمى فتح الإسلام، وفق هذه الصورة فإن الارتداد الأساسي للحدث العراقي ظهر اقتصاديا لكن الصراع الحقيقي بدأ يتبلور بشكل سريع على مستوى "نشر" الفكر الجهادي، دون أن يعني ذلك تحركا واضحا لخلايا تنظيم القاعدة التي لم يكن باستطاعتها التعامل بشكل مباشر دون حوادث اضطراب تستطيع النفاذ عبرها.
ضمن التسلسل التاريخي فإنه بعد مقتل ابو مصعب الزرقاوي عام 2006 ظهرت دولة العراق الإسلامية، ومنها انطلقت "جبهة نصرة الشام"،  واتسع نفوذها جغرافيا إلى داخل سوريا خاصة في المناطق المحاذية الى محافظة كركوك الغنية بالنفط، وكان غربي العراق بعد الغزو الأميركي حاضنة جغرافية لتنظيم القاعدة ثم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” إضافة لتنظيمات “جهادية” أخرى، وكشفت نتائج التحقيقات مع مقاتلي القاعدة في العراق، بأن هنالك معسكرات تدريب تقام للمقاتليين، خاصة عند الحدود السورية من جهة محافظة الأنبار ومن الشمال عند منطقة البو كمال. من هنا فإن التطورات التي اعقبت بداية الأزمة السورية انتقلت سربعا من التعامل مع اضطرابات إلى مواجهات تستهدف الدولة بشكل أساسي، فالمسافة التي كانت تفصل ما بين الاحتجاج والعمل المسلحة تبقى "غائمة" و "ضبابية" وذلك مع ظهور عمليات مسلحة بشكل سريع، كما أن الاستقطاب السريع باتجاه ظهور "ألوية" و "كتائب" يؤشر على تحركات سريعة باتجاه إيجاد عصبيات جهادية بالدرجة الأولى.
وكانت المواجهات من البداية هي مع مؤسسات الدولة، فالتظاهرات في درعا على سبيل المثال أحرقت القصر العدلي، ثم توالت العمليات التي تستهدف بنية الدولة ومحاولة عزل المناطق من أجل تنشيط "بيئة توحش" ينشط من خلالها الجهاديون، وذلك استنادا لما يقدمه أحد منظريهم أبو بكر ناجي في كتابه "ادارة التوحش"، فما هي المواجهة اليوم امام الدولة السورية؟
هموم الدولة
الصراع من أجل عدم التحول إلى دولة فاشلة هو عنوان ثلاث سنوات من الأزمة، فالإمساك بزمام المبادرة يبقي الهم الأساسي للدولة السورية رغم كافة الظروف التي تهدد وبشكل يومي الأمن الاجتماعي، في المقابل فإن الجانب الاقتصادي يضيء على جملة من المصاعب التي ستواجهها سورية خلال السنوات القادمة، فاستمرار المعارك يؤدي إلى زيادة المشاكل القادمة، وحسب التقديرات الرسمية السورية حتى نهاية عام 2013 فإن الحكومة رصدت 50 مليار ليرة سورية للجنة إعادة الإعمار لعام 2014، حيث بلغ عدد المهجرين داخلياً حوالى 5 ملايين شخص موزعين على 983 مركزاً  يقطنها مليون و799 ألف فرد، وخصصت الحكومة 2 مليار ليرة سورية (تمويل دولي) لتأهيل مراكز الإيواء، إضافة إلى 5 مليارات ليرة سورية لمشروع إنشاء وحدات سكنية لإيواء المهجرين.
في المقابل فإن حجم خسائر البنى حتى نهاية عام 2013 إوصل إلى ما يقارب 627,3 مليار ليرة سورية، علما أن القيمة الحقيقية للأضرار العامة المباشرة تفوق ما جرى ذكره نتيجة عدم التمكن من إجراء كشوف كاملة في محافظات حلب ودير الزور والرقة. وتشير التقديرات إلى وصول الخسائر المباشرة وغير المباشرة إلى حدود 3000 مليار ليرة سورية. في وقت تضرر القطاع الصناعي الخاص بشكل كبير وبلغت خسائرة 231 مليار ليرة، أما القطاع العام الصناعي فتوقفت 48 شركة ومعملاً، وتراجعت العملية الإنتاجية في معظم الشركات على نحو ملحوظ، ولم يجرِ توظيف الاستثمارات المرصودة في الخطط الاستثمارية وقدرت قيمة الأضرار المادية المباشرة وغير المباشرة حتى نهاية الشهر العاشر من عام 2013 بحوالى 112 مليار ليرة. وبالنسبة للقطاع الصحي فبلغ عدد المشافي المتضررة 66 مشفى، وخرج منها عن الخدمة 41 مشفى، كما خرج عن الخدمة 673 مركزاً صحياً، وجرى تدمير 412 سيارة إسعاف، كما بلغ عدد معامل الأدوية الوطنية المتضررة 28 معملاً و خرج منها عن الخدمة 21 معملاَ. وتشير التقديرات إلى أضرار القطاع الصحي تجاوزت 100 مليار ليرة حتى نهاية عام 2013.
أضرار قطاع التعليم هي الأكثر وضوحا على مستقبل سورية، فعدد المدارس المتضررة بلغ أكثر من 3000 مدرسة، وعدد المدارس التي تحولت إلى مراكز للإيواء 1000 مدرسة، واقتضت الضرورة التكيف السريع مع هذا الواقع، وبالغت نسبة التحاق الطلاب بمدارسهم بنسبة بين 70 ـــ 73 % والكلفة التقديرية لأضرار القطاع التربوي بلغت ما يزيد على مئة مليار ليرة سورية.
وسط هذه الظروف فإن الدولة السورية تحتاج إلى تعامل يومي خلال الأزمة مع الخلل في العملية الانتاجية، إضافة لاعتبار أن "إعادة الإعمار" مستقبلا وتثبيت الإنتاج هو عملية متكاملة رغم الظروف الأمنية، فخسائر الدولة وضرورة عدم تحولها إلى "دولة فاشلة" يفرض ضرورة التعامل مع زمن الأزمة والخطط المستقبلية بشكل متكامل، دون فصل بالمراحل، خصوصا أن الإخفاق الاقتصادي ينعكس في ظل الظرف الحالي على الواقع الاجتماعي ويؤثر على الأجيال القادمة التي من المفترض أن تقوم بعمليات إعادة الإعمار.
نجحت الدولة السورية في إدارة الأزمة على الصعيد الاجتماعي، وشرعيتها تستمدها اليوم من القدرة على تلبية المصالح العامة وفق إمكانياتها، لكن في المقابل فإن استمرار الأزمة بفرض أكثر من مسألة تحدي استمرار الدولة، لأنها تواجه تدميرا ممنهجا على الصعيد الاجتماعي ومحاولات إرباك على الصعيد الإداري، ويبدو التأقلم مع الأزمة هو السمة الأساسية لأداء الدولة، وفي المقابل فإن "الأزمات الجانبية" تتولد باستمرار لتفرض إيقاعا دائما ينهك الأداء الحكومي، وهو ما يدفع للبحث عن حلول ترمم الفجوات الاجتماعية والاقتصادية الناشئة وتضع أساسا للمرحلة المقبلة في عملية الإعمار أو رسم أفق سورية القادمة، فالمواجهة تعيد عمليا رسم ملامح سورية بشكل مختلف، الأمر الذي يفرض إعادة البحث في البيئة الاجتماعية والاقتصادية وهيكلة الدولة مع ما فرضته الأزمة من تغيرات بنيوية وعميقة داخل كافة القطاعات السورية.
لا تواجه سورية حالة واحدة فقط، فالاحتمالات المستفبلية تفترض رسم رؤية تأخذ بعين الاعتبار حالة التعقد في الأزمة، وإمكانية بقاء عدم التوازن لفترة أطول مما هو متوقع، اضافة لاحتمال انهيار منظومة الشرق الأوسط التي تشهد اليوم تحولات عميقة، فالدولة بالمفهوم العام تخضع لامتحان صعب يحدد مستقبل سوريا والمنطقة عموما.

تقارير ذات صلة