معهد ليفانت للدراسات

روسيا وتركيّا .. صراع النفوذ في سورية

روسيا وتركيّا .. صراع النفوذ في سورية
يناير 31
00:09 2016

عشرون عاماً من العلاقات التركية الروسية الجيدة، ربما نسفتها أقل من 17 ثانية، وهي مدة انتهاك طائرة "سو 24" الروسية المجال الجوي التركي، بحسب التبرير التركي لإسقاط المقاتلة والتي كانت تنفذ طلعات جويّة لضرب مقاتلي المعارضة السورية في جبال اللاذقية.

 

دخول روسيا ساحة الحرب السورية بشكل مباشر، خلط الأوراق، وأربك خطط الخصوم، وتعتبر تركيا المتضرر الأكثر من الخطوة الروسية، التي أعاقت إنشاء منطقة عازلة في الشمال السوري، سعى لها الأتراك كثيراً خلال سنوات الأزمة ، وهو ما دفع روسيا لاعتبار إسقاط طائرتها الحربية "استفزازاً مدبراً"، و "طعنة في الظهر وجهها أعوان الإرهابيين".

 

الاعتقاد السائد أن النخبة الحاكمة في تركيا أرادت جرّ الروس إلى ردّ فعل انفعالي على إسقاط المقاتلة تبني عليه ما يمكن أن يفيدها في الخطوات اللاحقة من النزاع مع سورية وحلفائها، وفي أحسن الأحوال أن ترغم الحادثة موسكو على الجلوس مع أنقرة لتنسيق الطلعات الجوية وتحديد خطوط الاشتباك، فيحقق الأتراك غايتهم المنشودة بإنشاء منطقة عازلة شمال سورية، لكن بوتين رغم الغضب الذي أبداه اتجاه التصرف التركي، لم يذهب إلى السيناريو المفترض من قبل أنقرة.

 

قيام تركيا بإسقاط المقاتلة الروسية، بعد وصول البلدين إلى مراحل استراتيجية من العلاقات الاقتصادية، خاصة في مجال مشاريع الغاز الضخمة، وكذلك الطاقة النووية، وغيرهما، هو بالذات ما دفع بوتين للقول : الله ربما وحده فقط يعلم لماذا فعلوا ذلك !.

وعدا عن قطع كافة الاتصالات السياسية على المستوى الرئاسي، وإلغاء لقاءات ثنائية كانت مقررة مسبقاً، ردّاً على إسقاط المقاتلة، اتخذت موسكو مجموعة إجراءات عقابية ضد تركيا، على الصعيدين الاقتصادي والعسكري، والأخير كان الأكثر إيلاماً، ، علماً أن سلسلة الإجراءات الاقتصادية ستتسبب بخسارة أنقرة أكثر من 50 مليار دولار، حسب خبراء، بدءاً من السياحة وصولاً إلى المستوردات الزراعية، لكن العقوبات الاقتصادية لن تقف عند حد "الطماطم"، كما قال بوتين، الذي هدد الأتراك وتوعّدهم بالندم "مرة بعد مرة".

 

الإجراءات الاقتصادية الروسية لم تكن سوى بند أولي في قائمة الردّ الروسي، بنوده التالية تحمل إجراءات عسكرية، ما تم منها وما سيتم لن يسعد الأتراك.

 

بداية قامت روسيا بنشر منظومة "إس 400" في سورية، وتحدى الرئيس بوتين صراحة أنقرة أن تخترق المجال الجوي السوري، علماً أن الأتراك أدركوا سلفاً منذ إسقاط المقاتلة الروسية بأن انتهاكهم الأجواء السورية بات خطيراً ومكلفاً، واتخذوا قراراً بوقف انتهاك الأجواء السورية، فكانت الخطوة الروسية الأولى كافية لتقضي على مابقي من آمال لدى الأتراك بإنشاء المنطقة العازلة في الشمال السوري.

تحركات روسية أخرى، بدأتها على جبهات جديدة في المحيط الجيوسياسي التركي، ولذلك تحديداً زار وزير الخارجية سيرغي لافروف قبرص قبل حوالي شهرين، في ظل معلومات عن مساعي موسكو لإنشاء قاعدة عسكرية بحرية روسية في الجزيرة "اليونانية"، وأكثر من ذلك فإن المعلومات تشير إلى أن الاتفاق على إنشاء القاعدة العسكرية بات قاب قوسين أو أدنى.

 

كذلك وقبل حوالي شهر كانت وجهة وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو إلى أرمينيا، عدوة تركيا الأزلية وجارتها الشرقية، ليوقع هناك اتفاقاً لإنشاء نظام إقليمي موحد للدفاع الجوي بين البلدين في منطقة القوقاز، كذلك على كامل الامتداد الشرقي والشمالي الشرقي تعمل موسكو على إنشاء نظامين موحدين للدفاع الجوي مع كل من قرغيزستان وطاجيكستان.

 

لم تكتف موسكو بإجراءاتها الاقتصادية والعسكرية، بل توجهت لترمي بثقلها في الداخل التركي، وعليه تحرك الكرملين لتوطيد العلاقات مع الأحزاب المعارضة لحكومة حزب العدالة والتنمية، فدعى زعيم حزب الشعب الديمقراطي التركي صلاح الدين ديمرطاش لزيارة روسيا، حيث استُقبِل الزعيم الكردي بحفاوة كبيرة والتقى لافروف، ومن العاصمة الروسية وجه ديمرطاش انتقادات مباشرة للحكومة التركية على خلفية إسقاط الطائرة الروسية.

 

لاشك أن ارتدادت الفعل التركي لم تكن ضمن المتوقع لدى حكومة أنقرة، وإلا لما أقدم رجالات السلطة هناك على إسقاط مقاتلة تابعة لدولة اعتبرت في الفترة الأخيرة صديق ودود ومربح للأتراك، وربما غفلت تركيا عن حقيقة الصعود الروسي الجديد الملحوظ والملموس على المستوى الدولي، ليعود إلى ساحة المنافسة على صدارة العالم وإنهاء القطبية الأحادية الأمريكية ربما .

وعمل الروس على كبح التصرف الأحادي خارج إطار الشرعية الدولية، عبر إعادة التوازن إلى المجتمع الدولي، بقيادة بوتين، والذي يعمل منذ بداية الألفية الحالية على ترميم مادمره غورباتشوف ويلتسن، والتعامل الجريء مع التحديات والأخطار المحدقة بروسيا، بدءاً بضم القرم بعد وصول النفوذ الأمريكي إلى عقر الدار الأوكرانية وضمها إلى الحلف الغربي، وصولاً إلى اتخاذ القرار بالدخول مباشرة في إلى جانب الحكومة السورية التي يرى الروس في خسارتها تهديداً لأمنهم القومي، وقلق جدي من وصول المقاتلين المتطرفين إلى الأراضي الروسية إذا مانجحوا في سورية، خاصة أن هناك عدد لا بأس به من المواطنين يقاتلون في سورية تحت لواء تنظيمات متطرفة.     

 

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة