معهد ليفانت للدراسات

روسيا والأكراد.. الضرورات تبيح المحظورات

روسيا والأكراد.. الضرورات تبيح المحظورات
يونيو 23
19:20 2017

ترجع العلاقات بين روسيا و الأكراد إلى عام 1921، عندما اعترف الاتحاد السوفيتي السابق بجنسية الشعب الكردي، وفي عام 1923 تم إنشاء إقليم كردي في أذربيجان على الحدود الأرمينية، وأصبح الأكراد السوفييت هم أساس "الحركات الوطنية" الكردية، سواءً في سورية خلال الانتداب الفرنسي، أو في العراق إبان الاستعمار البريطاني، ، وكذلك للأكراد في تركيا وايران.
 

كانت حركات "التحرر الوطني الكردية" المفتاح الرئيسي للعلاقات الروسية – الكردية، وأداة لممارسة النفوذ السوفيتي في المنطقة، فبعد الحرب العالمية الثانية، شجعت روسيا عام 1946 الإعلان عن تأسيس جمهورية كردية تتمتع بالحكم الذاتي في مدينة "مهاباد" الإيرانية، ثم بعد هزيمة المقاتلين الأكراد بزعامة "مصطفى برزاني"، والد الزعيم الحالي "مسعود برزاني"، أمام الجيش الإيراني، حصلوا على حق اللجوء السياسي داخل الاتحاد السوفيتي لمدة 12 عاماً، وهو ما سمح لهم بالمشاركة في الحياة السياسية الروسية حتى غادروا الأراضي الروسية في عام 1958، ثم حاربوا لتأسيس دولة كردية داخل العراق، وتمكنت روسيا من التوصل لاتفاق بين الأكراد والعراق في عام 1970 يسمح بالحكم الذاتي لأكراد العراق والاعتراف بهويتهم العرقية.
 

بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، أعادت موسكو إحياء العلاقات الروسية مع الأكراد خلال تسعينيات القرن الماضي، لهدفين، أولهما حاجة الكرملين للضغط على تركيا والتخلص من نفوذها في القوقاز، حيث استغلت تركيا حرب الشيشان وانهيار الاتحاد السوفيتي وأخذت تستخدم ورقة الهوية العرقية والدينية الإسلامية هناك معتمدة على انتعاشها الاقتصادي، وثانيهما كوسيلة لوقف النوايا التركية الساعية إلى قطع الطريق على صادرات الوقود الروسية التي تنتقل من خلال مضيقي البسفور والدردنيل التركيين.
 

ثم جاء الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003 بداية فصل جديد من العلاقات الروسية – الكردية، حيث كانت موسكو من أوائل الدول التي قامت بفتح قنصلية عامة في أربيل، وذلك على الرغم من عدم استغلال روسيا لعلاقاتها بشكل أمثل مع الأكراد العراقيين خلال الألفية الجديدة حتى لا تثير الغضب التركي، وألا تظهر كداعمة للحركة الانفصالية الكردية.
 

اليوم، تنظر روسيا إلى الأكراد على اعتبار أنهم يمثلون القوى العلمانية والسنية "المعتدلة" التي لا غنى عنها في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وبناءً عليه، فقد تم مناقشة قضايا الحرب ضد الإرهاب وضد هذا التنظيم المتطرف خلال اجتماعات المسؤولين الروس مع نظرائهم الأكراد، إلا أنه ورغم اهتمام روسيا بتلك القضايا، فإن موسكو لم تقدم دعماً عسكرياً للأكراد مثل باقي الدول الكبرى، وإنما اكتفت بالدعم الاستخباراتي والإنساني، وذلك مرده تخوف روسيا من النزعة الانفصالية الموجودة لدى الأكراد، ورغبتها في الحفاظ على وحدة الأراضي السورية والعراقية، وتجنب إثارة غضب الشركاء الأتراك والإيرانيين.
 

لم تعارض روسيا إقامة منطقة حكم ذاتي لأكراد سورية في شمال شرق البلاد في إطار "جمهورية فيدرالية" اقترحتها موسكو بعد دخولها المباشر لتسوية الأزمة السورية، وأعلن سيرغي ريابكوف نائب وزير خارجية روسيا في حينها أن بلاده تأمل في التوصل إلى آلية للعمل بهذه الفكرة من خلال المفاوضات، وعلى مدار الفترة الماضية أبدت موسكو حرصاً على فتح قنوات تواصل مع الجانب الكردي السوري، وأشادت بدور وحدات حماية الشعب الكردية، الجناح العسكري للاتحاد الديمقراطي، في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية، كما دعمت موسكو مشاركة حزب الإتحاد الديمقراطي  في محادثات جنيف، حيث صرّح وزير الخارجية الروسي "سيرغي لافروف" بأنه من المستحيل التوصل إلى توسية في سوريا دون دعوة الأكراد للمشاركة في عملية التفاوض
 

النقطة المهمة أن الموقف الروسي لا يتناقض من حيث المبدأ مع موقف الحكومة السورية التي ترتبط بعلاقات جيدة الأكراد، رغم الغموض في تفاصيل علاقة الطرفين ببعضهما، وقد سمحت الحكومة لهم بإدارة مناطقهم في إطار نظام أقرب ما يكون إلى الحكم الذاتي عندما سحبت قواتها من تلك المناطق، كما سُجّل تعاون عسكري بين الجانبين في مراحل عديدة من عمر الأزمة السورية.
 

وبغض النظر عن عدم رضا تركيا، تستمر روسيا في تكثيف اتصالاتها العسكرية مع ممثلي الأكراد في سورية، وقد تحدثت وسائل الإعلام نقلاً عن ممثل وحدات حماية الشعب، ريدور خليل، بأن وحدات عسكرية روسية تتمركز في كانتون عفرين الغربي لكردستان، وسبق أن أعلن عن تمركز وحدات روسية بالقرب من بلدة جب الأحمر في ضواحي مدينة منبج.
 

وتسعى روسيا لتطوير علاقات متوازنة مع كلِ من الأكراد والدول التي يتواجدون فيها، وقد أتاحت الأزمة السورية والمساهمة في الحرب ضد "داعش" للأكراد السوريين فرصة جديدة لزيادة نفوذهم السياسي، وقد شجع نموذج الحكم الذاتي الكردي العراقي أكراد سورية للمطالبة بالحصول على حق تقرير المصير بصفة مؤقتة في منطقة سموّها "روجافا"، شمال سورية، التي تم إعلانها في عام 2013 إلى أن تحل الأزمة السورية، وقد مكَّن هذا الموقف الحذر حزب الاتحاد الديمقراطي السوري، أهم الأحزاب الكردية، من الاستفادة من الدعم الدبلوماسي الروسي.
 

لقد نجحت موسكو في إعادة تأسيس وتنويع علاقاتها مع الأكراد، دون المساس بعلاقاتها مع كل من تركيا والعراق وسورية وإيران، وحتى اللحظة وبرغم بعض الخلافات التفصيلية مع الأكراد السوريين التي تظهر في الشأن الميداني إلا أن التواصل والتعاون قائم بين الطرفين، وتقوم روسيا باستثمار هذه العلاقة بشكل جيد في سعيها لإنهاء ملف الأزمة السورية، وهي تدرك جيداً فيما يتعلق بموضوع الفيدرالية أن الشارع السوري هو من سيقرر في النهاية عبر استفتاء مصير الفيدرالية التي ستسهل وجود منطقة حكم ذاتي للأكراد فيما لو حصلت،

وبالتالي فهي تظهر في السياسة أنها تأخذ بعين الاعتبار مطالب جميع المكونات السورية، لكنها لم تلزم نفسها بتلبية مطالب أيٍ من الأطراف على حساب الآخرين، مايجعلها الطرف الخارجي الأكثر موثوقية لدى معظم أطراف النزاع، ومنهم الأكراد، الذين رغم الدعم الأمريكي المباشر لهم على الأرض لم يقطعوا صلاتهم بالروس لإدراكهم بأن العلاقة مع موسكو حاجة ضرورية لتحقيق تطلعاتهم في سورية. 

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة