معهد ليفانت للدراسات

ديموغرافيا سورية الجديدة .. مدن بلا سكان وسوريون بلا هويات

ديسمبر 21
20:19 2014

تشير الساعة السكانية على الموقع الرسمي للمكتب المركزي للإحصاء السوري اليوم 22 كانون الأول من العام 2014 إلى أنّ عدد سكان سورية في هذه اللحظة هو 22973537 نسمة، يبدو أنّ الساعة بحاجة إلى تأخير وضبط عقاربها على مؤشرات الصراع السوري وأرقامه المتنامية في عدد الضحايا والمفقودين الذي يزداد يوماً بعد يوم ويكبر مع استمرار يوميات الصراع "الطاحن" في هذا البلد.

كانت سورية من أكثر البلدان نمواً في العالم، حيث سجل معدل نمو السكان 2.4% لكنها كانت تعاني من مشكلة حقيقية هي عدم مواكبة النمو الاقتصادي لنظيره السكاني، فدأب القائمون على إعداد الخطط الخمسية للمساهمة في تحقيق التوازن والتوأمة بين معادلة النمو السكاني والاقتصادي لجعلهما يسيران على سكة واحدة، وكنا وقتها في 2010 أمام معادلة "مضاعفة النمو أربعة أضعاف لسد احتياجات النمو الاقتصادي".

اليوم وبعد انقضاء 4 أعوام من عمر الحرب يطالعنا تقرير لمركز بحثي في دمشق بأن سورية تراجعت بسبب الأحداث 35 عاماً إلى الوراء في مؤشر التنمية البشرية وأنّ التراجع تركز بشكل رئيسي على ثلاثة نواح هي: الدخل والتعليم والصحة، فأصبح 90% من السوريين فقراء بحلول 2015، وحوالي 3.6 مليون سوري دخلوا دائرة الفقر الشديد.

وعلى صعيد الخسائر الاقتصادية، ونحن هنا لسنا بصدد مناقشتها ونتركها لمقام آخر، وإن كانت قد بلغت رسمياً وفق دراسات أممية للإسكوا نحو 237 مليار دولار أميركي، بينها 17 مليار من الناتج المحلي الذي بلغ 60 ملياراً قبل بداية الأزمة في 2010.

دمار المدن والإنسان

تتنوع مساكن السوريين في المحافظات الـ14 بين (مسكن معتاد، مرتجل، خيمة، مؤسسات، فنادق، مخيمات) وتتراوح بين محافظة وأخرى من حيث العدد والنوع، ولقد أتت الحرب عليها وأصابها جزء كبير من الدمار فمنها ما دمر كلياً ومنها ما تضرر بشكل جزئي، إذ يوجد في دمشق 371 ألف مسكن وفي حلب 781 مسكن، وريف دمشق 527 ألف، وحمص 314 ألف، ودرعا 139 الف، الرقة 127 الف، طرطوس 190 ألف، ويبلغ عدد المساكن في سورية نحو 3.6 مليون مسكن تؤوي 20 مليون سوري.

ووفق الاحصائيات، فإنه يوجد في سورية 177 مخيم موزع بين دمشق 12 مخيم، وحلب 6 مخيمات، وحمص 23 مخيم، وطرطوس 75 مخيم.

وبسبب الحرب وأعمال العنف والمعارك على امتداد الأرض السورية بلغ عدد المنازل المدمرة في سورية 535 ألف منزل بمعدل 1200 منزل يومياً وفقاً لخبير عقاري مقيم في دمشق، وطال الدمار وحدات سكنية واقعة في مناطق السكن العشوائي، وعددا كبيرا من المساكن الكبيرة والفارهة، فهناك بحدود 2000 إلى 3000 فيلا تم تدميرها بشكل كامل .

السوريون جرح لا زال ينزف

تراجع عدد سكان سورية بسبب العنف وتضاعف عدد الضحايا وخاصة من فئة الشباب لانخراطهم في أعمال القتال أو بسبب مغادرتهم البلاد والسفر لأوروبا وطلب اللجوء في بلدان العالم، وتجاوز عدد ضحايا الصراع وفق تقديرات الأمم المتحدة حدود 200 ألف شخص بين مدني وعسكري، ما يعني أن المجتمع السوري الذي عرف سابقاً بـ"الفتي" هو الآن "عجوز" أو يكاد ما لم تتوقف طاحونة المعارك ويتوقف معها إزهاق الأرواح. عدا عن المهجرين داخل وخارج سورية والذين يقدر عددهم بـ4 ملايين في دول الجوار و6 ملايين نازح في الداخل.. وقد رافق هذه العدد الكبير وموجات "النزوح الجماعي" تراجعاً في مؤشرات الرعاية الصحية والتعليم والنمو السكاني، فالتوقعات تشير إلى ارتفاع معدل الأميّة إلى 20% ونسبة تسرّب الطلاب من مدارسهم إلى 30% لغاية نهاية 2013.

ويمكن القول أنه لارتفاع معدل الوفيات بين السوريين اسباب مباشرة وأخرى غير مباشرة، فهم اليوم يموتون إما بسبب الأعمال العسكرية وكنتيجة لهذا الصراع المستمر منذ سنوات أربعة، أو بسبب تدني مستوى الرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية في الداخل وفي مخيمات اللجوء في دول الجوار وخاصة بين الأطفال والرضع حديثي الولادة حيث نسبة الوفيات بين هذه الفئة أكبر من الفئات الأخرى. وتربط الدراسات بين الحرب مباشرة وتزايد عدد الوفيات خلال العام الماضي، وتشير دراسة حديثة إلى أن الأزمة سجلت ارتفاعاً في معدل الوفيات من ٣.٦ إلى حوالى ٧ بالألف، وفي معدل وفيات الرضع من ١٨.٤ إلى ٢٣ بالألف، وفي وفيات الأطفال دون الخمس سنوات من ٢١.٨ إلى ٢٥ بالألف، وفي وفيات الأمهات من ٥٦ إلى ٦٥ لكل مئة ألف ولادة، وهذا ما جعل معدلات نمو السكان سالبة بعدما كانت موجبة بحدود 2.4%.

ديموغرافية الحرب السورية

لقد ساهم النزوح الكبير لنحو نصف السكان بين الداخل والخارج إلى خلخلة كبيرة في البنية الديموغرافية للسكان في سورية.. أضحت مدن كاملة بلا سكان إنها "ديموغرافية الحرب"، عدد كبير من المدن التي كان يقطنها الآلاف ومنها داريا وحرستا بريف دمشق وأحياء بحالها في حمص القديمة وأحياء شرق حلب وغيرها من المناطق التي شهدت معارك ضارية أتت على البنية التحتية بالكامل، هذه نقاط اشتباك وخطوط تماس، تغيرت معالمها وفرّ الأهالي بحثاً عن الأمان، إذا أصبحت تركيبة السكان مغايرة لما كان عليه الحال قبل 2011.

ولقد أدى ارتفاع معدل الوفيات بسبب الحرب وتشرد الملايين لزيادة مأساة السوريين وعمّق جراح سورية ديموغرافياً، ربما لا يلحظ السوريون ذلك بشكل آني بسبب الانشغال بمتابعة المعارك وتأمين متطلبات الحياة اليومية، سيظهر ذلك خلال السنوات القادمة لا محالة، اذا يعلق مدير المكتب المركزي للإحصاء السابق توفيق عربش حول الوضع السكاني الحالي للسوريين بأن "بعد عقد أو عقدين من الزمن سيصبح هناك تغير جوهري في معالم الهرم السكاني".

مجتمع جديد قوامه العجزة

كانت سورية وهي من بين الدول العربية القلائل التي تنعم بنمو سكاني متوازن ويقدر بـ2.4% على أساس سنوي، وكان النمو بخطوط متوازية في الأرياف والمدن، لكن وبسبب الصراع أصبح هذه النمو سلبي كما ذكرنا، وكان معدل الولادات 700 ألف مولود سنوياً، تراجعت لـ350 ألفاً مع نهاية 2012.

في الحقيقة لا يمكن للولادات التي تحدث حالياً في المخيمات السورية في دول الجوار أو في بلدان اللجوء أن تغطي على تراجع عدد الولادات لإحداث تغيير حقيقي في نسبة الولادات وزحزحتها للأمام على أساس إيجابي فهناك صعوبات في تسجيل هذه الولادات لعدم امتلاك ذويهم لأوراق ثبوتية ولعدم وجود سلطات سورية مختصة بسبب إغلاق السفارات، ما يضعنا أمام جيل سوري جديد "ضائع" ولد في الشتات لا هوية له.
إذاً نحن أمام مشكلتين كبيرتين لجهة ديموغرافية السكان السوريين بسبب الحرب، تتمثل الأولى ارتفاع نسبة الوفيات عموماً لاستمرار الصراع وخاصة من الشباب عماد المجتمع وبنيته القوية، والثانية ولادة جيل ضائع من السوريين ولد في ملاجئ وخيام دول الجوار وهو خارج القيود الرسمية السورية بانتظار ما ستؤول إليه سيناريوهات نهاية الأزمة السورية.


 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات – راجع شروط الاستخدام

تقارير ذات صلة