معهد ليفانت للدراسات

ديمستورا .. جولة تقدير

ديمستورا .. جولة تقدير
فبراير 18
10:17 2015

عاد ستيفان دي ميستورا، المبعوث الأممي لسورية، ليزور العاصمة دمشق دون أن ترافقه حملة "العلاقات العامة" من لقاءات مع المعارضة، أو تصريحات توحي بأن خطته لـ"تجميد القتال" يمكن أن ترى النور قريباً ، فزيارته الأخيرة ربما ترتبط بتقريره الذي سيرفعه لمجلس الأمن؛ أكثر من كونها محاولات للسير نحو تسوية الأزمة السورية، فالمبعوث الأممي ظهر منذ بداية العام على هامش الحركة الديبلوماسية، ولكنه في نفس الوقت مازال يقدم ملامح لفرص دولية وسط تصعيد عسكري على مختلف الجبهات السورية.

صورة أولية

الخلاف الأساسي الذي ظهر منذ إطلاق خطة ديمستورا لتجميد القتال ظهر في نقطتين: الأولى متعلقة بنوعية التجميد، فالمبعوث الأممي كان يحمل وقف القتال وتحييد المدنيين في المدينة، وبالتالي الرهان على عودة الحياة الطبيعية بشكل تدريجي دون التطرق لـ"السيادة" في مناطق التجميد، وهو ما دفع الحكومة والمسلحين إلى التفكير بمستقبل هذه المناطق بعيداً عن أي ترتيبات سياسية، فدمشق تريد عودة سلطة الدولة، بينما لا يرى مسلحون الأمر سوى تكريس الإدارة داخلية لمناطق تواجدهم، وإبقاء للتواجد المسلح مع سلطة مدنية يمارسونها بأنفسهم، والثانية هي توسيع التجميد ليشمل ريف حلب المشتعل منذ أربع سنوات تقريباً، وبالتالي تثبيت أمر واقع على المنافذ الحدودية مع تركيا وهو ما ترفضه الحكومة السورية.

إلا أن ديمستورا فاجئ الجميع بعد مغادرته سورية ليعلن أن الرئيس السوري جزء من الحل، فسارعت الولايات المتحدة وفرنسا لتكرار رفض شرعية الرئيس السوري، وفي المقابل استعجل الائتلاف السوري المعارض من اسطنبول لطرح خريطة طريق تستبعد السلطة السياسية السورية الحالية، ويقدم سير الحدث السياسي منذ قدوم ديمستورا ثلاث مسائل سياسية:

  • الأولى هي تصريحاته التي أثارت جدلاً في واشنطن وباريس، رغم أنها لا تتعارض مع مهمته وتبدو طبيعية في ظل عملية تفاوض تسعى إليها المجموعات الدولية، فديمستورا ليس معنيا بالمواقف سياسية بل بفض النزاع وفق الآليات الدولية المعتمدة، وهذا يعني أن الطرف الرسمي السوري هو جزء من الحل، فتصريحاته كانت "تقنية" وليست "سياسية"، وهي تنقل طبيعة عمليات التفاوض التي يقوم بها وشكل الحلول التي من شأنها إنهاء "الصراع" وفق مصطلح الأمم المتحدة.
  • الثاني ظهور الائتلاف من جديد على مسرح الحدث فهو لم يكتفي بانتقاد ديمستورا، بل سارع لإبراز "خطة" تحمل معها رحيل السلطة الحالية، وبغض النظر عن واقعية ما قدمه الائتلاف فإن خطوته الحالية هي محاولة لإنعاش موقعه السياسي، وفرض مسار مسبق على كافة التحركات القادمة، فظهور خارطة طريق، حسب الائتلاف، هي تطويق لأي جهد سياسي ظهر في القاهرة أو موسكو أو في دمشق من خلال مهمة ديمستورا الأخيرة.
  • الثالث طبيعة الأجندة الدولية بخصوص الأزمة السورية، فالاهتمام الدولي تقلص نتيجة الحدث الأوكراني واليمني، ورغم الاهتمام الإقليمي بنوعية العمليات العسكرية في الجنوب والجنوب الغربي لسورية، إلا أن هذا الأمر لم ينقل أصوات المعارك باتجاه المحافل السياسية الدولية أو إلى الإعلام العالمي كي يرسم حملة تجاه ما يجري.

مهمة ديمستورا المرحلية ماتزال مستمرة، والصخب الذي أثير حولها ربما لا يعني الكثير أمام استراتيجيات جديدة تتبلور منذ بروز قضية الطيار الأردني، وتصاعد دور عمّان في الحدث الإقليمي، ولكن إلى أي درجة تستطيع الترتيبات الإقليمية إعادة رسم المشهد؟

عمان وبيروت والقاهرة

بعد التصعيد الأردني الأخير ضد داعش ظهرت تصريحات "سعد الحريري" خلال خطابه في بيروت، ففي ذكرى استشهاد والده أطلق مجموعة من المواقف هي في مجملها تعبر عن مواقف إقليمية، فلا يبدو بالنسبة لدول الخليج أن الأزمة السورية وفق خطوطها الحالية ستسمح بترتيبات تزيح الدور الإيراني، بل ربما على العكس هناك احتمالات متزايدة لتطور هذا الدور على الأخص مع تطور المعارك العسكرية باتجاه الجولان وحوران.

ودخلت القاهرة على خط الصراع بعمليات عسكرية ضد "داعش" في ليبيا، وهو ما يؤشر إلى أن خارطة الإرهاب هي من سيقرر شكل شرقي متوسط، وهو ما تريده الولايات المتحدة مرتكزا لإعادة تشكيل خرائط المنطقة، وليس بالضرورة الحدود السياسية بل دور الدول والتوازنات التي يمكن أن تترتب عليها، فالواضح أن هناك تصعيد في موضوع الإرهاب ولكن ضمن اتجاه خلق تحالف مختلف عما هو قائم حالياً، فواشنطن تريد أمرين أساسيين؛ فمن جهة تسعى لعزل حلول الأزمة السورية عن موضوع الإرهاب وبالتالي تكليف محاربته لحلفائها بدلا من الاعتماد على الجيش السوري، ومن جانب آخر إحراج تركيا التي ستجد نفسها أمام حرب إقليمية من نوع خاص.

في التصورات الأمريكية اليوم محاولة لإعادة تشكيل المشهد على قاعدة الإرهاب، ولكن على عكس ما تطرحه دول مثل روسيا أو إيران، فهي تريد حلفاً يحارب الإرهاب دون أن يحقق لدمشق رغبتها في جعل هذا الأمر أولوية بحل مشاكلها، بل على العكس سيزيد من عمق التدخل في شؤونها وسيرتب تعقيدات على الدول الحليفة لها مثل روسيا وإيران، ودخول مصر في هذا الحلف أصبح أمراً واقعاً مع غاراتها الأخير في ليبيا، فالارهاب تحول من خطر يداهم الجميع، إلى خط يمكن استخدامه لتشكيل بلاد الشام والشرق الأوسط بشكل عام.

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات – راجع شروط الاستخدام

تقارير ذات صلة