معهد ليفانت للدراسات

دولة فلسطين.. والشرعية الأوروبية

دولة فلسطين.. والشرعية الأوروبية
نوفمبر 29
08:12 2014

بدأت موجة الاعتراف بالدولة الفلسطينية من قبل الاتحاد الأوروبي بتشكيل ظاهرة مختلفة، فالمسألة لا تشكل ضغطاً فقط على "إسرائيل"، ولكنها تقدم رؤية للتفكير مجدداً بطبيعة حل الدولتين، ومن هذه الزاوية يمكننا قراءة ما كتبه "لوران فايبوس"، وزير الخارجية الفرنسي، على حسابه على "تويتر" بأن الدولة الفلسطينية "حق وليس امتياز"، وبالتأكيد فإن "ظاهرة" الاعتراف تشكل سابقة في مسار المسألة الفلسطينية، لأنها تبدو محاولة للتحول نحو آليات مباشر في فرض شرعية "الدولة الفلسطينية"، وذلك بغض النظر عن الممكنات التي تملكها هذه الدولة من أجل البقاء، فهل "حل الدولتين" أصبح أمراً واقعاً ؟

مقترحات الفرز

تتحرك الدبلوماسية "الإسرائيلية" نحو تطويل "الاعتراف الأوروبي"، ورغم أنه لم يأخذ بعد طابعاً رسمياً، لكن "تل أبيب" تعتبر أن مثل هذا التحرك ربما يسبق حراكها، أو يفرض على سياستها الداخلية توازنات مختلفة، فالاهتمام "الإسرائيلي" يخرج من اهتمامات الأحزاب وليس وفق "استراتيجية رافضة" لعملية التسوية ككل، فتحركها يتعامل مع أربع معطيات أساسية:

  • اختبار الموقف الأمريكي بالدرجة الأولى، فالتوتر بالعلاقات مع واشنطن هو الأساس، وسيرسم مجمل التحرك "الإسرائيلي" تجاه الدبلوماسية الأوروبية في مسألة الاعتراف، وهناك توافق واضح مع إدارة أوباما في هذا الخصوص، فالتنسيق لمنع انعقاد مؤتمر في جنيف للدول الموقعة على اتفاقية جنيف الرابعة؛ يؤشر على أن واشنطن ماتزال تحفظ الخطوط الإستراتيجية الأساسية مع "إسرائيل".
  • درجة التشابك مع السلطة الفلسطينية والقوى السياسية والعسكرية في الضفة الغربية تحديدا، فزيادة معدلات العنف والتوتر في العلاقة مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس تدخل بشكل حاسم في أي تعامل "إسرائيلي" مع السياسة الأوروبية تجاه الفلسطينيين، ورغم محاولات "شيطنة" الرئيس عباس من قبل "إسرائيل"، لكن الخيارات البديلة ليست متوفرة، ومعظم الحملات ضد رئيس السلطة هي ضغط فقط، لأن السياسة "الإسرائيلية" تعرف أنه الشريك الأفضل، وفي المقابل فإن الأوروبيين يدركون أن مهندس اتفاقية أوسلو (محمود عباس) لن يبدل من خياراته السياسية بشأن التسوية.
  • العامل الثالث هو التوازن السياسي الداخلي، فأي تحول أوروبي حاد لن يؤدي للإطاحة بـ"الحكومة الإسرائيلية" الحالية بل سيبدل أيضاً من تأثير أحزاب اليمين في السياسة العامة لها، وهذا ما يفسر على سبيل المثال ما نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" عن خطة سلام أعدها وزير الخارجية الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، وتتضمن استعداد حزبه "إسرائيل بيتنا" للتنازل عن بعض المناطق في إطار خطة سلام شاملة، وتعتمد على تبادل الأرض والسكان، والخطة مؤشر لاستعداد أحزاب اليمين المتطرف للقيام بسياسات ستبدل من الديموغرافية في "إسرائيل" والأراض الفلسطينية.
  • مسألة يهودية الدولة أو ما أُطلق عليه داخل الكنيست بقانون "الهوية القومية"، وسيؤدي إلى تحول في صورة "إسرائيل"، وهو قانون يسابق أي حل للدولتين أو اعتراف بدولة فلسطين، وذلك عبر تحديد نوعية الشرعية الممنوحة للدولة  لتكون دولة بهوية دينية.

وتحرك العوامل السابقة صراعاً غير مسبوق داخل وعلى مستويين: الأول بين المستوطنين الإسرائيليين والفلسطينيين، وهو ما أدى إلى ارتفاع العنف الموجه ضد الفلسطينيين تحديداً، وذلك ضمن محاولة إحراج السلطة الفلسطينية أمام مواطنيها كي تتخلى علنا عن المسار السياسي، أما المستوى الثاني فهو صراع خارجي مع أجنحة السياسة الخارجية الأمريكية، فالخلافات مع الإدارة الأمريكية لا تعكس سوى صراعاً يدخل في عمق السياسة الداخلية الأمريكية؛ محاولاً التأثير على الأجنحة السياسية داخل الكونغرس.

التصورات الأوروبية

حل الدولتين ليس جديداً لكن الأوربيين يسعون إليه بجدية مختلفة تتبع من تصور للشرق الأوسط عموماً، فالولايات المتحدة سعت لتغيير الشرق الأوسط عبر بوابات محيطة بفلسطين (العراق، سوريا ولبنان)، ولكنها تجنبت الدخول عبر "المعبر الإسرائيلي"، كما أنها حاولت عدم المساس بالمعادلة الأردنية نظراً لحساسية الجبهة الأردنية – الفلسطينية، أما أوروبا فإنها تحاول أن ترسم نموذجاً لصياغة الدولة الفلسطينية يشكل اتجاهاً لأي تحولات على مستوى المنطقة، ورغم عدم قدرتها في التأثير على معادلات القوة داخل شرقي المتوسط، لكنها في المقابل تحاول التعامل مع انهيار العوامل الإستراتيجية في المنطقة بإعادة تقديم رسم سياسي ابتداءاً من فلسطين.

ومن الملاحظ أن التجربة الأوروبية منذ اتفاقية أوسلو عام 1993 كانت مقتصرة على "إعانات التنمية"؛ الأمر الذي اكسبها قوة داخل المجتمع الفلسطيني من خلال دعمها المباشر لمنظمات المجتمع المدني، وهي تعتبر أن هذه التجربة ستوفر لها تأثرا قوياً فيما لو ظهرت الدولة الفلسطينية، وفي المقابل فإن الدول الأوروبية لا تخضع لتأثيرات من "اللوبي اليهودي" يماثل ما تتعرض له الولايات المتحدة، لكن التصور الأوروبي لا يدخل في التفاصيل التي ستجعل هذه الدولة مقدمة لتحولات كبرى في الشرق الأوسط، فتفاصيل التسوية تبدو الأكثر تعقيداً مع عدم القدرة على تبديل عناصر القوة داخل "إسرائيل"، وهذا الموضوع يظهر ضمن إطارين: الأول أن حل الدولتين سيفرض قواعد أمن مختلفة داخل إسرائيل، لأنها ستكون دولة تحوي تعدداً في مواجهة دولة ستكون "عربية" و بثقافة إسلامية، وهذا التناقض سيخلق أزمة لما يسمى "عرب إسرائيل" لأنهم سيملكون هوية ثقافية على الأقل لدولة جديدة لكنهم موجودون على جغرافية الدولة الأخرى، وهذا الأمر ظهر في خطة "ليبرمان" التي اقترحت ترحيل الفلسطينيين الذي لا ينسجمون مع "إسرائيل".

الإطار الثاني ينتقل إلى الدولة الفلسطينية الوليدة التي ستجد نفسها وفق جغرافية ضيقة، وهو ما يفرض شكلاً للدولة يخضع للتوافق الإقليمي أكثر من كونه دولة بسيادة، فهو يقارب النموذج اللبناني، فالأمر لا يرتبط بالمرونة بل بهشاشة البنية السياسة التي يمكن أن تظهر، فهي دولة بحدود ذات طابع دولي، وذل مع وجود كثيف لمراقبين على حدودها العربية إضافة للرقابة "الإسرائيلية" التي تعتبر شرط تل أبيب للتسوية.

وإذا كان السعي الأوروبي للاعتراف بالدولة الفلسطينية عاملاً مستجداً اليوم، فإنه في نفس الوقت مرتبط بعوامل الاضطراب الإقليمية، وذلك مع انحسار الدور السوري، وانخراط حزب الله بالمعركة السورية، إضافة لتحييد حماس وإدخالها ضمن محور آخر، فهل يمكن لهذا الاعتراف الأوروبي فتح ثغرة ؟ من الصعب تخيل حل الدولتين كنتيجة مباشرة للتحرك الأوروبي، لكن الصورة اليوم تبدو أكثر وضوحاً من حيث طبيعة الاستقطاب الدولي والإقليمي، ولاختلاف الرؤيا حول اعادة الزخم لعملية التسوية، إلا أنه أنتج أيضاً انفتاحاً أوروبياً مختلفاً وهو ما يفترض تبدلاً حتى في طريقة إدارة الملف الفلسطيني داخل السلطة نفسها، ومن المؤكد أن العنف ضد الفلسطينيين لن يتوقف، واحتمالات انتفاضة جديدة مستبعد أيضاً، والمعادلة اليوم مختلفة أمام "الحكومة الإسرائيلية" و السلطة الفلسطينية في آن معاً، وهو ما يجعل المفاجآت محتملة وسيدفع أيضاً بمزيد من القوى السياسية على المستوى "الإسرائيلي" والفلسطيني إلى ساحة الصراع لبلورة حلول ربما تكون خارج التسوية المرتقبة.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات – راجع شروط الاستخدام

تقارير ذات صلة