معهد ليفانت للدراسات

دمشق وواشنطن… مستنقع الأزمات

ديسمبر 19
18:33 2014

منذ عام 1974 بدأت ملامح العلاقة السورية – الأمريكية بالتشكل من جديد، حيث زار الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون العاصمة دمشق، وظهرت بوادر انفراج سرعان ما تبددت بعد أقل من عامين، لكن النقطة الأساسية التي ارتسمت بعد زيارة الرئيس نيكسون هي الاعتراف الأمريكي "الضمني" بالدور الإقليمي السوري، وهو اعتراف بقي مجال صراع حتى رحيل الرئيس حافظ الأسد، فالولايات المتحدة رغم الخلافات العميقة مع سورية إلا أنها بقيت وعلى امتداد ثلاث عقود تحاول الحفاظ على الحد الأدنى من التواصل، فالرئيس الأسبق بيل كلينتون زار دمشق أيضاً، وهناك لقاءات تمت في جنيف بين الرئيس الراحل حافظ الأسد وكل من الرئيسين السابقين جيمي كارتر وبيل كلينتون، ويعكس توتر العلاقات الحالية حالة استراتيجية مختلفة، فالإدارة الأمريكية تملك اليوم صورة مختلفة للشرق الأوسط وهو ما استدعى تبدلاً عنيفاً على مستوى التعامل مع معطيات المنطقة عموماً.

ثلاث معطيات جديدة

منذ عام 2000 تحولت نظرة الولايات المتحدة للشرق الأوسط عموماً، وهي لم تعد تبحث عن منظومة سلام بين العرب و "إسرائيل"، إنما شرعت ببناء أحزمة "جيوستراتيجية"  قديمة من أجل "محاربة الأرهاب"، فلم تعد المسألة مسألة حروب كلاسيكية تهدد مصالحها، بل نمط "لا تماثلي" في المواجهة تحدث عنه الرئيس جورج دبليو بوش بعد ساعات من أحداث 11 أيلول 2001.

عملياً فإن المعطيات التي حولت نمط التفكير بالشرق الأوسط يمكن تلخيطها بثلاث نقاط:

  • مفهوم الصراعات لما بعد الحرب الباردة، وهو أمر أصبح نافذاً منذ أحداث 11 أيلول، حيث لم تعد هناك جبهات مواجهة واضحة، ولا دول حليفة أو عدوة، بل انصب التفكير الأمريكي نحو نظام يلغي مفهوم "سيادة الدول" كما أقرتها اتفاقية ويستفيليا(1684)، من أجل المواجهة "اللاتماثلية" مع الإرهاب، فالتدخل هنا يحتاج لسيادة مرنة يمكن اختراقها.
  • تشكل واقع جيوستراتيجي جديد وغير مسبوق منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ظهر عبر إنهاء النظم السياسية بالتدخل المباشر، وهذا الأمر حدث في أفغانستان والعراق، ولكنه في الأخيرة كان خارج التوافق الدولي في مجلس الأمن.
  • انهيار المفهوم المطلق لمصطلح "النظام الدولي"، فهناك انسجام مع التناقضات في التفكير الدولي داخل هيئة الأمم المتحدة، وهناك أيضاً تعدد للقوى الدولية ومرحلة صراع دون القدرة على إيجاد حدود دنيا لبروز نظام دولي مختلف.

أدت المعطيات الثلاث السابقة إلى إعادة التفكير بالعلاقات السورية – الأمريكية؛ التي عاشت أولى اختباراتها عشية الاحتلال الأمريكي للعراق، فلم تعد هذه العلاقة مرهونة لعمليات الشد والجذب المتعلقة بالعديد من الملفات المزمنة في المنطقة، فواشنطن أسقطت أولاً ارتباط هذه العلاقة بالصراع العربي – “الإسرائيلي”، واستندت لظهور مبادرة عربية أقرتها قمة بيروت عام 2002، قبل غزو العراق بعام واحد فقط، ومع سقوط بغداد زار وزير الخارجية الأمريكي الأسبق كولن باول دمشق وقدم ما بات يعرف بـ"تغيير السلوك" السوري، وكان يعني تغيير الدور الإقليمي السوري وفق ثلاث محاور: الأول في لبنان مما يعني أن الاستراتيجية الأمريكية لم تعد معنية بأي توازن قديم كان لدمشق الدور الأكبر فيه، ولاحقاً أدى هذا الأمر لصراع سوري – سعودي مازال مستمراً في ظل الأزمة السورية الحالية.

المحور الثاني مرتبط بفلسطين وتحديداً بفصائل المقاومة مثل حماس والجهاد الإسلامي، فالطلب الأمريكي كان واضحاً بإغلاق مكاتب حماس في دمشق، ولم يكن هذا الأمر يرتبط بتحسين العلاقات بين البلدين؛ بل شرطاً لعدم اقدام الإدارة الأمريكية على محاصرة سورية سياسياً، وأما المحور الثالث فيتعلق بالمحور الإيراني – السوري الذي يمنح دمشق قدرة تحرك إقليمي واسعة، والملاحظ هنا أن تغيير سلوك لم يتجه نحو العلاقات مع تركيا رغم أنها بدأت في تلك المرحل تتشكل وتتطور بشكل لافت.

ترتيب الأوراق

لا يمكن اعتبار ما قامت به إدارة أوباما "هدنة" أو عودة عن قواعد تغيير السلوك، فما حدث أنها كانت تتعامل مع سورية "مختلفة" عن السابق، حيث لا تواجد سوري في لبنان، وزوال كامل للمحاور العربية الكلاسيكية (دمشق – الرياض – القاهرة)، في المقابل تكريس لمحور طهران – دمشق، وخيارات أوباما كانت محصورة بين القاهرة وأنقرة، فهو أعاد السفير الأمريكي لسوريا، كما أن جورج ميتشل، المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط، زار دمشق أكثر من مرة، وكل هذه التحركات لم تحمل معها إلا تصورات بمنظومة للشرق الأوسط تنهار فيها الأدوار الإقليمية على حساب ملئ الفراغ بشبكة من "الأدوار الأمريكية"، فالولايات المتحدة خففت الضغط على سورية تاركة لأنقرة مساحة بناء محور مختلف، فكانت الوساطة التركية وما سمي المفاوضات غير المباشرة بين سورية و "إسرائيل"، كما تركت لفرنسا تحديداً استقطاب سورية كي تعيد تطبيع علاقاتها مع أوروبا بالكامل، وفي هذا السياق كانت العلاقات السورية الأمريكية في الألفية الجديدة تتشكل وفق خارطة تحمل معها:

  • إعادة مساحة العلاقة بين واشنطن دمشق خارج التشابك الكلاسيكي، فهي لم تعد مرتبطة بالمواقف الأمريكية من "إسرائيل"، بل من خارطة الإرهاب المفترضة وقدرة السياسة السورية على مساعدة واشنطن في هذا الموضوع.
  • لم تكن الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ عام 2001 ترضي بأشكال التعاون القديم بشأن الإرهاب، لأنها بدأت تبحث عن شرط سياسي في هذا الموضوع، فهي لا تريد سورية كحليف بل كجزء من النظام الإقليمي في محاربة الإرهاب وفق الاستراتيجية الأمريكية تحديداً.
  • بالنسبة لدمشق فإن العناوين الرئيسة للعلاقة مع واشنطن بقيت دون تغيير، وهي لم تراعي أن دخولها في المبادرة العربية وخروجها من لبنان، ولاحقاً منح أنقرة دوراً أساسياً في الموضوع الفلسطيني سيضعها ضمن خيارات محدودة.

رغم الأزمة السورية الحالية فإنه من المستبعد أن تجد الولايات المتحدة حلولاً إضافية بشأن علاقتها مع دمشق، فعدم اعترافها بشرعية الرئيس السوري لم تدفعها لإيجاد شرعيات بديلة حتى ولو كانت ضعيفة، وتعاملها مع الائتلاف السوري المعارض لم يؤدي إلى صياغة واضحة لسلطة بديلة، فما يشغل تفكيرها حتى لحظة تفكيك الدور السوري من خلال التلاعب بالجغرافية، فبعد سقوط خيار تغيير السلوك فإن الجغرافية هي الحل والبديل والخطر وهو ما سيحدد لاحقاً صورة العلاقة بين واشنطن وسورية المستقبل.
 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات – راجع شروط الاستخدام

تقارير ذات صلة