معهد ليفانت للدراسات

دروب دمشق.. كتاب يحاكي واقع العلاقات السورية – الفرنسية

أكتوبر 23
20:38 2014

بعد كل عداء كانت باريس مضطرة للعودة إلى دمشق والتعاون معها .. !
صدر مؤخراً في باريس كتاب للصحفيين جورج مالبرونو وكريستيان شينو يحكي تفاصيل وأسرار العلاقات الفرنسية – السورية في العقود الأربعة الماضية ويكشف كيف يتم اتخاذ القرارات السياسية في باريس وذاك الحقد المزمن الذي يسكن عدداً من المسؤولين الفرنسيين ومن بينهم وزير الخارجية الحالي لوران فابيوس تجاه سورية وكيف خسرت باريس كل معاركها مع دمشق واضطرت باستمرار للعودة إليها والتعاون معها.

الكتاب الذي كان من المفترض أن يحمل اسم: “باريس دمشق من الحب إلى الكراهية” صدر الأسبوع الماضي في فرنسا عن دار “روبير لافون” الشهير ليفضح سياسة فرنسا الخارجية التي يصفها الكتاب بـ”غير واقعية” وكيف خسرت باريس علاقاتها الإستراتيجية مع دمشق وحاولت جاهدة “إسقاط النظام” وفعلت كل ما يمكن فعله من تزوير تقارير أمنية والاستعداد لشن ضربات عسكرية على دمشق وتجنيد وسائل الإعلام لمعاداة دمشق وترويج ما يمكن من أكاذيب، ورغم كل ذلك لم تفلح باريس في زعزعة النظام في سورية.

يتحدث الكتاب المؤلف من 400 صفحة وتسعة فصول عن تفاصيل وتاريخ العلاقات السياسية والأمنية بين باريس ودمشق من عام 1981 حتى يومنا هذا، ويتضمن لقاءات مع شخصيات مهمة ونافذة في ملف العلاقات الثنائية ويروي في فصوله كيف كانت تتبدل سياسة فرنسا تجاه سورية وكيف كانت تتغير مع تغيير الرؤساء وكيف كانت دمشق تنجح في كل مرة في إعادة السياسة الخارجية الفرنسية إلى الطريق الصحيح.

 

شجار عنيف في الخارجية الفرنسية

يروي الكتاب في أحد فصوله تفاصيل شجار عنيف دار في مقر وزارة الخارجية الفرنسية “كِي دورسيه” في باريس في ربيع عام 2011. وقتها، كان آلان جوبيه وزير خارجية فرنسا. آنذاك تم استدعاء السفير الفرنسي في دمشق إيريك شوفالييه على عجل إلى باريس عند مدير مكتب الوزير هيرفيه لادسو، وفي اجتماع ضم مدير مكتب الوزير والسفير الفرنسي في دمشق ومدير منطقة شمال إفريقية والشرق الأوسط باتريس باولي ومدير وضع الرؤى المستقبلية في الوزارة جوزيف مايلا وحضر فجأة دون سابق إنذار نيكولا غالييه مستشار رئيس الجمهورية نيكولا ساركوزي حينها في جلسة مخصصة للبحث في المسألة السورية.

“نظام الأسد لن يسقط وبشّار صلب وباقٍ في منصبه”، هذا ما كان السفير شوفالييه مقتنع به حينها وما كان يكتبه في تقاريره الدبلوماسية المرسَلة من دمشق، وهذه كانت سبب استدعائه على عجل إلى باريس. شوفالييه كرر على مسامع الحاضرين في الاجتماع أنه “سفير قريب من الميدان” و”لقد جلت على مختلف المناطق السورية ولم استشعر أن النظام القائم هو نظام متهالك”. “توقّف عن سرد الحماقات!” قاطع غالييه مبعوث ساركوزي السفير شوفالييه، وأضاف “ يجب ألا نتمسّك بالحقائق، بل يجب أن ننظر أبعد من أنوفنا”. كلام غالييه اتصف بـ”عدائية غير مسبوقة” حسب أحد الحاضرين. حتى لادسو، مدير مكتب جوبيه، “فوجئ بعنف غالييه” الذي تبيّن أنه “لم يأت إلى الاجتماع ليشارك في التحليلات، بل جاء في مهمة محددة: فرض المسار الذي يقول إن سقوط الأسد حتمي، وإفهام الجميع بأن أي تعبير مخالف لذلك في الدبلوماسية الفرنسية لن يُسمح به. وعلى الرغم من مفاجأة شوفالييه لما سمعه واللهجة العدائية لغالييه إلا أنه دافع عن نظريته المضادة لما يريد الإليزيه فرضه وحجّته كانت أنه “يقابل المعارضة السورية باستمرار وهو لا يزال يشعر بأن النظام لديه مقوّمات قوية للبقاء ودعم خارجي يعتمد عليه”. فقاطعه غالييه مجدداً: “لا نكترث لمعلوماتك” ما دفع السفير إلى الرد “تريد منّي أن أكتب شيئاً مغايراً، لكن مهمتي كسفير هي أن أستمر بسرد ما أكتبه الآن أي بقول ما يجري فعلياً”. “معلوماتك لا تهمّنا. بشّار الأسد يجب أن يسقط وسيسقط” أردف غالييه بنبرة عالية. واحتدّت المشاجرة حتى اضطر لادسو إلى التدخل مرات عديدة لتهدئة “المعركة الكلامية” التي انتهت بتأكيد غالييه أن قرار الرئيس ساركوزي واضح وغير قابل للنقاش “على النظام أن يسقط”.

ويروي الكتاب كيف كان يحتج السفير الفرنسي في دمشق تجاه ما تبثه وسائل الإعلام الفرنسية من أكاذيب حول الوضع في درعا، وتروي مذيعة في قناة فرنسا 24 أن شوفالييه اتصل ذات يوم لتوبيخهم تجاه ما يبثونه لأنه مغاير كلياً للحقيقة.

الكتاب الذي يتطرق إلى تفاصيل العلاقات المعلنة والسرية بين باريس ودمشق وأيام التوتر وشهر العسل، يوضح كذلك فضائح كواليس السياسة الفرنسية وكيفية اتخاذ القرارات النابعة من حقد أو غباء لكنها حتما ليست مبنية على واقع أو معلومات أمنية وتحاليل سياسية.

ويقول الصحفيان أن باريس وطوال السنوات الأربع الماضية لم تكلف نفسها الاتصال بأي من خبراء الشأن السوري أو الذين سبق أن تعاملوا مع سورية لا بل استبعدتهم.

كيف يمكن لفرنسا أن تخطئ بسياستها تجاه سورية وهي التي كانت تمتلك ذاك المدخل الاستثنائي مع دمشق؟ هذا ما حاول الكاتبان الإجابة عنه في كتابهما من خلال تحقيقات ولقاءات أجريت في فرنسا ولبنان وسورية ونظرا لحساسية الموضوع بقي عدد من الذين التقاهم الكاتبان من دبلوماسيين وعسكريين وضباط مخابرات في الظل احتراماً للتراتبية، رافضين الكشف عن أسمائهم الصريحة.

ويبدأ الكتاب عند يوم الجمعة 4 أيلول 1981 حين كان يستعد السفير الفرنسي في لبنان “لوي دولامار” لمغادرة مبنى السفارة حاملا علبتي سيجار متوجهاً إلى دارته “قصر الصنوبر” مقر إقامة السفير.

آنذاك كان لبنان وسط الحرب الأهلية وقبل يومين من هذه الحادثة انفجرت قنبلة في باحة السفارة أحدثت أضراراً مادية فقط وموظفو السفارة تبدلت مهامهم ومكاتبهم حيث كانت مكاتب جهازي أمن فرنسا الداخلي والخارجي محصنين داخل القنصلية وتم نقل مكاتب السفير وإبعادها خوفاً من عملية اغتيال انتحارية تستهدف السفارة.

خلال خروج السفير استوقفه أحد الموظفين وسأله: هل ستدخنون كل هذا السيجار سعادة السفير؟ فأجاب دولامار: معك حق قد لا أدخن أياً منها، سأعيد العلبة وأغادر.. فقال له الموظف: انتبهوا سعادة السفير فسيارتكم ليست مصفحة، فأجابه: في حال تم اغتيالي فلن يكون ذلك على أيدي لبناني..

بعد دقائق يتم اغتيال السفير برصاص مباشر، سيارته البيجو 604 العسلية كانت متجهة إلى مقر إقامة السفير وقبل وصولها بمئتي متر قطعت طريقها سيارة من نوع “بي أم في” وترجل منها شخصان حاولا فتح الباب الخلفي لسيارة السفير إلا أن السفير كان قد أقفل الأبواب ففتح الرجلان النار على السيارة ولاذا بالفرار نحو حي قصقص مجتازينَ طريقاً قريباً من حاجز للجيش السوري.

 

12 رصاصة وضعت حداً لحياة 

الدبلوماسي الفرنسي كما قتل سائقه.

يروي الكتاب أن حادثة الاغتيال أتت في الوقت الذي كان يحاصر فيه الجيش السوري مدينة زحلة وكانت فرنسا تجهد لعدم سقوط المدينة وتقدم دعماً على الصعيد الدولي لفك الحصار عنها. كان هناك كذلك قضية الراحل ياسر عرفات الذي أكدت فرنسا على لسان وزير خارجيتها آنذاك كلود شيسون أنها ملتزمة بأمنه ولن تتخلى عنه. وقبل اغتيال السفير الفرنسي بخمسة أيام التقى شيسون بعرفات في مقر إقامة السفير وأكد له التزام فرنسا التام تجاهه ونقل له رسالة من الرئيس ميتران بأن باريس لن تتخلى عن عرفات.

في بيروت التي كانت تعيش حالة من الفوضى، كان يستحيل إجراء أي تحقيق، لكن بعد يومين من حادثة الاغتيال، “صديق لفرنسا” يطلب من أحد الدبلوماسيين زيارته فوراً في مكتبه، الصديق المذكور كان بشير الجميل قائد القوات اللبنانية آنذاك، مباشرة يتوجه الدبلوماسي لزيارته وهناك يقدمه الجميل لإيلي حبيقة (رئيس جهاز استخبارات القوات) وقال الجميل للدبلوماسي: “سيعطيكم أسماء من نفذوا عملية اغتيال السفير دولامار” وقال حبيقة للدبلوماسي: المنفذان من الشيعة وهما يتبعان لميليشيا “الصاعقة” التي تعمل في لبنان خدمة للاستخبارات السورية.

هكذا عرفت فرنسا من اغتال سفيرها، وهكذا بدأ مسلسل التوتر السوري الفرنسي الذي استمر ثلاث سنوات وانتهى بزيارة الرئيس فرانسوا ميتران إلى دمشق (أول رئيس جمهورية فرنسية يزور سورية) في 21 تشرين الأول 1984 بعد سلسلة تفجيرات ضربت دمشق وباريس.

 

مرتزقة فرنسيون في بابا عمرو

يتحدث الكتاب عن آخر أيام السفير شوفالييه (شباط 2012) في دمشق وقضية الصحفية الفرنسية إيديت بوفيه التي أصيبت في قدمها ببابا عمرو وبقيت عالقة هناك.

تدخل السفير شوفالييه مباشرة من خلال وسطاء كانوا ينقلون رسائل بينه وبين وزير الخارجية السورية، كان شوفالييه يريد الذهاب إلى حمص وإخراج الصحفية الفرنسية وإسعافها إلى دمشق ومنها إلى باريس. رفض وزير خارجية سورية طلب السفير وأبلغه من خلال الوسيط أن بإمكان بوفيه الخروج في سيارات الهلال الأحمر والانتقال إلى دمشق ووعد بأن يتسلمها السفير الفرنسي فور وصولها وأنها لن تحاكم لدخولها الأراضي السورية بطرق غير شرعية (من خلال لبنان).

شوفالييه لم يكن يعلم آنذاك أنه ليس الفرنسي الوحيد الذي يعمل على إخراج بوفيه من بابا عمرو، كان هناك كذلك ممثل جهاز الاستخبارات الداخلي المقيم في السفارة برنار سكوارسيني الذي تمكن من خلال اتصالات أجراها مع كبار المسؤولين السوريين بالحصول على وقف لإطلاق النار والسماح لسيارات الهلال الأحمر بدخول بابا عمرو لإخراج بوفيه، لكن الأخيرة رفضت الخروج برفقة الهلال الأحمر وأكدت للسفير باتصال هاتفي من خلال “سكايب” أنها لا تثق بممثلي الهلال الأحمر وأنها لا تريد الخروج معهم! فكان جواب السفير: هذا قرارك وحياتك وأنا لا يمكن أن أتخذ القرار نيابة عنكم (الحديث لبوفيه والمصور دانييل ويليامز).

يقول السفير للكاتبين: “لم أكن أعلم أن هناك جهة ثالثة تعمل على الخط ذاته وكان جهاز المخابرات الخارجي الذي يعمل من بيروت ودون تنسيق مع أي جهة ثانية، يريد إخراج بوفيه وزميلها من لبنان وليس من سورية” خشية من أن تضطر باريس لشكر دمشق لمساعدتها!” كما يفسر الكاتبان.. لكن الحقيقة تبينت بعد أيام، إذ لم تكن بوفيه ووليامز وحدهما عالقين في بابا عمرو، بل كان معهما ما يسمى بكتيبة “أبو بكر” المؤلفة من مرتزقة فرنسيين وكانوا يقاتلون في بابا عمرو، وهذا ما أكده مصدر في جهاز الاستخبارات الداخلي الفرنسي ومصدر في جهاز المخابرات السوري الذي قال للكاتبين: رصدنا وجود مجموعة فرنسية غير الصحفيين داخل بابا عمرو، لكن لم نكن نعلم أن كانوا مدنيين أو عسكريين.

وفي النهاية نجحت المخابرات الخارجية الفرنسية بإخراج بوفيه وزميلها والمرتزقة الفرنسيين من خلال الأنفاق عن طريق القصير ومن ثم لبنان إلى أن وصلوا إلى باريس.

 

“مجانين في باريس”

استغل الرئيس نيكولا ساركوزي قضية الصحفية “بوفيه” لإعلان إغلاق سفارة بلاده في سورية.. وأتى الإعلان خلال قمة أوروبية في بروكسيل حيث وضع زملاءه الأوروبيين أمام الأمر الواقع.. وزير خارجيته آلان جوبيه حاول قبل ذلك إقناع الشركاء الأوروبيين بإغلاق السفارات إلا أنه لم ينجح، وحاول من بعده ساركوزي وكذلك لم يفلح.. لكن الرئيس استغل انعقاد القمة الأوروبية في بروكسل وخرج إلى الإعلام قبل انتهاء أعمالها ليعلن قرار إغلاق السفارة دون التشاور مع زملائه!! ما اضطر دولاً أوروبية كثيرة أن تخطو خطو فرنسا وبريطانيا دون أن تكون على قناعة بصوابية

القرار وطالبت تلك الدول ببقاء سفارة الاتحاد الأوروبي مفتوحة في دمشق.

في دمشق السفير شوفالييه لم يكن على علم بالقرار وحين سمع فيه من وسائل الإعلام كانت أولى ردات فعله: “مجانين في باريس” وكان يعارض بشدة القرار وخاصة أن هناك سفارات فرنسية تعمل بظروف أسوأ بكثير من ظروف دمشق مثل بغداد وكابول ومن الأفضل بقاء السفارة تعمل وهذا كان موقف وزارة الخارجية الفرنسية إلا أن الإليزيه كان له رأي آخر وبادر إلى إغلاق السفارة دون مشاورة أحد.

 

في باريس.. لا يجوز معارضة 

موقف الإليزيه!!

يشير الكتاب في فصوله كيف كان من المستحيل معارضة موقف الاليزيه أو الخارجية الفرنسية، فعلى الفور يتهم من يرسل تقارير بأن النظام في سورية لن يسقط بـ”الخائن” و”العميل لبشار”!! وهكذا يروي الكتاب كيف كان جهاز الاستخبارات الداخلي يرسل تقارير تؤكد منذ الأيام الأولى للأحداث في سورية وجود جهاديين في صفوف من كان يطلق على نفسه لقب “المعارض السلمي”، إلا أن مصير هذه التقارير كانت سلة المهملات.. وكذلك التقارير التي كانت تؤكد أن النظام في سورية ليس على وشك السقوط كما كان يروج الإعلام..

في مبنى وزارة الخارجية لم يكن أحد يجرؤ على إبلاغ الوزير بالأخبار “غير السارة” خوفاً من عقوبات تطول مستقبلهم.. وكذلك الأمر في الإليزيه ووزارة الدفاع وأيضاً داخل أجهزة المخابرات حيث باتت التقارير التي تتحدث عن الجهاديين أو عن استبعاد إسقاط النظام نادرة للغاية..

في وزارة الدفاع الفرنسية، يقول جنرال فرنسي إن إدارة المخابرات العسكرية حذرت الوزير أن “النظام قادر على الصمود أكثر مما يمكن تخيله” لكن لم تكن هذه التحذيرات هي التي يفضل سماعها الوزير أو إدارة مكتبه، وكان الرد من “مركز التخطيط وإدارة العمليات العسكرية: “لا تحدثونا عن قدرة النظام على الصمود بل حدثونا كيف يمكن إسقاط النظام”!! وهو ما دفع إدارة المخابرات العسكرية إلى الالتزام مثل باقي الإدارات والتوقف عن إرسال التقارير التي تتحدث عن قوة الدولة والنظام والجيش” ويضيف الجنرال الفرنسي: “كان هذا الحل الوحيد ليقرأ الوزير تقاريرنا وإلا كان مصيرها سلة المهملات”!

ومن المعلومات المذكورة في الكتاب أن إدارة المخابرات العسكرية حذرت وزير الدفاع أنه يجب ألا يستمع إلا لوسائل الإعلام، فكان جوابه: “لا سأستمع إليهم والنظام سيسقط”!

وحده جهاز المخابرات الخارجي الذي لم يكن يوماً على علاقة جيدة مع دمشق كان يرسل التقارير التي يريد الإليزيه ومختلف الإدارات قراءتها والتي كانت في مجملها تتحدث عن سقوط وشيك للنظام.

لقاءات سرّية في دمشق

في لقاء أجراه الرئيس بشار الأسد مع صحيفة الفيغارو في صيف 2013، رسم الرئيس الأسد الإطار الممكن لأي علاقة مستقبلية بين سورية وفرنسا وقال: “أي نوع من أنواع التعاون إن كان أمنياً أو عسكرياً أو حتى اقتصادياً لا يمكن أن يتم دون اتفاق سياسي، فلا يمكن أن يكون لدينا تعاون أمني مع أي دولة عندما تكون مصالحنا السياسية متعارضة”

بعد شهر أوفد جهاز المخابرات الخارجي الفرنسي مدير الاستخبارات لديه “فرانسوا سانيمو” وهو دبلوماسي سابق يعرف لبنان جيداً للقاء اللواء عباس إبراهيم مدير الأمن العام اللبناني والذي لديه اتصال جيد مع السوريين والبحث معه في إمكانية زيارة دمشق.

الفرنسيون لم يكونوا الأوائل في الاتصال باللواء إبراهيم طلباً لوساطة مع دمشق فسبقهم إلى ذلك الألمان والإسبان وموفدون خاصون للحكومة البريطانية.

بين تشرين الثاني وكانون الأول من 2013 زار على دفعتين وفدان فرنسيان اللواء علي مملوك رئيس مكتب الأمن الوطني في مكتبه بدمشق. الوفد الأول من جهاز المخابرات الداخلي والوفد الثاني من جهاز المخابرات الخارجي.

الوفد الأول قاده أحد العناصر العاملين في الشرق الأوسط والوفد الثاني قاده عنصر مسؤول عن مكتب الأردن.

“عندما أرسلنا وفداً إلى دمشق، فقدنا كرامتنا” يقول أحد العناصر في باريس للكاتبين، “فكيف كان ممكناً أن نصدق أن علي مملوك سيستجيب لطلباتنا! كنا ساذجين لدرجة أننا اعتقدنا أن مملوك سيقدم لنا معلومات عن الجهاديين لقاء وعود بأننا سنناقش الملف السياسي مستقبلاً! علماً أن العلاقات الأمنية بين سورية والدول الأجنبية هي من صلب العمل السياسي.

أجواء اللقاءين باردة خلال الزيارتين.. “الذين زارونا لم يكونوا على علم بالعلاقات الأمنية السابقة بين سورية وفرنسا” يأسف علي مملوك خلال لقاء مع أحد الكاتبين، “كنا نتمنى أن ترسل فرنسا عناصر ذوي خبرة مثل الذين سبق أن تعاملنا معهم في السابق عندئذ تكون فرص نجاح مهمتهم أفضل”.

الرسالة الموجهة للفرنسيين واضحة: “ليس لدينا أي إشكال في استئناف التعاون الأمني، لكن على فرنسا أن تعيد فتح سفارتها وتعيد العلاقات الدبلوماسية مع سورية”. ويضيف اللواء علي مملوك شرطاً آخر لزواره: “على فرنسا أن تتحرك تجاه حليفها السعودي وتحثه على وقف تمويل وإرسال جهاديين إلى سورية وتسليحهم”. شروط كان لا يمكن لفرنسا تلبيتها، وعاد الوفدان دون أي نتيجة من دمشق.

اليوم كما الأمس، سورية على قناعة أن أجهزة الاستخبارات الغربية سيأتون إليها عاجلاً أم آجلاً ما دام تهديد الجهاديين قوياً في أوروبا أو في العراق أو في أي بقعة ثانية في الشرق الأوسط وأن العلاقات الأمنية ستترافق مع علاقات سياسية متجددة، أي أنه عاجلاً أم آجلاً عزلة دمشق ستنتهي، “التعاون الأمني دائماً في الظل، لكنه عملياً هو أساس العمل السياسي” هذا ما يؤكده اللواء علي مملوك الذي يضيف: “الأجهزة الأمنية تضع القطار على السكة وبعدها يصعد السياسيون على متن القطار”. في الوقت الحالي من الصعب أن تتحقق هذه الآمال لكن “لدينا الوقت” يقول اللواء مملوك راسماً ابتسامة.

 

صحفيو “لوموند” مطية للمخابرات الفرنسية

في قضية السلاح الكيماوي، يكشف الكتاب عن فضيحة كبرى في وسائل الإعلام الفرنسية وتحديداً في صحيفة “لوموند” التي هنأ وزير خارجية فرنسا اثنين من صحفييها في نشرة الأخبار الرئيسية لقناة فرنسا 24 يوم 5 حزيران 2013 للتحقيق الذي نشر في الصحيفة على خمس حلقات تحت عنوان: “حرب الكيماوي في سورية.. على جبهات دمشق”.

وفيما نشر يقول الصحفي “جان فيليب ريمي” الذي كان برفقة المصور “لوران فان دير ستوك”: إنهما حصلا على نماذج مأخوذة من عدة مشاف تؤكد استخدام غاز السارين على مواطنين في الغوطة الشرقية ونقلاها إلى باريس ليتم تحليلها في مخابر “دو بوشيه” الوحيدة المختصة في تحليل هذا النوع من النماذج.. ويتحدث الصحفي في سلسلة المقالات التي نشرها أنهما حصلا على النماذج من جوبر ومشفى “الدكتور نادر” في زملكا ومن “الدكتور حسان” وهو قريب من الفرنسيين ومن مراكز طبية عدة في الغوطة الشرقية..

مصدر في وزارة الخارجية الفرنسية يخرج عن صمته ويتحدث للكاتبين كاشفاً حقيقة ما حصل مع الصحفيين في الغوطة.. ويقول: إنهما لم يحصلا على النماذج من أي من التي ذكراها في مقالاتهما بل من شخص واحد كان يريد إيصال هذه النماذج إلى جهاز الاستخبارات الفرنسي الخارجي الموجود في الأردن وقام فعلاً بتسليم الصحفيين ما لديه وبعد خروجهم من الأراضي السورية باتجاه الأردن كانت المخابرات الفرنسية بانتظارهما للحصول على النماذج وكانوا عملياً “مطية” للمخابرات وليسا صحفيين محققين كما ادعيا..

والمفاجأة كانت حين أرسلت مديرة “لوموند” رسالة إلى الخارجية الفرنسية تقول فيها: أن اثنين من صحفييها أحضرا نماذج ليتم تحليلها في فرنسا وأنهما سلما النماذج للسفارة الفرنسية في عمان وتريد معرفة النتيجة!! فكان رد وزارة الخارجية الفرنسية أنها ليست على علم بأي نماذج تم تسليمها للسفارة بعمان، وبعد اتصالات مع برنار باجوليه مدير جهاز الاستخبارات الخارجية الذي نفى علمه بوجود أي نماذج بحوزة إدارته، تبين أن النماذج موجودة فعلاً في المخبر المذكور دون أن يعلم أحد بنتائج تحليلها، لكن الواضح أنها نماذج أمرت المخابرات الفرنسية بتحصيلها ونقلها.

صحفيون فرنسيون اعتقدوا للوهلة الأولى أنهم “أبطال” قبل أن يتبين لاحقاً أنهم كانوا ضحايا تلاعب جهاز الاستخبارات الذي استخدمهم لإخراج النماذج!!

 

حذف عبارة من تقرير الكيماوي

مقطع آخر في الكتاب يتحدث عن الرئيس فرانسوا هولاند في آب عام 2013 عندما كان يحشد من أجل توجيه ضربة عسكرية لدمشق محاولاً إقناع الرأي العام الفرنسي أن النظام استخدم السلاح الكيماوي في الغوطة الشرقية، وأمر الرئيس بكشف السريّة عن خلاصة تقارير “الأمن الخارجي” و”الاستخبارات العسكرية” المتعلّقة بالهجوم الكيميائي، ويكشف الكتاب أن خلاصة التقرير الذي تم عرضه للرأي العام خضع لـ”تصحيحات ونفخ” من المستشار الخاص لوزير الدفاع جان إيف لو دريان، وذلك بطريقة مؤذية للاستخبارات الذين أبقوا في تقاريرهم على بعض علامات الاستفهام حول أحداث لم يتمكّنوا من حسم نتائجها مثل استخدام غاز السارين.. إحدى الفرضيات التي قدّمها المخبرون في تقاريرهم تقول “إن سبب تسرب الغاز قد يكون ناتجاً عن قصف كلاسيكي للجيش السوري أحد مختبرات المتمرّدين السرية”. لكن هذه الفرضية تم حذفها بالكامل من النص النهائي للتقرير كي لا يكون هناك أدنى شك للمواطن الفرنسي حول استخدام النظام للسلاح الكيماوي. ويكشف الكتاب نقلاً عن مصادر أمنية كيف أوقفت تركيا أكثر من ثلاث مرات شحنات من غاز السارين كان ينقل بسيارات تابعة “للجيش الحر” من تركيا إلى سورية.

 

“البارجات الروسية في “وضعية هجومية”

غداة 21 آب 2013، بدا الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند كمن يستعد “للضغط على الزناد لإطلاق النار”، كل الأنظار كانت متجهة نحو دمشق والعملية العسكرية التي كانت تنوي الولايات المتحدة الأميركية شنها للرد على “الهجوم الكيماوي” على الغوطة الشرقية..

باريس آنذاك شعرت بأنها أخيراً وصلت إلى مبتغاها وأن طائراتها ستقلع قريباً لشن غارات على مواقع للجيش السوري.. في مكتب وزير الخارجية فابيوس الجميع يعمل لإقناع الرأي العام الفرنسي بجدوى الضربات العسكرية ولإقناع الرئيس هولاند كذلك.. منطق الخارجية الفرنسية كان يرتكز على فكرتين، الأولى: أنه لا يجوز السماح لأي نظام بقصف مواطنيه بسلاح كيماوي ويجب معاقبته، والثانية: الضربات العسكرية ستلزم النظام بالتفاوض مع الغرب.

في اجتماع السفراء السنوي في 27 آب يعلن هولاند أن فرنسا مستعدة لـ”معاقبة” من اتخذ قرار استخدام السلاح الكيماوي.. ويكشف دبلوماسي فرنسي أن استخدام الرئيس لكلمة “معاقبة” أثارت الكثير من الجدل في أروقة الدبلوماسية الفرنسية لأنها ذكرت بسياسات العقاب والثواب إبان انتداب فرنسا لعدد من دول العالم، لكن وبعد أن قالها الرئيس كان من الصعب التراجع.

بدأت الشكوك حول الضربات العسكرية تجتاح الخارجية الفرنسية وخاصة بعد تصويت مجلس العموم البريطاني في 29 آب ضد مشاركة بريطانيا في أي عمل عسكري في سورية.. وزادت في 30 آب حين أعلن جون كيري أن واشنطن تؤيد ضربات عسكرية محدودة لكن الرئيس أوباما لم يقرر بعد، وتفاقمت يوم 31 آب حين طلب الرئيس أوباما موافقة الكونغرس..

يقول الكاتبان: إن الخارجية الفرنسية كانت في حالة “ذهول”، الجميع كان على قناعة بأن أوباما ضحك على هولاند.. كل شيء كان جاهزاً حتى اسم العملية وكان يكفي للرئيس الفرنسي أن يعطي أمره لتبدأ العملية العسكرية.

أحد كوادر الخارجية الفرنسية يكشف أن العملية كان من المفترض أن تكون ليلية وتم تحديد 20 هدفاً ولم تكن عملية ضخمة. من بين الأهداف: مقرات لقيادة الجيش السوري ومراكز ذات رمزية للنظام”.. الفكرة خلف العملية والأهداف كانت إقامة “دبلوماسية حربية” على غرار ما قام به الرئيس رونالد ريغان عام 1986 على طرابلس في ليبيا وتسمى في العلوم السياسية “إنذار”.

البوارج الحربية الفرنسية في مواقعها بالبحر المتوسط وطائرات “الرافال” جاهزة للإقلاع لشن غاراتها. لكن الضباط الفرنسيين الذين تحدثوا للكاتبين قالوا إن العملية “لم تكن سهلة” ولا يمكن مقارنتها مع عملية ريغان في ليبيا للفارق الكبير في الإمكانات بين الجيشين..

خلال التحضيرات العسكرية، اكتشفت البوارج الفرنسية أن البوارج الروسية لم تكن داخل مرفأ طرطوس، كانت في مواقع محددة قبالة السواحل السورية وكانت “بوضعية هجومية” وكان يمكن لها بسهولة رصد الطائرات الفرنسية فماذا كان يمكن أن تفعل؟ سؤال سيبقى دون جواب، لكن يقول الضباط “احتمال إسقاط الطائرات الفرنسية كان قائماً” وكان يمكن تخيل رد فعل الفرنسيين على إسقاط الرافال وخاصة أن 68٪ من الفرنسيين كانوا ضد التدخل العسكري في سورية في إحصاء أجراه معهد “إيفوب”.

تراجع الرئيس أوباما عن الضربة العسكرية لسورية ترك آثاراً كبيرة على الدبلوماسية الفرنسية التي بدت وحدها في العالم متعطشة للعمل العسكري لكنها لم تجرؤ على القيام فيه منفردة، وكانت باريس تعتقد أن قرابة 8 آلاف مقاتل من الجبهة الإسلامية و4 آلاف من جبهة النصرة كانوا يستعدون لاجتياح دمشق بالتزامن مع الضربات العسكرية.

 

جريدة الوطن السورية – 21/10/2014

 

تقارير ذات صلة