معهد ليفانت للدراسات

“درع الفرات” .. الانغماس التركي في سورية

“درع الفرات” .. الانغماس التركي في سورية
مايو 18
09:04 2017

أطلقت الحكومة التركية عملية عسكرية داخل الأراضي السورية، صباح 24 آب 2016 ، تم تسميتها "درع الفرات"، وكان الهدف المعلن منها طرد مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية من الشمال السوري، ابتداءً من جرابلس المتاخمة للحدود التركية، لكنها توّسعت فيما بعد لتشمل أهدافها وحدات حماية الشعب الكردية التي تسيطر على مناطق غرب نهر الفرات، بهدف إبعادهم إلى شرق النهر.
 

استغرق التخطيط للعملية أكثر من عام بين المعارضة السورية والأتراك، حيث كان من المفترض أن تبدأ مهامها في العام 2015، إلا أن الحكومة التركية أجلّت العملية لأسباب متعلقة بالمناخ السياسي المتوتر، وحادثة إسقاط المقاتلة الروسية، التي قيّدت التحرك التركي في سورية.
 

التشكيل والكتائب

تشكّلت قوات "درع الفرات" من فصائل المعارضة السورية المسلحة، وأهم الفصائل المنضوية في التشكيل التركي فيلق الشام ولواء السلطان مراد، فرقة الحمزة، والفرقة 13، وحركة أحرار الشام، وحركة نور الدين زنكي، وجيش التحرير، وصقور الجبل، والجبهة الشامية، وأحرار الشرقية، وتتلقى هذه الفصائل دعماً برياً وجوياً من قوة المهام الخاصة المشتركة في الجيش التركي، ومن القوات الجوية التابعة للتحالف الدولي، وقد أقامت الفصائل معسكرات مشتركة مع القوات التركية داخل تركيا قبيل العملية للتحضير للهجوم الأول.
 

وخلال العملية التي مرّ على انطلاقها حوالي 9 أشهر، انسحبت بعض الفصائل منها، بسبب مشاركة الأمريكيين في العملية، وقالت فصائل لواء صقور الجبل والفرقة الخامسة أحرار الشرقية في بيان إنها انسحبت من عملية "درع الفرات" بسبب مشاركة جنود أمريكيين، ودخولهم بلدة الراعي، وهذا الأمر مرفوض من قبلهم تماماً بحسب ما أفاد البيان، وقد طردت فصائل معارضة القوات الأمريكية من بلدة "الراعي" التابعة لمحافظة حلب، شمال سورية بعد اقتراح أمريكي بتقديم الدعم لعملية السيطرة على مدينة "الباب".
 

المهمة الأولى

كانت المهمة الأولى لعملية "درع الفرات" انتزاع مدينة جرابلس من أيدي تنظيم الدولة الإسلامية، حيث تجمّع حوالي 1200 مقاتل من الفصائل المعارضة في منطقة داخل تركيا، مع عشرات السيارات المزودة برشاشات، بالإضافة إلى دبابات ومدفعية.
 

العملية العسكرية بدأت باستهداف راجمات الصواريخ والمدفعية التركية أكثر من 220 هدفاً لتنظيم الدولة في جرابلس، بالتزامن مع غارات لسلاح الجو التركي بطائرات F16 وطائرات بدون طيار على المدينة مع إسناد جوي من التحالف الدولي، في حين اشتبك مقاتلو المعارضة مع مقاتلي تنظيم الدولة في محيط المدينة، وبعد أن أتمت المدفعية والطيران مهامها، بدأت قوات المعارضة والقوات الخاصة التركية الهجوم البرّي، بدعم من الدبابات التركية، ما أدى لانسحاب مقاتلي التنظيم بشكل سريع من المدينة.
 

الأهمية الاستراتيجية لجرابلس بالنسبة لأنقرة أوضحها وزير الدفاع التركي فكري إيشيق بالقول "إن الأولوية الإستراتيجية لتركيا هي منع الأكراد من الربط بين ضفتيْ نهر الفرات"، ولذلك فهي تسعى لتفادي إنشاء الأكراد شريطاً لهم على طول الحدود السورية التركية يربط بين مناطق سيطرتهم شرقاً وغرباً، وضمان عدم قيام كيان لهم غرب الفرات باعتبار أن ذلك يهدد وحدة أراضيها.

 

عمليات الشمال

بعد خمسة أيام على انطلاق عملية "درع الفرات" تمكنت خلال القوات المشاركة من السيطرة على أكثر من ثلاثين بلدة بريف حلب الشمالي الشرقي، بعضها كان مع القوات الكردية المتمركزة غرب نهر الفرات.
 

وبدأت المرحلة الثانية من "درع الفرات" بهدف طرد التنظيم من ريف حلب الشمالي بشكل كامل. وتمت السيطرة على ناحية أخترين في 6 تشرين الأول، بعد معارك عنيفة مع التنظيم، وأطبقوا الحصار على مواقعه في أهم ثلاث بلدات في ريف حلب الشمالي: صوران ودابق واحتيمالات، من ثلاث جهات. ثم أكملوا عملياتهم في السيطرة على هذه  القرى ومحيطها
.

يوم 4 أيلول 2016 فتحت الحكومة التركية جبهة جديدة في محيط بلدة الراعي الحدودية للسيطرة عليها، والتقدم منها نحو مدينة الباب التي تبعد نحو 75 كيلومتراً عن الحدود، وتعتبر معقل تنظيم الدولة في محافظة حلب، وعبرت دبابات وآليات عسكرية تركية الحدود لدعم هذا الهجوم.
 

قوات "دراع الفرات" سيطرت على مدينة الباب ومحيطها، شباط الماضي، بعد معارك عنيفة مع تنظيم الدولة، وخسرت "درع الفرات" نحو 20 جندياً من القوات الخاصة التركية، ومثلهم من الفصائل المسلحة، حسب بياناتهم، في معركة الباب الأخيرة، بالإضافة إلى عشرات الآليات الثقيلة والأسلحة، وتجاوزت مدة معركة الباب 100 يوم.
 

بعد السيطرة على مدينة الباب وبلدتي قباسين وبزاعة، أصبحت قوات "درع الفرات" على أسوار بلدة تادف، والتي تتجمّع قوات الحكومة السورية جنوبها، ولم يعد يفصل بين الطرفين سوى تادف، كما أعلن الرئيس التركي أن الهدف بعد الباب هو مدينة منبج التي تسيطر عليها قوات كردية، مادفع بالأخيرة لعقد صفقة مع الحكومة السورية تقتضي دخول الجيش السوري وتمركزه على أطراف منبج لحمايتها من التوغل التركي، وهو ماعقّد وصعّب الطموح التركي بدخول منبج، وربّما وضع النهاية له.
 

ومؤخراً أشارت تصريحات المسؤولين الأتراك إلى نية تركية بالهجوم على تل أبيض وعفرين، حيث تتواجد وحدات الحماية الكردية، مادفع الأكراد إلى التوصل لاتفاق مماثل لاتفاق منبج في عفرين، وتم رفع العلم السوري على أطراف البلدة.
 

يقول مراقبون إن معطيات التدخل التركي العسكري المباشر في الشمال السوري تظهر توظيف أنقرة للمتغيرات في علاقاتها الخارجية بعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها يوم 15 تموز 2016، إذ استغلت تبدل تحالفاتها الدولية والإقليمية في خلق إستراتيجيات جديدة تخدم أهدافها القديمة في سورية.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة