معهد ليفانت للدراسات

داعش في التصور المستقبلي

داعش في التصور المستقبلي
يوليو 28
08:10 2014

   مشهد غير مسبوق يتبلور سريعا على إيقاع تحركات "داعش" وإعلانها لـ"الخلافة"، فالمنطقة الممتدة ما بين محافظة "نينوى" العراقية، وصولا لمحافظة الرقة تعيش تحركات مختلطة ما بين سكانية وعسكرية، وهذا الأمر لا يؤشر فقط على نهاية صورة الشرق الأوسط كما شهدناه منذ نهاية الحرب العالمية الأولى فقط، بل ربما يغير من كافة التوازنات القائمة على امتداد شرقي المتوسط، ويحقق عنوانا عريضا طرح منذ تسعينيات القرن الماضي حول "الشرق الأوسط الكبير" أو "الجديد"، ولكنه ربما يظهر وفق تشكيل خارج كل التوقعات فكيف يمكن تصور ما يحدث…

مشروع إقليمي

   يمكن الانطلاق من فرضية أن "داعش" هي مشروع إقليمي بالدرجة الأولى، حيث شكل لوحة ناقصة منذ اللحظات الأولى لعمليات التغيير في الجغرافية – السياسية للعراق، وربما ليس صحيحا الانطلاق من أن "داعش" حركة ناتجة فقط عن احتلال العراق، لأن ما حدث على امتداد عقد كامل يوضح أنها حالة بنيوية في العلاقة ما بين الاحتلال الأمريكي للعراق وطبيعة التطرف الذي اجتاح المنطقة وآخره داعش، فتفكيك الدولة العراقية لم يحمل سوى سمة أساسية هي نهاية حقبة الشرق الأوسط بدوله الإقليمية والبحث عن خيارات بديلة يبدو مشروع "داعش" إحداها، وعندما نتطرق لـ"داعش" فالمقصود نوعية المشروع وليس بالضرورة دولة الخلافة أو حتى هذا التنظيم المتطرف بذاته.

  فرضية "داعش" كمشروع إقليمي تبلورت بشكل واضح عام 2004، عندما تحدث الملك عبد الله الثاني ملك الأردن لصحيفة الواشنطن بوست، أثناء زيارته للولايات المتحدة في أوائل شهر ديسمبر عام 2004، عن تخوفه من وصول حكومة عراقية موالية لإيران إلى السلطة في بغداد، تتعاون مع طهران ودمشق لإنشاء "هلال يخضع للنفوذ الشيعي"، يمتد إلى لبنان ويخل بالتوازن القائم مع "السُنّة"، وبغض النظر عن التوصيفات المذهبية التي حملها، فإن قلق الملك الأردني كان في موقعه من مسألة "التوازن"، واستخدام الحالة المذهبية كان أيضا متعمدا لعملية التحشيد الخاص، وربما استخدام نفس مصطلحات الإعلام الأوروبي والأمريكي في عملية "نمذجة المنطقة" وفق سياق طائفي.

  الملك الأردني رأى بروز "هلال شيعي" في المنطقة مسألة تفتح الاحتمالات على مستقبل استقرار المنطقة، وربما يحمل تغيرات واضحة في خريطة المصالح السياسية لبعض الدول الإقليمية، وكان توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني خلال احتلال العراق، استخدم مصطلح  "الهلال السنّي"، أو بتعبيره "القوس السني"، بينما أطلقت وسائل الإعلام العالمية على مناطق الصراع في العراق بـ"المثلث السني"، فالموضوع يتجاوز "النمذجة الإعلامية" لأنه يعبر عن تفسير الصراع بشكل مختلف يعطي ملامح التكوين الشرق أوسطي في تلك الفترة، فـ"داعش" كمشروع بدأت في نفس العام الذي أعلن فيه ملك الأردن تصريحه حول "الهلال الشيعي"، ومرت بمراحل وفق انتشار هذا المشروع:

–       المرحلة الأولى بدأت تشكيل جماعة التوحيد والجهاد بزعامة ابي مصعب الزرقاوي عام 2004، وتم بعد ذلك مبعايته لزعيم تنظيم القاعدة السابق اسامة بن لادن ليصبح تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، وبدأ يبسط نفوذه على مناطق واسعة من العراق إلى ان جاء في عام 2006 ليعلن الزرقاوي تشكيل مجلس شورى المجاهدين بزعامة عبدالله رشيد البغدادي, بعد مقتل الزرقاوي في نفس الشهر جرى انتخاب ابي حمزة المهاجر زعيما للتنظيم.

–       المرحلة الثانية بدأت في 15 تشرين الأول 2006 إثر اجتماع مجموعة من الفصائل المسلحة ضمن معاهدة حلف المطيبين الذي انتهي بتأسيس الدولة الإسلامية في العراق، وكان "أبا عمر البغدادي" زعيما.

–       في السنة الأولى من الأزمة السورية بدأت المرحلة الثالثة، ففي نهاية عام 2011 تم تشكيل جبهة النصرة لبلاد الشام، وبعد عام ونيف أعلن أبو بكر دمج فرع التنظيم جبهة النصرة مع دولة العراق الإسلامية تحت مسمى الدولة الإسلامية في العراق والشام.

   في كافة التطورات السابقة كان تصور "الدولة" في داعش يطال مناطق الاضطراب، وذلك في محاولة لخلق امتداد لها ضمن نفس الجغرافية التي أطلق عليها توي بلير القوس السني، وربما كانت محاولة دمج "جبهة النصر" مع "داعش" هي النقطة المحورية في نوعية المشروع، لأنها خلفت صراعا داميا، علما أن النصرة منتشرة في الجنوب السوري ومناطق ريف حلب وبعض مناطق البادية، بينما كان لداعش مساحة واسعة داخل العراق واستطاعت بسهولة اكتساح مناطق النصرة ابتداء من الرقة ووصولا إلى منطقة "البوكمال" على الحدود السورية.

   انتشار داعش ينقل صورة واضحة عن الاحتمالات في إعادة تشكيل التوازنات، لأن الشرق الأوسط كما تشكل منذ اتفاقية سان ريمون (1920) كان غرضة إغلاق حزامين جيوستراتيجيين، الأول هو الحزام التركي، ولذلك تم منع ظهور دولة كردية، والحزام الإيراني الذي منح مداه عبر منع العراق من الوصول بقوة إلى منفذ بحري واسع، وهو مادفع لإنشاء دولة الكويت ليصبح العراق دولة مغلقة تحتاج لتوازن مع كافة دول الجوار من أجل بقائها، إن الرسم السابق يفترض التالي:

–       أولا عدم قدرة أي دولة موجودة على التحكم بدور مركزي بالمنطقة.

–       ضمان خطوط الإمداد البحري عبر البحر الأحمر والخليج العربي باتجاه المتوسط، ودون التفكير بعودة "عقدة الطاقة" و "عقدة التجارة" للمنطقة، فتكوين الشرق الأوسط كان يضمن بوابة أوروبا بالدرجة الأولى وبخلق توازنا في القوى أو حتى المحاور التي يمكن أن تظهر.

الوجود الأمريكي المتصاعد في المنطقة منذ عام 1956 بعد العدوان الثلاثي على مصر واتباع سياسة سد الفراغ، واجه الشرق الأوسط باحتمالات جديدة، فهو من حيث الميدأ شكل محاور خاصة عبر حزام الشرق الذي تزعمته المملكة العربية السعودية؛ مستفيدة من النفوذ المالي الكبير، ولكن المشكلة الأساسية كانت في ظهور "عقدة الطاقة" السورية التي بدأت منذ "اتفاقية خطوط التابلاين" التي أدت لانقلاب عسكري في سورية بقيادة حسني الزعيم عام 1949، وهذه القضية تصاعدت بشكل واضح منذ عام 1979 يعد تبدل التوجه الإيراني مع "الثورة الإيرانية، ويمكننا هنا تسجيل الملاحظات التالية حول خرائط الشرق الأوسط:

–       بقي التوازن هاجس القوى العظمى إجمالا رغم كافة التبدلات من الحرب الباردة باتجاه النظام العالمي بعد انهيار "الاتحاد السوفياتي".

–       اتخذ التوازن مفهوما جديدا بالنسبة للولايات المتحدة، فهي أرادت شرق أوسط دون محاور، وذلك بعكس بريطانيا وفرنسا اللتان أنشأتا خرائط المنطقة استنادا لمحورين: عراقي – مصري، ثم عراقي تركي في مواجهة مصر، وكانت سورية ولبنان نقطتا ارتكاز هذه المحاور.

–       عدم وجود محاور يعني في النهاية انتهاء الأدوار المركزية للدول الإقليمية، وظهور حالة متداخلة وربما صراعات طويلة يبدو "مشروع داعش" جزءا من تجلياتها، فالولايات المتحدة لم تكن وراء داعش، لكن التفتيت الجغرافي الناشئ سبخلق منطقة لا يمكن خلق محاور فيها.

   داعش كمشروع إقليمي يعني في النهاية التخلص من عقدة الطاقة، ومهما كانت القوى التي تسيطر على مصادر النفط، فإن هذا النفط سينتهي للأسواق العالمية، لكن إغلاق السواحل الشرقية للمتوسط بالنسبة للولايات المتحدة يعني إغلاق المشاريع التجارية البرية الكبرى، وبالتالي خلق توازن مع الصين في الصراع على خطوط الإمداد البحري فقط، فهل يمكن فهم هذا الانتشار الجديد لـ"دولة الخلافة" على امتداد قوس البادية السوري؟ إنها جالة جغرافية – سياسية يصعب تجاوزها دون رسم إقليمي مختلف؛ يعيدنا عمليا إلى "الشرق الأوسط الجديد" ولكن من زاوية مختلفة تماما، ففي النهاية لا يمكن وقف زحف التوحش إلا بمشروعي إقليمي يستند لأدوار دولية، فالشرق الأوسط القادم هو جديد كليا ليس على صعيد الخرائط بل على مستوى المفهوم لهذه الجغرافية في ظل صراعات اقتصادية تمتد من الصين باتجاه الأطلسي.

تقارير ذات صلة