معهد ليفانت للدراسات

داعش… تطورات ما بعد التحالف

ديسمبر 08
17:29 2014

اخترق تنظيم "الدولة الإسلامية في الشام والعراق" قواعد الجغرافية التقليدية؛ متجاوزاً الشكل الأساسي للإرهاب القائم على الانتشار الواسع والضربات السريعة، وقدم التحالف الغربي مسرح قتال له يصعب اعتباره مجرد حرب جديدة ضد الإرهاب، فـ "داعش" اليوم تخلق صراعها الخاص، وتكون معركة لا علاقة لها بالنظام الدولي أو حتى بالاستراتيجية الأمريكية، فهي تقدم لكل الأطراف الدولية مجالاً لإعادة قراءة الشرق الأوسط، وربما صياغته خارج الاعتبارات التقليدية التي سادت منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، فقضية "الدولة – الخلافة" مرتبطة باختبارات عنيفة ربما تخوضها دول المنطقة، لكنها في نفس الوقت تقدم أزمة مختلفة للمجتمع الدولي، فكسر قواعد الجغرافية التقليدية يجعل من الصعب التحكم بالصراع القائم، أو إعادة بناء منظومة الشرق الأوسط بشكل عادي، على الأخص أن قتال داعش هو صراع داخل التاريخ والمجتمع، و"ينسف" التفاهمات الدولية، فيظهر نموذج غير مسبوق من الحروب التي لا تملك هدفاً سوى الحد من الظاهرة (ظاهرة داعش)، أما تصفية هذا التنظيم فلا تبدو مهمة قابلة للتحقق وفق الظرفين الدولي والإقليمي.

انطلاقة داعش

بدايات "داعش" كانت بعد مقتل ابو مصعب الزرقاوي 2006, لكن هذا الأمر لم يكن يعني الكثير على المستوى الإقليمي، رغم أنه كتنظيم كان فرعاً منشقاً عن جبهة "نصرة الشام", وفي 9 نيسان 2013 أعلن أبو بكر البغدادي قيام ""الدولة الإسلامية في العراق والشام"، ونشر خريطة تضم الشرق القديم (سوريا، العراق, الكويت، لبنان، الاردن وفلسطين)، وبالتأكيد فإن الفارق الزمني بين تأسيس "داعش" وإعلان الدولة كان الشرط الأساسي لقيام هذا التنظيم، فهو "امتص" الجغرافية الهشة بين سورية والعراق، وفي نفس الوقت طرح ولو بشكل غير مقصود تصوراً لبنية الشرق الأوسط القادم، والملاحظ أن داعش كظاهرة كانت تحمل معها ثلاثة أمور:

  • اكثر التنظيمات امتلاكاً للقوة البشرية والإمكانات العسكرية واللوجستية, وبالتأكيد هذه الوفرة لم تكن بسبب إيديلوجيتها فقط، بل حظيت بدعم إقليمي ودولي، وإذا كان من غير المؤكد وجود علاقة مباشرة بينها وبين الاستراتيجية الأمريكية، لكن وقائع تطور داعش توضح أنها كانت بوابة للقيام بعمليات فرز سكاني وتكسير بنى الدولة في كل من سورية والعراق، فهذا التنظيم جسد آلية اضطراب فريدة في إعادة صياغة الجغرافية – السياسية للمنطقة ككل.
  • بدت داعشا حلاً معقولاً لكثرة التشكيلات المسلحة في سورية فانتظم تحت لوائه عدد من الألوية والكتائب الإسلامية المنتشرة في شمال وشمال غرب سوريا, والتي لم تقاتله بسبب ماكان يقدمه من رواتب وامتيازات، ولاحقاً استطاع إزاحة جبهة النصرة وباقي المجموعات، مما أتاح له تواجداً منفرداً على الجغرافية من غرب العراق وباتجاه العمق السوري.
  • على خلاف التشكيلات المسلحة الأخرى امتلك التنظيم فاعلية حركية تملك ثلاث مقومات: الأول عقيدة معتمدة على نصوص فقهية ترجع الى أصول شرائعية صريحة استند عليها ابن تيمية في تفكيره الديني (الولاء والبراء), والمقوم الثاني عناصره التي يمكنها بسهولة تبني عقيدته المباشرة، وغالباً ما يعتمد على الشباب من الشرائح الأقل تعليماً، وأخيراً التمركز الجغرافي فبعكس تنظيم القاعدة رسمت داعش حدود الخلافة، ورغم عدم الاعتراف الدولي بشرعيتها لكنها وضعت قواعد واضحة عبر هذه الجغرافية وعلى الأخص في مسألة علاقاتها مع تركيا، حيث حاولت تجنب الاصطدام معها، رغم أنه عقائدياً لا تدخل تركيا ضمن دائرة "دار الإسلام"، فهي جزء من دار الحرب إلا أنها ووفق خرائط داعش خارج نطاق الصراع.

وفق المقومات السابقة فإن ضربات التحالف الأمريكي جاءت لتحدد خطوط الجبهات مع "داعش"، فهي ولو بالضرورة وضعته ضمن إطار "الدولة" عبر تحديد خطوط الضربات الجوية، وعدم التنسيق مع جهتين أساسيتين: الأولى هي تركيا وبهذا الشكل فإن الحدود الشمالية لـ"داعش" باتت واضحة بفعل الضربات الجوية، والجهة الثانية هي الدولة السورية، فـ"التحالف" بذلك يفرض "فراغاً سياساً" تملؤه داعش وليس منطقة تنتشر فيها مجموعات إرهابية.

واقع غير مسبوق

لا تبدو هزيمة "داعش" أمراً ممكناً في ظل استراتيجية لا تتعامل مع مجموعة من المسائل الأساسية التي يتسلح بها، فهو يقوم على مزيج من الحرب الكلاسيكية و "اللاتماثلية"، حيث يمكن ملاحظة الأمور التالية:

أولاً – طبيعة الأساس الجهادي، فمعظم المنظرين لـ"الجهادية" يقفون مع أبو بكر البغدادي، وهو ولاء لا يمكن اغفاله على مستوى التعبئة المحلية أو الإقليمية، فهو تنظيم جديد وضع على الهامش كافة التشكيلات السابقة وذلك قبل أن يدخل في معارك حاسمة معها.

 

ثانياً – الصورة الذهنية التي قدمها من خلال المذابح أو عمليات السبي، وأدت هذه الصورة إلى فرز سريع في المكون السكاني، سواء عبر الهروب من المناطق المتواجد فيها أو التي بنوي الذهاب إليها، وهذه الصورة ليست عاملاً معنوياً فقط، بل تهيء الجغرافية الخاصة بانتشارة من خلال الإزاحة القسرية للعناصر التي لا يمكن أن تنضوي تحت لوائه.

 

ثالثاً – يمتلك التنظيم عاملاً جغرافياً عبر انتشاره الواسع فهو يمتد من البوكمال شرقًا إلى ريف اللاذقيّة المحاذي للبحر المتوسط غربًا؛ فهو قادر على إعادة تشكيل قواه المنسحبة من بعض المناطق، و يعمل على الانتشار في مناطق شمال وشرق سورية ليصل بسهولة الى مجندين جدد والى الموارد والتمويل والامدادات، وليمنع باقي المجموعات المسلحة من استخدام طرق الإمداد.

 

عملياً فإن "داعش" لم يحول من طبيعة عمله حتى بعد ظهور التحالف، وبقي بعمل للسيطرة على ما تبقى من منافذ ومعابر التمويل مابين سوريا وتركيا, مثبتاً بذلك خطوطاً جغرافية لـ"دولته"، فهو بقتال الجميع من اجل السيطرة على المعابر الحدودية ومنابع النفط، ومناطق انتشاره تتطابق مع خارطة حقول النفطـ يسيطر على قسم كبير من حقول النفط السورية بين عامي 2013 و2014. فبدأ بحقول النفط في الرقة، ثم حقول النفط الرئيسية في محافظة دير الزور، التي تضم تسعة حقول وعدد من معامل الغاز هي: حقل التنك في بادية الشعيطات، حقل الورد قرب قرية الدوير الذي ينتج نحو 200 برميل يومياً من النفط الخام، حقل التيم، حقل الجفرة، معمل غاز كونيكو، محطة نفط الخراطة، ومحطة نفط ديرو، ومحطة «تي تو», وهي محطة تقع على خط النفط العراقي – السوري. وحقل العمر النفطي، وهو أحد أهم وأكبر حقول النفط السورية, الذي وصل إنتاجه قبل الأزمة السورية إلى ثلاثين ألف برميل يومياً، ليتدنى بعد سيطرة  التنظيمات الإسلامية عليه إلى عشرة آلاف برميل فقط.

وإذا ما استطاع تنظيم "داعش" السيطرة على حقل الرميلان في  سوريا، والخاضع حالياً لسيطرة قوات "حماية الشعب الكردي", فهو سيطبق على كامل انتاج النفط السوري؛ اذ أن هذا الحقل الاستراتيجي المكون من 1322 بئر، إضافة إلى 25 بئر من الغاز، يغذي مصافي النفط في حمص وبانياس، في وسط سوريا وساحلها. فتنظيم داعش يتحكم اليوم بنفط سوري يعادل بمعدل إنتاجه نظري 180 ألف برميل يومياً، في حين تسيطر القوى الكردية على غالبية حقول النفط المتبقية.

تبدو كافة عناصر القوة متوفرة لتنظيم داعش، وذلك في ظل استراتيجية عسكرية لقوى التحالف غير قادرة على الحد من تحركه، ومن جانب آخر فهو يقوم بتدمير النسيج الاجتماعي للمشرق, مما يخلق توازناً جديداً وربما اختراقاً حقيقياً لعناصر الجغرافية – السياسية ما بين بلاد الشام والعراق، مما يتيح العودة لإنتاج "خرائط جديدة"، وخلق مناخ لبنية "الدولة" في المشرق بما يتوافق والصعود الخاص لنظام شرق أوسطي مازال حتى اللحظة رهناً بتوازنات إقليمية في استراتيجياتها إعادة تشكيل المشرق عموماً.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات – راجع شروط الاستخدام

 

تقارير ذات صلة