معهد ليفانت للدراسات

داريا خارج الصراع .. دمشق آمنة ?

داريا خارج الصراع .. دمشق آمنة ?
سبتمبر 17
14:13 2016

ظهر الرئيس السوري بشار الأسد وهو يصلي صلاة عيد الأضحى في مسجد صغير في مدينة داريا بريف دمشق، فيما يبدو على أنه رسالة للقوى الخارجية المناوئة بأن خاصرة العاصمة، والتي كانت ثاني أهم معاقل الفصائل المسلحة المعارضة في الريف الدمشقي بعد دوما باتت بيد الدولة السورية، وخارج الرهانات الإقليمية والدولية باستخدام المدينة طريقاً لدخول دمشق وإسقاطها. 
 

مع نهاية شهر آب، انتهت داريا من تنفيذ الاتفاق الذي أُبرم مع الحكومة، ويقضي بإخلائها من المسلحين والسلاح تمهيداً لعودة جميع مؤسسات الدولة إليها .. مرحلتان فقط، كانتا كفيلتين بنقل مدنيي المدينة إلى مراكز الإقامة المؤقتة في حرجلة، ونقل أكثر من 700 مسلح مع عائلاتهم إلى ريف إدلب.
 

لم تكن تسوية داريا الأولى في سورية، ولكنها بعد تسوية حمص تشكّل التسوية الأهم التي تؤشّر باتجاه رسم مسار الحرب، ورغم حصول تسويات ومصالحات في أكثر من مكان في سورية، لكنها لم تشكل إلّا نماذج بسيطة تختلف في مضمونها عن تسويتي حمص وداريا، مع الإشارة إلى أن التسويات والمصالحات هذه تأتي بنتيجة ضغوط ميدانية من الجيش السوري تؤدي إلى حصول المصالحة أو التسوية وليس بنتيجة رغبة الفصائل المعارضة.
 

وتختلف المصالحات عملياً عن التسويات في الإجراءات والنتائج، حيث تتم المصالحة بواسطة لجان تتولى الحوار بين الحكومة والفصائل المسلحة تصل إلى مستوى عودة مؤسسات الدولة لممارسة نشاطاتها في مكان المصالحة، مع رفع العلم السوري على هذه المؤسسات ومشاركة المسلحين بمهمات الحراسة مع الوحدات الأمنية والعسكرية السورية بشكل مؤقت إلى أن تحين الفرصة لعودة الحياة إلى شكلها الطبيعي، في حين أنّ التسويات تحصل بخروج المسلحين بأسلحتهم الفردية بعد تسليم الأسلحة المتوسطة والثقيلة للدولة السورية وخروجهم من المنطقة إلى منطقة يختارونها ويتم الاتفاق حولها، وهو ما حصل في حمص سابقاً وحصل في داريا لاحقاً.
 

شكلت داريا، المدينة الواقعة غرب دمشق، وتجاور مطار المزّة العسكري ( أقل من 8 كيلومتر عن ساحة الأمويين مركز العاصمة ) مع جوبر التي تقع شرق العاصمة خاصرتين خطرتين انطلقت منهما عشرات المعارك تحت مسميات كبيرة تهدف إلى السيطرة على العاصمة، لكنها جميعها لم تحقق أهدافها طيلة فترة الحرب، أما وقد أصبحت داريا بيد الجيش السوري، فإنّ متغيرات ميدانية في جبهات غرب دمشق ستحصل في القادم من الأيام، فالقوة التي كان موكلٌ لها تنفيذ مهام عسكرية في داريا ستنضم إلى قوات أخرى في جبهات خان الشيح والدرخبية، وهذا خبر غير سار للفصائل المعارضة.
 

لطالما وصفت داريا بأنها مهد "الثورة" في دمشق و"أيقونتها"، ومكسر العصا للحكومة السورية في الغوطة الغربية، بحيث بقيت عصية على التحرير طيلة أربعة أعوام، كما تعد عقدة الربط مع المعضمية مروراً بالدرخبية وخان الشيح حتى القنيطرة وارتباطها بالغوطة الشرقية ما يعني بأن هذا الإنجاز سينعكس على محيط مدينة دمشق وستؤدي إلى تسويات في كل المواقع، ويرجح أن تمتد ملفات التسوية إلى المدن الأخرى في ريف دمشق، وصولاً إلى مدينة دوما في الغوطة الشرقية والتي تعد معقل ما "جيش الإسلام"، لأن خطوط الدفاع المحيطة بدوما سقطت بعد أن سيطر الجيش على كامل مزارع الريحان مما أدى إلى سقوط الخطوط الدفاعية وهذا ما بدأ يظهر عبر الأصوات التي تطالب بتحقيق نفس العملية والتسوية.
 

التسوية في داريا لم تكن وليدة أيامِ أو حتى أسابيع، إذ جاء ذلك بعد عملية عسكرية طويلة ومعقدة للغاية، يمكن ربطها بكمين منطقة العتيبة الشهير وتمكن الجيش السوري من إطباق الحصار على ريف العاصمة، وقطع خطوط إمداد الفصائل المسلحة نحو الحدود الأردنية، وعزل دمشق وتحصينها بوجه فصائل درعا والقنيطرة، وقطع الارتباط بين الغوطتين الشرقية والغربية، جاعلاً مما سُميَّ "معركة دمشق الكبرى" حبراً على ورق المعارضة وهدفاً غير قابل للتحقق، وانتقل الوضع بالفصائل بهم من مرحلة الهجوم إلى مرحلة حماية مواقعهم في أفضل الأحول، لتسقط البلدات والمدن الدمشقية كأحجار الدومينو في يد الجيش.
 

وقد تمكنت قوات الجيش السوري، قبل إبرام التسوية، من تضييق المساحة الجغرافية التي تسيطر عليها المعارضة من 32 كيلومتر مربع إلى 800 متر مربع فقط، مما شكل ورقة ضغط كبيرة على الفصائل المسلحة، وأجبروا على إبرام صفقة التسوية وفق شروط الحكومة السورية وبدون حتى طلب تدخل الأمم المتحدة، وهذا ما أكده المبعوث الأممي إلى سورية ستافان دي مستورا والذي قال إن الدولة السورية لم تستشره شخصياً أو تستشر الأمم المتحدة فيما يتعلق بتسوية داريا.
 

التسوية في الداخل، والتي لم تعجب قوى خارجية كثيرة تدعم المعارضة، رافقتها بروباغندا إعلامية تحذر من أن تهجير سكان بلدة داريا بموجب الاتفاق بين الحكومة السورية  والمعارضة  قد يعقبه حملة "اعتقالات حتى الموت" بين المهجرين.
 

الكثير من وسائل الإعلام العربية والغربية حاولت إظهار تسوية داريا على أنه تهجير قسري، ومحاولة للتنكيل بالمدنيين، فيما يبدو أنه محاولة لتدويل قضية داريا، وخلق ورقة ضغط جديدة على الحكومة السورية، لكن وبعد مضي أسبوعين على التسوية يظهر أن داريا باتت فعلاً خارج دائرة الصراع وأُغلق ملفها، ولم يعد هناك من فائدة لفتح الملف، أضف إلى ذلك أنه لم يعد أحد في الداخل أو الخارج يتحدث التسوية التي حسمت لصالح حكومة دمشق.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة