معهد ليفانت للدراسات

خفايا هزيمة الجيش العراقي في الموصل: مؤامرة في المؤامرة

أغسطس 07
23:48 2014

يضرب المحللون والمراقبون أخماساً بأسداس وهم يبحثون عن أسرار هزيمة قوات عديدها مئة وأربعون ألف مقاتل (أربع فرق، قوام كل فرقة خمسة وثلاثون ألف جندي)، تمتلك ما يقرب من نصف مليون قطعة سلاح متنوعة، من بندقية الى أحدث مدفعية وأقوى سلاح دروع ودبّابات وطائرات مروحية مقاتلة، قيمتها عشرات المليارات من الدولارات. وبصرف النظر عن حجم القوة المقابلة، التي قيل إنها لا تتجاوز بضعة آلاف، (وقيل المئات أيضاً)، فإن السرّ المحيّر لا يكمن في الخسارة العسكرية، أي بنتائج المعركة، بل في «اختفاء» هذا الجيش العرمرم.

والأكثر إثارة «اختفاؤه» تاركاً خلفه أسلحته وحتى وسائل نقله. إن ترك الدبابة والمدرعة باعتبارهما «وسيلة نقل» سريعة، والهروب ركضاً على الأقدام، أثار الحيرة الشديدة، وجعل تعبير «انسحاب»، الذي استخدمه مسعود البارزاني وأثيل النجيفي باطلاً، وتعبير «استسلام» الذي استخدمه محتلو الموصل خالياً من الدقة، وتعبير «تراجع» الذي استخدمته الحكومة العراقية مضللاً. لقد أشار المالكي في أول خطاب له عقب الحدث إلى أنه سيقاضي المتراجعين حتى لو اختبأوا في «بيوت أمهاتهم». لكن الوقائع تشير الى أنه لم يذهب أحد الى بيت أمه. فأين اختفى هذا الجيش الجرّار؟ الجميع يعرف أين ذهبت الأسلحة، التي تقاسمها الخصوم المسلحون والقوات الكردية. ولكن أين ذهب الجيش؟
هذا هو السؤال الأول، الذي يُعدّ مفتاحاً ممهداً لحلّ لغز سقوط الموصل. وهو سؤال لم يجب عنه تيار «دولة القانون» الحاكم.

لماذا الموصل؟

أربعة أسباب تجعل من الموصل هدفاً رئيساً في الصراع القائم. الأول، تاريخي يعود الى أن الموصول، وليس الرمادي، تشكل ذاكرة تاريخية قومية تؤهل رمزياً لقيام دولة عربية (سامراء أيضاً)، وتؤهل اجتماعياً بسبب بعدها القومي وحجمها السكاني لقيام كيان مواز لبغداد. ثانياً، الطبيعة الجغرافية النموذجية: متاخمتها لتركيا، التي هي طرف رئيس في السقوط، ومتاخمتها للحدود السورية، التي تعطيها بعداً جغرافياً وعسكرياً توحيدياً، ومتاخمتها للقوات الكردية، التي تمنح مسلحيها حرية الحركة بحيادية مطلقة، (أكدت وزارة البيشمركة في حكومة إقليم كردستان العراق أن قواتها مسؤولة عن الحفاظ على أمن إقليم كردستان والمناطق الكردستانية خارج الإقليم، وإن إقليم كردستان ليس طرفاً في ايّ نزاع بين المكونات، وهددت بـ «الرد بقوة» إذا استمرت الجماعات الإرهابية بمهاجمة قواتها في تلك المناطق. («المدى»، العدد 3114، السبت 28/06/2014)، وبعدها عن المركز (قام فيها أول تمرد عسكري واسع على حكومة عبدالكريم قاسم في 8 آذار 1959).
أما السبب الثالث فهو عسكري خالص. فقد انشغلت القوات العراقية بمواجهات عسكرية واسعة في مناطق غرب العراق، وظلت المواجهات العسكرية في الموصل محدودة نسبياً، مع سيطرة ظاهرية للجيش العراقي على جلّ القصبات والأحياء السكنية، وسيطرة تامة على قضاء «تلعفر» ذي الهوية الشيعية – التركمانية. قبيل سقوط الموصل استطاعت المجموعات المسلحة السيطرة على المدينة التاريخية الرمزية الثانية سامراء، لمدة يومين، في هجوم مباغت. ثم اعلنت الحكومة تطهير سامراء وتحويلها نقطة دفاع وتحشيد متقدمة الى الشمال من بغداد. احتلال سامراء واختفاء المهاجمين بعد استعادتها يذكّر الجميع بحادثة هروب سجناء «أبو غريب» الألف واختفائهم. وهي سابقة تؤكد الفرضية نفسها، التي ارتكزت إليها عملية احتلال الموصل. فقد أثبتت هذه الأحداث بشكل جلي الخصائص الجوهرية الحقيقية للجيش العراقي. جيش أكثر غربة من جيوش الاحتلال، لا يسيطر إلا على الطرق الرئيسية، حتى في العاصمة ومحيطها. الخلاصة التي توصل اليها المسلحون، ويعرفها خصوم المالكي، هي أنهم يواجهون هياكل نارية حاشدة ومتطورة، لكنها خالية من التجانس والوحدة والإرادة البشرية والفعالية المهنية، ما يسهل عملية اختراقها واصطيادها وتدميرها.

ولكن لماذا الموصل الآن؟

من الضروري هنا الإشارة الى حقيقة يجهلها كثيرون، هي أن الموصل لم تكن ضمن مناطق النفوذ البريطاني في معاهدة التقسيم المسماة «سايكس – بيكو» 1916. لقد انتزعها البريطانيون من يد الفرنسيين، وجعلوها وسيلة للابتزاز السياسي طوال عقد من الزمن. لذلك لم تكن الموصل ضمن قواعد التأسيس، بل كانت ضمن قواعد إعادة التأسيس. لقد لعب البريطانيون بالورقة الموصلية لعبة مركبّة، استخدموها لغرض ابتزاز الملك فيصل الأول وتخويفه بالمطالب التركية القاضية بتبعية الموصل لها، واستخدموها ورقة ضغط ضد الفرنسيين أيضاً في مواجهة تركيا، ثم استخدموها لمصلحة الأميركيين في عملية التحاصص النفطي في مواجهة فرنسا. كانت الموصل لعبة البريطانيين المفضلة والرابحة في سنوات إعادة التأسيس، وها هي تعود مجدداً ورقة مهمة في خطط إعادة التأسيس ولكن أميركياً. السيطرة على الموصل وبيجي وتقاسم كركوك يقود الى نشوء دولتين نفطيتين جديدتين في المنطقة، هما دولة كردستان وإمارة العراق والشام. أما تركيا فهي لا تحتاج الى دور نفطي، لأنها المتحكم الأول والأخير في شؤون تسويق نفط الدولتين. ولهذا وجدنا حكومة الاردن تسعى هي الأخرى بقوة للحصول على دور ما في حصص توزيع النفط. وما دعمها للمعارضة العسكرية في العراق سوى ورقة ابتزاز للطرفين الحكومي والمعارض. هذا هو السبب الرابع في نظرية سقوط الموصل.

تشابك الأسباب والنتائج

ولكن، لغرض فهم هذا التشابك المعقد، لا بد من العودة بضع سنوات الى الوراء، الى عام 2008، الى ما يعرف بـ «صولة الفرسان». آنذاك قامت القوات العراقية بتطويق الموصل لأشهر عدة، وأُجلت لحظة الاقتحام مرات عدة، حتى بلغ التهديد بالاقتحام الذروة في العشرين من آذار. رافق التصعيد العسكري تصعيد طائفي اتهم فيه المالكي بالعداء للسنة، واتهم المالكي خصومه بالتآمر الطائفي لتقسيم العراق.

ولكن، فجأة، ومن دون تمهيد، وجد الشعب العراقي أن قوات «صولة الفرسان» انقضّت بسرعة فائقة (خلال ست وثلاثين ساعة)، بمعونة قوات بريطانية على البصرة، ثم على مدينة الصدر في بغداد بمعونة قوات أميركية، ومرّت الصولة على مدن جنوبية أخرى كالناصرية والعمارة. لقد استدارت القوات الحكومية بنسبة 180 درجة مئوية باتجاه الجنوب، أي باتجاه المناطق الشيعية، لتحدث مجازر جماعية، سقط على إثرها أكثر من ثلاثة آلاف قتيل، وأجريت تصفية خصوم أقوياء مسلحين كجيش المهدي وجماعة الصرخي (تعالت الأصوات عقب سقوط الموصل لاجتثاث ما بقي منهم!). تمت الاستدارة في وقت كان ما يعرف بـ»جماعة المانحين» تعقد اجتماعاتها في الكويت. لقد سمع المجتمعون أصوات المدافع وهي تدك البصرة الشيعية. كانت رسالة المالكي واضحة: لست طائفياً، بدليل أنني قادر على سلخ جلد الشيعة. الرسالة نفسها أعلنها المالكي في مؤتمر ستوكهولم للمانحين، الذي عقد عقب الصولة: لست طائفياً، كما يدعي الذين اتهموني بتطويق الموصل، التي كان بمقدوري اقتحامها ولم أفعل.
عقيدة قتالية أم مؤامرة: الجيش الراقص!

تفسيران رئيسان مهمان حاولا ايضاح سبب «اختفاء» القوات العراقية. الأول يقول بنظرية فقدان العقيدة القتالية. وهو رأي يجمع عليه كل القائلين، عدا جماعة المالكي، التي تصرّ على نظرية المؤامرة. ولكن عند تمحيص التفسيرين نجد أنهما خاطئان تماماً، كتفسير أحادي، إذا أخذ كل واحد منهما منفصلاً عن الآخر، ولكنهما صائبان تماماً باعتبارهما حزمة متكاملة.
القائلون بفقدان العقيدة، صائبون في موطن واحد، هو أن للعقيدة القتالية للجيش دوراً كبيراً في حدوث الهزيمة الخيالية لقوات عسكرية ضاربة أمام عدد محدود من المقاتلين المسلحين بأسلحة متوسطة. بيد ان الخلل يكمن في نفي وجود العقيدة، وليس في تثبيتها سبباً للهزيمة. إن الجيش الذي كان يطوق مناطق صلاح الدين والموصل والفلوجة والرمادي لم يكن مجرداً من العقيدة. كان يمتلك عقيدة واضحة المعالم، يستطيع أي متابع للانترنت تشخيصها بدقة بالغة. في الأفلام التي بثتها مصادر شيعية طائفية، ترتبط بالقوات العراقية، نجد مئات الوثائق التي ترسم عقيدة هذه القوات. نضع بين يدي القارئ وثيقتين فحسب، هما فيلمان قصيران عن طبيعة القوات العراقية في الموصل وسبل تعاملها مع خصومها ومحتوى خطابها الموجه الى الشعب:
الوثيقة المسماة «العقيد المتوحش خالد (كوسوفي) الذي ملأ الموصل رعباً»، في الوثيقتين نجد أننا لا نرى جيشاً وطنياً، بل نجد عسكريين متحللين خلقياً، يفتقرون الى القيم الوطنية والى القواعد المهنية والمشاعر الإنسانية يرقصون حول أسرى معصوبي الأعين بطرق مثيرة للقرف، ويتغنون بشعارات يحمّلونها مضموناً عقائدياً زائفاً، يقوم على الأسس التالية: إن النصر لا يتحقق بفعل إيمانهم بقيمهم الوطنية وإخلاصهم وتدريبهم، بل يأتي من مصدر إلهامي واحد، هو «حيدرة» – الإمام علي- الذي اعتبره التاريخ المثال الأعظم للتسامح حتى مع قاتليه. لقد أثبتت وقائع جلسات الحوار في الأيام الماضية أن تيار المالكي هو التيار الأكثر استخفافاً برأي المرجعية الشيعية، التي يتظاهر دجلاً بتقديسها! وشتان أيضاً ما بين جيش المالكي الراقص والعقيدة القتالية والأخلاقية لـ»حيدرة» الكرار! والثاني نعت أعدائهم بأوصاف تحقيرية، بعضها طائفي صريح والآخر جنسي بشع، كالاتهام باللواطة وغيرها. أمّا أهمها فهو اتهام خصومهم بأنهم جبناء «يهربون كالنسوان». وقد أظهر هذا الجيش أن انطباعاته العقائدية عن معارضيه معكوسة تماماً، حينما كشف للجميع جبناً مثيراً للدهشة أثناء هروبه من أرض المعركة الوهمية. ثالثاً: حددت هذه الوثائق أنهم يتبعون نهجاً سياسياً محدداً ومعروفاً، اسمه: «صولة الفرسان»، بكل ما يحمله التعبير من دلالات، أولها أنهم يثبتون لا طائفيتهم عن طريق الضرب الوحشي للشيعة قبل السنة، وأنهم لا يملكون في مواجهة المدن السنيّة سوى الحركة على الطرقات الخارجية، وفي داخل المدن لا يملكون سوى التحكم بنقاط السيطرة والحواجز، وأن مهمتهم التي دربهم جنود الاحتلال عليها لا تتعدى اقتحام البيوت والتنكيل بأهلها وتحقيرهم، أو ضرب الأحياء السكنية عن بعد. جيش مثل هذا، بمثل هذه العقيدة، جرى تكوينه على يد مدربين أميركيين، يحملون عقيدة المحتل العسكرية، في ظل الفساد الإداري والأخلاقي؛ جيش له عقيدة قائمة على الارتزاق العلني والتنكيل العلني والتبجح اللاأخلاقي، لا يستطيع تأدية مهمات قتالية من أي صنف، ناهيك عن القيام بمهمات وطنية كبرى. إن العقيدة التي بني عليها جيش «العراق الديموقراطي» قائمة على مبدأ الفساد الكلي أخلاقياً ومهنياً. وقد وصل هذا الفساد حدوداً تفوق الخيال. فقد اكتشف مسؤولو محافظة الأنبار الموالون للحكومة أن بعض أفواج الجيش العراقي، التي طلبوا نجدتها لصد هجوم المسلحين كانت وهميّة. واكتشف مقاتلو «الصحوات»، الذين قاتلوا في المناطق المضطربة الى جانب الدولة، أنهم حرموا من رواتبهم أشهراً عدة، لأن من عهد اليه المالكي بتمويل المقاتلين اختفى مع رواتبهم! لقد اضطرت السلطة الى الاعتراف ببعض تلك الفضائح لتغطية حجم الفساد العظيم. في منتصف عام 2007، بعد سنتين من تسلم الماكي مهمات بناء الجيش ظهرت الحقائق الآتية:

«كشف وكيل وزارة الداخلية لشؤون القوة المساندة اللواء احمد الخفاجي ان لجنة تدقيق الاعداد الحقيقية لعدد المنتسبين في وزارة الداخلية كشفت 26 ألف اسم وهمي بحماية المنشآت الحيوية في العراق (واحدة فقط من مؤسسات الجهاز العسكري) بينما كشف وكيل آخر لوزارة الداخلية ان منتسبي القوى الأمنية واالجيش في العراق تجاوز عددهم 300 ألف الا ان 70 ألفاً منهم غير مدربين او مؤهلين.
وقال اللواء عبد الكريم خلف مدير مركز القيادة الوطني في الوزارة أن وزارته تحقق بقضايا 964 من منتسبيها يحملون رتبة ضابط من دون وجود ما يشير إلي تخرجهم من كليات أو معاهد عسكرية.
فيما ذكرت مصادر مطلعة أن هناك 4 آلاف ضابط زوروا الوثائق التي منحوا على أساسها رتبهم العسكرية.
قائد الشرطة السابق في محافظة البصرة غالب الجزائري ذكر في وقت سابق انه أجبر على «تعيين ما بين 300 و400 ضابط من الأميين تماما».
(نقلا عن أخبار اليمن / القدس العربي الأربعاء 04 تموز 2007)

المؤامرة!

رأي المالكي القاضي بوجود مؤامرة، لا تدحضه مجريات الأحداث، بل تدعمه بقوة. أطراف «المؤامرة» كشفت أوراقها بسفور تام وعلى عجل، بإعلان البارزاني أن العراق القديم سقط و»أننا أمام واقع جديد، له معادلات جديدة»، وأن قواته لن تشتبك مع القوى المسلحة، التي احتلت ثلاث محافظات عراقية، إلا إذا تعرضت لاعتداء مباشر، لأن احتلال الموصل وصلاح الدين يقع خارج اهتمام القيادات الكردية في علاقتها بالمجتمع العراقي. ذلك هو الطرف الأول والأخطر من المؤامرة. البيان الذي تلاه أثيل النجيفي محافظ نينوى، عقب وصوله الى أربيل، كشف الجانب الثاني للمؤامرة، والذي يتمثل في معرفة النجيفي بالتخطيط العسكري للحدث، وفي بقائه في الموصل، حتى تأكده من أن المسلحين لم ولن ينفذوا الاتفاقية المبرمة معه: تسليمه السلطة الإدارية المدنية وحصر نفوذهم بالقيادة العسكرية. لقد كانت مفاجأة انهيار القوات العراقية مذهلة حتى للمسلحين، الذين وجدوا أنهم في حلّ تام من أي اتفاق سابق للنصر الباهر. وهو عين ما حدث في سوريا. هفوات كثيرة ارتكبها النجيفي في بيانه، أبرزها: اختفاء شرطته المحلية، التي هي من أبناء نينوى، وأنه قدّر حجم موجودات الدولة العراقية في بنوك الموصل بما يقرب من نصف مليار دولار (442 مليون)، لكنه لم يقم بحمايتها أو تأمين عدم وقوعها في أيدي المسلحين، رغم ادعائه أنه حذر السلطة قبل أيام من احتلال الموصل. وعلى العكس من ذلك وجه دعوة الى موظفي الدولة بمواصلة أعمالهم وعدم ترك وظائفهم، وتعهد شخصياً تأمين رواتبهم مهما طالت الأزمة! أما الأمر الرابع فهو توجهه الى أربيل بدلاً من بغداد عاصمة بلاده ومركز حكومته، والأمر الخامس، وهو أمر تافه، سعيه الى حضور مؤتمر عمان المعارض. أهم مساعدي علاوي، ميسون الدملوجي، اعتبرت أن وجود «داعش» تضليل إعلامي مبالغ فيه. وهذا التصريح تعبير عن موقف القائمة العراقية من طبيعة الصراع على الموصل، ودور هذه القائمة في التحشيد الإعلامي والحزبي لمواجهة السلطة المركزية.
من هنا نرى أن نظرية المؤامرة المالكية لها قدر معلوم من الصحة. ولكن هذا الأمر يستدعي من الجيش العراقي، سواء افترضنا أنه بلا عقيدة قتالية أو بعقيدة مشوهة، أن يقوم بالتصدي للمؤامرة، في الأقل بالانسحاب المنظم أو حتى المرتبك، الى مناطق أكثر أمناً، وليس الاختفاء التام والتبخر.
ماذا حدث ليلة التاسع من تموز في الموصل؟

مؤامرة في المؤامرة

لماذا قامت المؤامرة؟ لم تنجح مساعي رئيس حكومة كردستان، وجهود كتلة إياد علاوي، ونشاط مجموعة الأخوين النجيفي، على مدى السنوات المنصرمة، في تقرير مصير المالكي بطرق سياسية. على العكس، تمكن المالكي من تفكيك وحدة قائمة علاوي، ونخر كتلة النجيفي، وأطاح بطارق الهاشمي وتياره، وحتى الكتلة الشيعية تمكن من إضعافها بإنهاك الصدريين ومشاغلة المجلس الأعلى وتحجيم زعاماته. وفي الجبهة الكردية نشأت اصطفافات جديدة منحت المالكي قدراً أوسع من المناورة. لكن ثمن هذا النجاح كان باهظاً جداً: إغراق البلاد في موجة عارمة من الفساد المالي والاداري والسياسي والقانوني، مقرونة بالعنف العبثي السافر. لقد نجا المالكي من ضغط خصومه، لكنه جعل البلاد بثرواتها العظيمة ساحة للعنف وغياب الخدمات ونهب الثروات وتعطيل مفاصل الحياة كافة. بهذا أثبت المالكي أنه تعلم الدرس جيداً، وليس بمقدور أحد تقرير مصيره سياسياً بستة أشهر، كما حدث لسابقه ابراهيم الجعفري. وفي الوقت عينه وجد خصوم المالكي أن غريمهم نجح حقاً في إفشال مخططاتهم، بل زاد في الأمر أنه قرر مواصلة الحكم، دستورياً، لدورة ثالثة، على رغم أنوفهم جميعاً. أمام هذه الحقائق وجد المنافسون أنه آن الأوان لاسقاط المالكي، ولكن عن طريق الاستعانة بالشيطان هذه المرة، سواء أكان شيطاناً داخلياً جاهزاً للفعل، أو خارجياً ينتظر على الحدود إشارات الدعوة.
ومن جانب آخر أثبتت تجربة السنوات العصيبة المنصرمة للمالكي شخصياً، أنه إذا استطاع أن يفرض وجوده حاكماً بطرق عبثية، وأن يطيل فترة حكمه الى أكثر من عقد، فإنه لم ينجح في كسر شوكة خصومه، وأن حربه المفتوحة معهم قادت الى ثورة عارمة في المناطق السنيّة لا يمكن اخمادها بالقوة، فلتت فيها الموازين العسكرية والسياسية من يده تماماً. فما الحل؟ هل سيأتي الى ولاية ثالثة وهو يقف على أرض مرتجة مزروعة بالألغام والجثث والمؤامرات؟ حتام؟
كان لا بد من الحسم. لقد أضحى الحسم متبادلاً وضرورياً. لكنه حسم مكشوف المسارات. فقد بات كل طرف على معرفة تامة بخطط الآخر وباتجاهات حركته. وإذا كان الحسم في الموصل قد جرى بمؤامرة فتحت فيها الحدود والحاضنات والطرقات للقوى المعارضة المسلحة بمختلف ألوانها، رافقتها حملة إعلامية ضخمة، فإن حسم المالكي كان معاكساً تماماً في الاتجاه، مشابهاً في الوسيلة: الانسحاب جنوباً والتمركز شمال بغداد، وترك القوى الكردية والفئات السنيّة المعارضة في مواجهة « داعش» ومجاميع عزة الدوري عسكرياً، ووضع مكونات المجتمع العراقي من مسلمين معتدلين ومسيحيين وشبك وأيزيدية تحت رحمة التكفييريين والمتطرفين، من أجل كسب عطف الداخل والخارج بيسر تام. وفي الأحوال كافة، يرى المالكي أنه سيظل في الوضع الراهن ، كما خطط هو وتياره، رئيساً لوزراء عراق مصغّر عملياً، كبير اسمياً. إنهم يتبادلون غمزات الانفصال القاتلة: البارزاني علناً، والقادة السنة خجلاً صريحاً أو مستتراً، والمالكي انسحاباً يؤيده أبرز مكونات الشيعة علناً، المجلس الأعلى، الذي هب قادته الى ارتداء ملابس الحرب فوراً، لكي يضللوا قاعدتهم الشيعية، التي ترك بعضها في نينوى عارياً في جحيم التكفيريين، وجرى تسفير بعضها الآخر الى المناطق الشيعية في الوسط والجنوب. انه توافق سياسي تام وممنهج على مؤامرة التنظيف العرقي والمذهبي الممهد للانفصال المحتمل. وحتى لو فشل تيار «دولة القانون» في استعادة كيان العراق الموحد في ظل حكومته، سيذكرنا هذا التجمع السياسي المصطنع، في يوم أسود آت، بأنه احتفظ للشيعة العرب بأكبر جزء ممكن مما كان يعرف سابقاً بالعراق، «عراق ما قبل 9 تموز»، كما وصفه البارزاني.
كانت خطة المالكي هي استلهام النموذج السوري، ولكن في اللحظة الخاطئة، والمكان الخاطئ، والوسائل الخاطئة. فلم تكن الموصل هي الرقّة، ولم يكن المالكي بشار الأسد، ولم يكن الجيش العراقي شبيها بالجيش السوري، ولم تكن بغداد البعيدة دمشق المحاصرة، ولم تكن القامشلي أربيل. كانت مراهنة خصوم المالكي على ضعف أهليّة القيادات السياسية الشيعية صائبة تماماً.
خطة المالكي كانت مكشوفة لدى منافسيه، البارزاني تحديداً. لذلك جرى توتير الأجواء في بغداد سياسياً ومركزتها في نقطة محددة: رفض التجديد للمالكي. وتم فتح ثغرات، بواسطة قوات الأمن الكردي «الأسايش» والبيشمركة، لتحرك القوى التكفيرية وبقايا النظام السابق والناقمين على اخفاقات المركز، التي وصلت الى سامراء وقامت باحتلالها، في إشارة رمزية تمويهية الى أن بغداد هي الهدف. لذلك عجّل المالكي بتفيذ خطته السرية: الانسحاب. لكنه غاب عنه أن الآخرين العارفين بمخططه سيعمدون الى تنفيذ خطة داخل خطته. لذلك قام خصومه فور اصداره أوامر التحرك الى خارج القوس السنّي والتمركز جنوب صلاح الدين، مع ابقاء قوة محدودة في «تلعفر» بتفعيل خطتها الداخلية والخارجية، التي نفذت من الخارج بفتح ممرات للمسلحين، ومن الداخل باستسلام الشرطة المحلية أو التحاقها بالمسلحين، وبإيصال قرار المالكي بالانسحاب، ولكن عن طريق تطويره وتلغيمه من قبل قواهم الموجودة داخل الوحدات العسكرية، بالدعوة الى هروب جماعي، من دون سلاح كشرط أساسي للنجاة، واعتبار هذه الدعوة هي الترجمة الحرفية لقرار القائد الأعلى للقوات المسلحة بالانسحاب. كانت ملابس الهاربين المدنية الموحدّة مهيئة في الشاحنات!
لقد أراد المالكي أن يتآمر على خصومه، لكنهم نجحوا في جعلها مؤامرة داخل المؤامرة.
إن أطراف المؤامرة، جميعها، مسؤولة أمام التاريخ عن جريمة التآمر على الشعب، ومسؤولة جنائياً عن استخدام أبناء الشعب وموارده ووجوده وسيلة لتحقيق السيطرة السياسية، وحل النزاعات.
بيد أن مشكلة العراق المزمنة لا تكمن في معرفة الأسرار، بل في أن تاريخ الفساد السلطوي والعنف التكراري يعيد نفسه. سبب ذلك يعود الى أن العراقيين يحصرون الفشل السياسي بالأشخاص وليس بالمؤسسة والنظام السياسي. المالكي وليس الكتلة التي حكم باسمها، علاوي وليس قائمته التي أوصلته الى الحكم، البارزاني وليس مؤسسة الحكم الملكية الأبدية، صدام وليس نظامه السياسي، عبد الكريم قاسم وليس منظومة السلطة، نوري السعيد والوصي وليس النظام الملكي. وها هم يجلسون الآن لغرض إعادة ترتيب الأسماء، متناسين شيئاً جوهرياً اسمه «العرق الجديد»، الذي شيده الأميركان على طريقتهم الخاصة جداً.
لا أحد يستطيع الآن الخروج على قاعدة إعادة التأسيس، التي رسمها الاحتلال: القادة الكرد يرفضون رفضاً تاماً الجلوس في مقاعد البرلمان كمعارضة. ويصرّون على وجود وزراء واستحصال ثروات باعتبارهم جزءاً من السلطة الحاكمة عراقياً، ولكنهم يشغلون دور المعارضة في ابتزازهم للمركز. والسنة حائرون، يندبون مركزيتهم الضائعة، بعضهم يبحث عن مركز ولو كان مصغراً، أو ملحقاً بكيان ما. أما القوى السياسية الطائفية الشيعية فهي تقتدي بشعار المالكي: «أخذناها ولن نعطيها»، حتى لو أن ما أخذ لا يعدو أن يكون عراقاً اسميّاً.
الجميع متخندقون في أحقاد مشروع إعادة التأسيس المقدسة.

سلام عبود –  ناقد وروائي عراقي

 جريدة الأخبار – العدد ٢٣٥٩ الاثنين ٤ آب ٢٠١٤

تقارير ذات صلة