معهد ليفانت للدراسات

خطة المبعوث الاممي .. هل تكون برنامج عمل دولي ؟

ديسمبر 15
13:54 2014

يقدم ستيفان دي ميستورا فهماً مختلفا للصراع الدائر في سورية، فينطلق من محاولة إيجاد نموذج عمل يحكم ساحة المعركة تحديداً، وبالتأكيد فإن تجربته السابقة في إيصال المساعدات الإنسانية لمناطق الصراع تحكم الكثير من تفاصيل عمله الحالي، فتجميد القتال حسب تصريحاته لصحيفة الحياة (13/12/2014)، هو لفتح ثغرة سياسية عبر دخول المساعدات وضخ الاستثمارات، فـ"دي ميستورا" يريد خلق بيئة فقط، فيتحدث بصراحة عن أن بقاية القضايا معني بها السوريون، مثل المرحلة الانتقالية على سبيل المثال، فالتفاصيل السياسية تقع على هامش تحركه الحالي، فهل هناك اختلاف حقيقي في تعاطي المنظمة الدولية مع الأزمة السورية؟ في المقابل هل يعكس دي ميستورا حالة مخالفة لما كان يحمله المبعوث السابق الأخضر الإبراهيمي؟

سلطات متعددة

عملياً فإن "تجميد القتال" هو الخط الأساسي الذي يريد مبعوث الأمم المتحدة تحقيقه، وبغض النظر عن التفاصيل التقنية غير الواضحة لهذا الأمر لكنها تحمل معها رؤية الصراع وفق ثلاث خطوط :

  • الأول هو الخط الإنساني الذي يمكنه إحراج أي طرف، فيبدو هذا "التجميد" أسلوباً لتخفيف المعاناة من جهة، وزج المنظمات الدولية في إيجاد الحل وذلك بعيداً عن التجاذبات الدولية، حيث ستصبح المساعدات هي قاعدة الانطلاق في هذه الخطة.

والواضح من الخط الإنساني هو التعامل المباشر مع المجتمعات المحلية دون وسيط إقليمي أو دولي، فـ ـ"دي ميستورا" يتيح بذلك الدخول للتفاصيل التقنية، وترك الهامش السياسي للمساعي الدولية، فهو في حديثه لنفس الصحيفة (الحياة) لا يعتبر التجميد تقسيماً، لكنه سيخلق سلطة مدنية موازية لسلطة الدولة، وذلك بانتظار الحلول السياسية الكبرى.

  • الثاني هو التعامل مع الواقع كما هو دون الدخول في اشتراطات مسبقة، فلا آليات واضحة لوقف القتال أو سحب السلاح، ولا حتى لانحسار المسلحين أو عودة مؤسسات الدولة، فالمهم هنا هو الاغاثة التي ستخلق بذاتها حالة جديدة، أو "تدفق الاستثمارات" وهو ما يعني أن التجميد طويل الأمد يتيح الاعمار قبل الوصول لحل سياسي نهائي.

هذا التصور في خلق حالة استقرار رغم بقاء الأزمة في نفس موقعها السياسي سيتيح حسب رؤية دي ميستورا تعديلاً في البنية الاجتماعية لمناطق القتال، فإزاحة المسلحين تتم وفق سياق اقتصادي تنموي وليس عسكري، وهو سيخلق وفق مؤشر أول قيادات سياسية بديلة تمثل وكلاء للمنظمات أو المستثمرين الذين سيضخون المال للمناطق التي يشملها تجميد القتال.

  • الخط الثالث هو الشرعية الدولية التي سيتم فرضها في حال تجميد القتال، وهنا يفترض بتصور دي ميستورا أن خطته تستند على قاعدة أوسع لأنها تسعى لعدم تغيير الجبهات حتى خارج حلب، فهناك دور للسلطة السورية في هذا التجميد سواء في حماية مناطقها أو في التعاون مع المنظمات القادمة، وتأتي الشرعية الدولية لتراقب مشكلة سلطة إضافية في تلك المناطق.

وإذا كان من الصعب رسم لوحة كاملة لما يريده دي ميستورا، نظراً للتكتم أو التعقيد، فإن الحالة الأساسية يسهل فهمها: إنه يريد تغير بنية الصراع القائم، فهو لم يطلق على خطته فك اشتباك أو وقفاً لإطلاق النار، ورفض مقاربتها مع ما حدث في حمص، فمناطق التجميد ستدخل في مرحلة من تعدد السلطات بشكل تدريجي، والغاية في النهاية مواجهة القتال بسلطة مدنية بديلة مدعومة مالياً ومحصنة بشرعية دولية، وهذا التفكير ليس جديداً في ذهنية الأمم المتحدة لتفكيك الصراعات، وهو مطبق على الأقل في النموذج الفلسطيني رغم اختلاف نوعية وطبيعة الصراع.

بيئة للتحالف

دي ميستورا أبدى اهتمامه بالمبادرة الروسية، واعتبر أن خطته تملك ما يكفي لتكون مقبولة من موسكو، ولكن تجميد القتال يبدو أقرب في التفكير السياسي إلى منطق التحالف العسكري الذي تقوده الولايات المتحدة لحرب داعش، فهذا "التجميد" حتى وإن ظهر ضمن هامش من "الحياد" لكنه يدخل ضمن سياق لرسم حدود واضحة للصراع مع "داعش"، فالخطة وعلى مستوى المجموعات المسلحة ستخلق فرزاً واضحاً، وهو ما يسهل المهمة الأمريكية في تحديد "المعتدلين" الذين تريد إعادة تأهيلهم لقتال "داعش".

في المقابل فإن تفاصيل "التجميد" غير المعلنة تحمل مؤشرات يمكن فهمها من تصريحات دي ميستورا فهو يعتبر "مفهوم التجميد يتضمن وقف النشاطات العسكرية وليس إعادة الانتشار"، ويربط هذا الأمر بالمساعدات التي ستتدفق، فهل هو حد لحركة الجيش السوري؟ من الصعب إيجاد جواب لذلك لكنه على الأقل يضع "مجالاً محددا" للحركة العسكرية، لأنه يريد تحريك المجتمعات المحلية من أجل فتح ثغرات سياسية.

البيئة الجديدة التي يريدها دي ميستورا تنطلق من احتياجات الناس التي أتعبتها الحرب، وحتى شرائح المسلحين المختلفة باتت تعاني نتيجة الانهيار في مستوى الانتاج في مناطقها، أو نتيجة صراعها للسيطرة على الجغرافية وخلق تفوق في مواجهة الجيش السوري، ولكن هذه الاحتياجات سرعان ما ستجد حالة من التجنيد السياسي في حال تطبيع عملية التجميد، وإذا لم يظهر اتفاق على حل سياسي كامل فإن خطة دي ميستورا، رغم غياب التفاصيل ربما تخلق "كانتونات" وذلك وفق المصدر الذي يمول المساعدة والاستثمار، فلا شي يضمن حتى اللحظة عدم وجود أدوار إقليمية أو دولية داخل "خطة التجميد".

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات – راجع شروط الاستخدام

تقارير ذات صلة