معهد ليفانت للدراسات

خطبة قاضي القضاة التي هزت عرش المملكة

خطبة قاضي القضاة التي هزت عرش المملكة
مارس 05
22:23 2017

خطبة جمعة نارية، ألقاها الشيخ أحمد هليل، قاضي قضاة المملكة الأردنية الهاشمية، من فوق منبر مسجد الملك حسين، في العاصمة عمان، كانت السبب في إقصاء الشيخ من جميع المناصب التي تقلدها من سنوات طويلة، لتنتهي مسيرة الرجل، بشكل مفاجئ.
 

استقالة قاضي قضاة الأردن من جميع مناصبه بعد إلقائه خطبة، انتقد فيها حكّام الخليج وحذّرهم من انعكاسات انهيار النظام في الأردن على دولهم، ودعاهم إلى تقديم المزيد من الدعم المالي له لتخفيف معاناة مواطنيه، وطلب فيها من الأردنيين عدم التظاهر احتجاجاً على أوضاعهم، كانت استقالة غير متوقّعة الحدوث بهذه السرعة، لأن الرجل معروف بدعمه لسياسات الدولة الدينيّة والمدنيّة.
 

أحمد هليل من كبار الشيوخ المخضرمين الموالين للبلاط الهاشمي، كان وزيراً للأوقاف، وتولّى منصب إمام الحضرة الهاشمية منذ سنة 1979، وكان مقرّباً من الملك الراحل حسين، وبقي في نفس المنصب منذ اعتلاء نجله الملك عبد الله العرش وحتى استقالته، وتربطه برجال الدين والسياسة في الأردن ودول الخليج علاقات وديّة متينة، فلماذا إذاً قال الشيخ ما قاله في خطبته التي أنهت نفوذه ودمّرت حياته السياسية ؟
 

في أول تصريحات له بعد استقالته أو إقالته، كشف الشيخ هليل، كواليس خطبته، وقال إن ما جاء في الخطبة كان بمبادرة فردية منه دون إيعاز من أحد، وأوضح .. "جاءت من تلقاء نفسي وإحساساً بالمسؤولية والظرف الصعب الذي يمر به الأردن"، على حد قوله.
 

الخطبة النارية أثارت العديد من ردود الفعل داخل الأردن وخارجه، وتعرض الشيخ للكثير من الهجوم على وسائط التواصل الاجتماعي، وفي وسائل إعلام تقليدية، لأنه تجاوز المحظورات في نظر البعض، ووضع الأردن في صورة "المتسول" من وجهة نظر البعض الآخر.
 

مغردون أردنيون أطلقوا وسماً عبر شبكات التواصل الاجتماعي تحت عنوان "نشامى الأردن لا يتسولون ياهليل"، بين مستنكر للخطبة وما وُصف بـ"أسلوب الشحدة والتسول"، وبين مؤيد لضرورة دعم الأردن من قبل دول الخليج، والتعليقات على الرجل وصلت حد إشهار ذمته المالية ومقدار ما يتقاضاه من رواتب في الدولة.
 

غضب الشارع جعل نائباً محسوباً على البلاط، هو النائب أحمد الصفدي يطلق تصريحاً نارياً تحت عنوان "نأكل التراب ولا نتحدث بهذه الطريقة"، وهنا على ما يبدو كانت الضربة القاسمة التي أسهمت في إيصال الرسالة الأخيرة للشيخ بأن يقدم استقالته من كل المناصب التي يشغلها، ليوافق عليها مجلس الوزراء في ساعتها.
 

بالتزامن خرج وزير الدولة لشؤون الإعلام والاتصال محمد المومني جهاراً ليصحح ما قاله الشيخ ويعتبره من باب "الرأي"، وهو يقول إن علاقات الأردن مع دول الخليج مميزة، وأن هناك احتراماً متبادلاً ويوجد مصالح استراتيجية على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي .
 

قبول السلطات الأردنية العليا استقالة هليل من جميع مناصبه، بحسب مراقبين، كان هدفها امتصاص غضب بعض الدولة الخليجية، والمملكة العربية السعودية بالذات، التي تفضل دائماً التكتم على الخلافات، وعدم إظهارها في العلن، وفي وسائل الإعلام.
 

ما قاله هليل في العلن، هو ما يتردد في معظم المجالس والديوانيات والمقاهي الأردنية، وعلى لسان مسؤولين حاليين أو سابقين، والخلاف ربما في طريقة الطرح، وليس في مضمونه، والأردن يمر بأزمات مالية، ويعتب المسؤولون فيه على حلفائهم في الخليج الذين لم يهرعوا لمساعدته، وهو الذي قدم لهم الكثير من الخدمات الأمنية والسياسية.
 

الحكومة الأردنية انتظرت حتى نهاية العام الماضي على أمل أن تجدد دول الخليج منحتها الخمسية، وتقدم للأردن خمسة مليارات دولار أخرى على مدى خمس سنوات، ولكن خاب هذا الأمل، وأصبح الأردن يمر بظروف مالية صعبة، حيث بلغ الدين العام حوالي 37 مليار دولار، ووصل العجز في ميزانية العام الجديد حوالي 1.1 مليار دولار، مما دفع حكومة هاني الملقي إلى فرض ضرائب تصاعدية على حوالي 95 سلعة في محاولة لسد هذا العجز جزئياً.
 

الدول الخليجية تتذرع بأوضاعها المالية الصعبة، بسبب انخفاض أسعار النفط، وتراجع الاحتياطات المالية لبعض دولها، ولكن الأردن لا يطلب الكثير، حسب آراء بعض الخبراء، ورؤساء الوزراء السابقين.
 

ربما تكون إقالة الشيخ هليل قد امتصت بعض الغضب الذي نجم عن خطاب الرجل، ولكنها عملياً فتحت عشّ دبابير على "طريقة" المسؤولين في مخاطبة الدول الأخرى، خصوصاً فيما يتعلق بالمساعدات والمعونات، وبغض النظر عن مصير قاضي قضاة المملكة، فإن حالة الأردن الاقتصادية بحاجة إلى أكثر مماقاله الشيخ من دعم وإسناد للتعافي.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة