معهد ليفانت للدراسات

حول العلاقة بين مسارات الحل السوري

حول العلاقة بين مسارات الحل السوري
فبراير 01
11:20 2018

بدأت الأزمة السورية في الخامس عشر من شهر أذار من العام 2011، وسرعان ما تدوّلت هذه الأزمة، وأصبحت شأناً دولياً خاضعاً لعدة تجاذبات دولية وإقليمية ومحلية..

وكما يعرف الجميع، فإن الصراع الدولي اليوم يتلخص بالصراع بين الدولتين روسيا وأمريكا، وإن كان لكل منهما تحالفاته التي تشكل قطباً لكل منهما إن صح التعبير..

وفي إطار الصراع الدولي على المصالح بين هاتين الدولتين، بدأت تظهر أطروحات الحل من كلاهما بغية تحقيق مصالحهما بالدرجة الأولى، ولتصدر الموقف الدولي من ناحية أخرى..

تجلى الصراع بشكل واضح جداً عندما قررت الولايات المتحدة الأمريكية شنّ ضربات عسكرية على سورية، وعندها رفعت روسيا الفيتو ضد هذا القرار في مجلس الأمن، وظهر بأن كل من الدولتين يحمل وجهة نظر مختلفة للحل السوري.

وبعد فترة غير طويلة على محور الأزمة السورية الزمني، أطلقت روسيا بيان «جنيف1»، لتوضح لأمريكا وللعالم ولأطراف النزاع السورية وجهة نظرها في الحل السوري، التي تسعى لأن يكون للحل طابعاً سلمياً سياسياً وليس عسكرياً، وعلى هذا الأساس نشأ ما يسمى مسار جنيف لحل الأزمة السورية، وكانت محدداته الثلاثة هي محاربة الإرهاب، ووقف العنف من جميع الأطراف، وانطلاق العملية السياسية السورية.

تطور هذا المسار وشق طريقه بصعوبة، ووصل إلى جولته الثامنة التي انتهت في منتصف الشهر الأخير من 2017، ولكن لم يكن المسار الوحيد في السعي لحل الأزمة السورية، فقد نشأ مسار آخر ويطلق عليه «مسار آستانا» المسار الذي تشكل برعاية روسية إيرانية وتركية، وكل مناطق وقف التصعيد، أو وقف العمليات القتالية تعد نتاجاً عملياً لهذا المسار، وهي أربعة مناطق متفق عليها حتى الآن؛ في إدلب، وريف حمص وحماه ودرعا، يضاف إليها بعض الهدن في بعض المناطق، كالغوطة الشرقية مثلاً.

يجري الحديث منذ فترة عن مسار ثالث وهو مسار «سوتشي»، ولم تنطلق حتى الآن أي جولة في إطار هذا المسار إلا أن التصريحات تشير أن جولته الأولى ستكون في الـ 29 من الجاري، برعاية أممية، وروسية، ووجود أمريكي.

بدا واضحاً أن المطلوب من هذا المسار هو فتح الحوار على مصرعيه بين جميع الأطراف السورية، وتوضح التسريبات بأن مفتاح الحوار في الجولة الأولى سيكون نقاش مسألة الدستور السوري بين الجميع، وتتعد إشارات الرفض من بعض القوى المعارضة لحضور هذا المسار حيث أنهم يزعمون بأنه مسار انقلابي على مسار جنيف الذي يدعمونه.

من الملفت تعدد المسارات حقيقة، وقد يجعل هذا المتابع في حيرة من أمره، إنما سنقدم الآن العلاقة بين هذه المسارات.

الحقيقة هي أن مسار جنيف هو المسار الأساسي في حل الأزمة السورية، وهو المسار الذي أنتج قرار مجلس الأمن 2254 القرار الذي تصدّر القرارات الدولية اليوم، وجاء هذا القرار بعد الإقناع الروسي لأمريكا بخيارها في الحل السلمي للأزمة السورية، وبعد الضغط على المجتمع الدولي من خلال دخولها العسكري إلى سورية..

اعترض هذا المسار (مسار جنيف) أثناء جولاته عدة مشاكل، أولها هو تقديم أحد الأطراف (الحكومة السورية) أولوية مكافحة الإرهاب على الانتقال السياسي في تطبيق قرار مجلس الأمن، ولهذا دخلت روسيا على الخط العسكري في السماء السورية، وأعلنت حربها على الإرهاب، وبموازاة ذلك أنشأت مسار «أستانا» المعني بتخفيف العنف..

المشكلة الثانية هي مشكلة الحوار بين الأطراف السورية، التي كان على الدوام هناك من لا يعترف بالآخر، وهناك من يرفض الآخر رفضاً مطلقاً، وهذا ما أخّر عملياً بداية المفاوضات المباشرة، وما أخّر أيضاً تشكل الوفد الواحد للمعارضة السورية، الذي لم يتشكل حتى الجولة الأخيرة من جنيف (الثامنة)، ولهذا بادرت روسيا بطرح مسار «سوتشي» المعني بتقريب وجهات النظر بين السوريين، وتهيئتهم للتفاوض المباشر الذي ساحته الحقيقية هي جنيف..

بناءً على ذلك، ينتج أن كل من مساري «آستانا» و«سوتشي» هما مساران ثانويان في الحل السوري، في حين أن الثابت هو مسار «جنيف» وهو المسار الأساسي، وما يثبت ذلك هو أن المحددات الثلاث له (مذكورة سابقاً) تم تحقيقها عملياً من خلال المسارات الأخرى، ويعد اليوم مسار «آستانا» الداعم العسكري لجنيف، في حين أن «سوتشي» الداعم السياسي له..

هذه هي العلاقة بين المسارات الثلاثة عملياً، وتبقى الآمال لدى السوريين هي في الوصول إلى حل حقيقي وناجز للأزمة السورية، يحمل سورية إلى بر الأمان، ويسمح لهم بأن يبنوا بلادهم كما يحبون ويأملون.

الآمال اليوم معلّقة على انطلاق المفاوضات المباشرة في الجولة القادمة من جنيف بين الحكومة السورية، و«هيئة التفاوض» التي تعبر عن الوفد الواحد للمعارضة السورية المكون من منصات موسكو والقاهرة والرياض.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة