معهد ليفانت للدراسات

حوار سوري- سوري وتماس مع إسرائيل

فبراير 02
12:29 2015

لا يقدم المشهد السوري العام خطوطاً واضحة ما بين اللقاء في موسكو وأحداث جبهة الجولان، لكن طبيعة الحركة الدبلوماسية على خط الأزمة السورية تقدم مؤشرات على الترابط الذي تحمله تحولات المنطقة عموماً، فعندما تسعى "إسرائيل" لخلق تماس مباشر مع المحور الذي يجمع سوريا وإيران وحزب الله؛ فإن العملية العسكرية في منطقة القنيطرة تتجاوز "الاغتيال" لتدخل في جملة التداعيات التي تعيشها بلاد الشام.

تقاطعات الأزمة

كافة مجريات لقاء موسكو للحوار جرت على إيقاع التطورات العسكرية، فـ"إسرائيل" استبقت الحدث السياسي بعمل عسكري، ورغم أن المشاورات بين الحكومة والمعارضة استمرت بشكل طبيعي، إلا أن اللافت أن أمرين أساسيين فرضتهما التطورات:

  • الأول بروز الجانب الأقوى داخل الأزمة السورية، فالحوار الداخلي بدا على هامش الصراع الإقليمي، وتراجعت إعلامياً على الأقل تفاصيل اللقاءات السياسية على حساب ما يمكن أن يحدث نتيجة التطورات المحتملة عسكرياً.
  • الثاني عدم القدرة على التحكم بكافة عوامل الأزمة السورية، فالسياق الهادئ للحوار لم يكن يتناسب مع مجموعة تطورات ميدانية سواء في جبهة الجولان، أو حتى إعلان "الجبهة الإسلامية" قصفها للعاصمة دمشق.

وخلال أسبوع كامل حاولت أطراف متعددة إظهار "القوة" في عمق الحدث السوري، فـ"إسرائيل" تجاوزت مسألة "الدعم الإنساني" للمجموعات المسلحة، ومارست قوة إضافية من خلال عمليتها في القنيطرة أو ما تلاها من قصف لمواقع الجيش السوري، وفي المقابل قدمت المجموعات المسلحة استعراضاً عسكرياً مكثفاً ما بين دمشق واللاذقية وذلك لإرسال تحذيرات بأن المسارات السياسية لا يمكنها تجاوز الواقع الميداني، وعلى خط "الائتلاف الوطني السوري"، قام رئيسه خالد خوجه بزيارة الشمال الغربي لسورية لتقديم دلالات على تواجد الائتلاف على خارطة الأزمة، لكن كافة التحركات لم تكن بقوة ما قامت به "إسرائيل" التي أرادت إحداث تبديل عميق في التحولات السياسية للأزمة من خلال "الفتح الكامل" لجبهة الجولان.

عملياً فإن لقاءات موسكو جرت في ظل احتمالات مفتوحة لصراع جديد في سورية، فالنقاشات بين أطراف المعارضة وتحديد مواضيع للنقاش مع وفد الحكومة، كان يجري على إيقاع حرب من نوع مختلف، ومع الرد العسكري لحزب الله على "الإسرائيليين" فإن المشهد الأخير للقاء موسكو انتهى في ظل تقديرات استراتيجية مختلفة، حيث تقلصت الاحتمالات في صراع مفتوح على جبهة الجولان، وفي المقابل فإن الجبهات العسكرية تم فرزها بقوة دون أن يعني هذا الأمر فرزاً على الجبهات السياسية للمعارضة السورية.

سياق اللقاء في موسكو

لم يكن المجتمعون في موسكو تحت أي ضغط بالنسبة للنتائج، فاللقاء تشاوري وغير رسمي، ولا تحتاج المعارضة ولا الحكومة لإنتاج وثائق أو تقارير أو بيانات ختامية، وكانت الرسالة التي وجهت للمجتمع الدولي تؤكد على أن الجميع يسعى للنفاذ إلى الحل السياسي من خلال الحالة الإنسانية، بينما فرض التدخل "الإسرائيلي" إدانة من المجتمعين لـ"الاعتداء الإسرائيلي"، وشكلت هذه الرسالة حالة بروتوكولية تؤشر إلى بروز "جناح" معارض يسعى لإيجاد الحلول؛ رغم اختلافه على الكثير من الأولويات والتفاصيل.

  في المقابل فإن طبيعة الخلافات كانت أقل حدة من المؤتمرات الأخرى، ويعود السبب في هذا الأمر إلى ثلاث أمور أساسية:

  • الأول غياب العناصر التي يمكن اعتبارها "انقلابية" داخل المعارضة السورية، فرفض الائتلاف عن المشاركة خفف من حدة الصراعات داخل أجنجة المعارضة، وافسح المجال للدخول في توافقات بشأن المواضيع التي يمكن بحثها.

كان واضحاً بأن أعضاء الائتلاف يغيبون عن اجتماعات تخص سورية ، فقياداتهم لم تكن في القاهرة مما أتاح التوصل لتفاهمات مرنة، وغابوا بالكامل عن لقاءات موسكو مما حول الحوار باتجاهات عملية ولو بشكل أولي، ولم تتطرق المعارضة في موسكو إلى حالات الرفض المطلقة التي كانت تظهر بشكل دائم على مدى السنوات الأربع، وفي نفس الوقت حاولت أن تتيح مجال ثقة قبل الدخول في الأمور الجوهرية، وهذا الأمر يسجل لها كونها استطاعت تجنب المأزق الدائم في أنها تريد مفاوضة "حكومة لا تعترف بها".

  • الثاني طبيعة النظر الى مهام اللقاء، فهيئة التنسيق الوطني السورية المعارضة رأته لقاء خارج "التفاوض"، لذلك لا يمكنه البحث بالأمور الجوهرية، في المقابل فإن معارضين آخرين، وعلى الأخص من ينتمون لجبهة التغيير والتحرير، اعتبروه مناسبة لتعزيز حالة التشاركية وفتح منافذ بهدا الاتجاه.

بالتأكيد فإن جلسات الحوار بين الأطراف المعارضة أكدت عدم وجود ظرف موضوعي لتوحيد توجهاتها، أو حتى بناء استراتيجية واضحة لها، لكن المسار الروسي بيّن أن هناك آليات متعددة لفض الاشتباك بين الطيف المعارض، وهناك إمكانية أخرى لخلق حالة من التشاركية يمكن تطويرها بشكل دائم.

  • الثالث إدارة الحوار التي كانت برؤية روسية حيث ذهبت الى تفكيك الصراع عبر المخرج الإنساني، ورغم وجود مقاربة بين خطة المبعوث الأممي إلى سوريا ستيفان دي مستورا المتعلقة بوقف القتال، والمنهج الذي سار عليه لقاء موسكو، لكن الفارق كان في الطريقة المفتوحة التي تناولت الجانب الإنساني، فهناك قاعدة يتم تأسيسها لفتح المناطق وإيجاد سيناريو يعزل "الإرهاب" عن التشكيلات المعارضة.

يبدو السيناريو الإنساني المطروح في لقاء موسكو معاكساً للواقع الميداني، وهو يمكن تطويره وفق وجهة النظر الروسية إلى برنامج عمل يعيد ترتيب الجبهة السياسية في سورية، فبمجرد الدخول ببرنامج عمل ستظهر تداعيات كثيرة وأهمها التناقض ما بين أجندة المعارضة وبرامج المجموعات المسلحة، فعندما يتم خلق مصالح للمجتمعات الموجودة تحت العنف فإن انزياحاً واضحاً سيحدث باتجاه المعارضة السياسية مما سيضعف المجموعات المسلحة، في المقابل فإن ظهور برامج عمل سيؤدي إلى فرز الإرهاب وسيمكّن المعارضة السياسية من بناء تشاركية مع السلطة لمكافحة الإرهاب.

طموح موسكو مستمر، واحتمالات اللقاء القادم ماتزال عالية رغم ظهور دعوة جديدة من "الدوحة" لاجتماع جديد للمعارضة، فما تراه موسكو هو سياق سياسي سيؤدي لتكريس منهج وآلية في معالجة الأزمة السورية، بينما تبدو المؤتمرات الأخرى محاولة لجمع طيف معارض واقتناص دور اقليمي ضمن التحولات التي تعيشها المنطقة.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات – راجع شروط الاستخدام

تقارير ذات صلة