معهد ليفانت للدراسات

حلب تعيد فتح ملف الكيميائي .. الغرب يضغط من جديد

حلب تعيد فتح ملف الكيميائي .. الغرب يضغط من جديد
نوفمبر 30
22:10 2016

قبل ثلاث سنوات،في العام 2013، ضجّ العالم بقضية استخدام أسلحة كيميائية في الغوطتين الشرقية والغربية، في العاصمة السورية دمشق، ومنذ ذلك الحين لم تغب قضيّة استخدام السلاح الكيميائي في سورية عن التداول السياسيّ والإعلاميّ والإنساني، ومن جديد تتحرك الدول الغربية نحو استخدام ملف الأسلحة الكيميائية كورقة ضغط في الأزمة السورية التي تم تدويلها في أشهرها الأولى قبل خمس سنوات، وتتزايد مؤشرات استغلال هذا الملف سياسياً بالنظر إلى توقيت إعادة طرحه بعد تعطل التفاهم الروسي الأميركي حول حلب، والتقدم الميداني للجيش السوري بغطاء جوي روسي في المدينة. حيث يبدو الغرب ساعياً إلى تعويض اختلال الموازين الميدانية باستخدام القانون الدولي.
 

وزير الخارجية الأميركي جون كيري قال في حديث قبل حوالي شهر أن الحكومة السورية "لا تتردد في استخدام السلاح الكيميائي ضد مواطنيها"، وكان الرد الروسيّ سريعاً عندما استخف نائب وزير الخارجية أوليغ سيرومولوتوف بالاتهامات الموجهة ضد الحكومة السورية باعتبار أنّ "الجميع يعرف بأنّه لم يعد هناك وجود لأسلحة كيميائية لدى الجيش السوري"، كما أن سيرومولوتوف حذّر من احتمال وقوع استفزاز قريب عن طريق استخدام المجموعات المسلّحة للسلاح الكيميائي بهدف اتهام الجيش السوري.
 

أحداث استخدام الكيميائي في سورية، المفترض منها والمثبت، لا يبدو لها من مرتكبٍ واضحٍ حتى اليوم، التقرير الثالث للجنة المشتركة بين الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية حول استخدام السلاح الكيميائي في سورية في الفترة ما بين 11 نيسان 2014 و21 آب 2015، أكد أنّ الجيش السوري شنّ هجومين بغاز الكلور، المرة الأولى كانت في تلمنس/إدلب في 21 نيسان 2014 والثانية في سرمين/إدلب في 16 آذار 2015، ولكن المريب في هذا الادعاء هو أن تاريخ هذا الاستخدام جاء بعد اعتراف الأمم المتحدة وإشادة القوى الكبرى بأن سورية سلّمت مخزونها من الكيميائي، بالمقابل يقول التقرير نفسه إن تنظيم "داعش" استخدم غاز الخردل في مارع/حلب في 21 آب 2015، إلى جانب ثبوت استخدام مواد كيميائية في مدينة بنّش/إدلب في 24 آذار 2015، من دون اتهام أيّ طرف بها.
 

هذه الأحداث الأربعة تشير بإصبع الاتهام إلى الحكومة السورية و"داعش" وطرف غير محدد، واللافت بشأن الطرفين المحددين على الأقل أنهما خصوم للتحالف الغربي ولفصائل المعارضة السورية الكثيرة على الأرض، بينما بقي 19 ادعاءً آخرين باستخدام مواد كيميائية من دون تحديد الفاعل، وقع أغلبها في محافظة إدلب، قالت اللجنة إنها حققت بها مؤخراً، بحسب تقريريها الأوّل والثاني، علماً أن مئات الشكاوى التي سلّمها مندوب سورية لدى الأمم المتحدة بشار الجعفري للمنظمة الدولية بقيت من دون اهتمامٍ يذكر، وبين هذه الشكاوى ما يتعلق باستخدام موادٍ كيميائية ضد قوات الجيش السوري والمدنيين.
 

سلمت سورية مخزونها من الأسلحة الكيميائية في حزيران من عام 2014، ولكن ذلك لم يوقف استغلال هذا الملف في سياق التنافس السياسي بين القوى الكبرى، وعاد التهديد بفتح محاكمات حول استخدام الكيميائي في الأشهر الماضية إلى الواجهة، وبرزت ثلاثة ادعاءات جديدة في نيسان وآب وأيلول من العام الحالي. الأول في حي الشيخ مقصود بحلب، والثاني في سراقب بريف إدلب أما الثالث فهو الذي تحدث عنه رئيس منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أحمد أوزومجو يوم 9 أيلول، حين عبّر عن انزعاجه مما قال إنه "هجوم محتمل بغاز الكلور يشتبه في أن مروحيات تابعة للجيش السوري شنته على مناطق المعارضة في مدينة حلب". مؤكداً أن المنظمة ستجري تحقيقاً في هذه الادعاءات الثلاثة.
 

المسؤولية عن هذه الأحداث لم تحسم بعد، ولا يمكن تأكيد هوية مرتكبيها خصوصاً في ظل الاتهامات المتبادلة بين الحكومة السورية وفصائل المعارضة المسلحة بالمسؤولية عنها، ولكن اللافت هنا أن هذه الاتهامات جاءت بعد تعطّل التفاهم الروسي-الأميركي حول وقف النار في حلب. ليبدأ بعدها سياقٌ جديد من الضغط على روسيا وحليفتها.
 

يعتبر وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون أن التقرير الثالث للجنة التحقيق المشتركة بين الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية كافٍ لتأكيد مزاعم بلاده بمسؤولية الحكومة السورية عن استخدام أسلحة كيميائية في تلمنس 2014 وسرمين 2015، على الرغم من كل الثغرات التي لا يمكن تجاهلها في التقرير. ويعبّر الوزير البريطاني عن رغبة بلاده بالعمل مع شركائها الدوليين لاستصدار قرار من مجلس يدين سورية بجرائم حرب.
 

وفي السياق نفسه تواكب فرنسا المساعي البريطانية، فوزير الخارجية الفرنسي جان مارك آيرلوت وفي كلمة له أمام مجلس الأمن يوم 21 أيلول سعى إلى إقناع الأعضاء بما فيهم روسيا بإصدار قرار يدين دمشق، سعي يؤكده نظيره الألماني فرانك فالتر شتاينماير بتشديده على ضرورة "معاقبة" مرتكبي الجرائم الكيميائية في سورية.
 

الدول الأوروبية الثلاث الكبرى هذه تجاهلت اتهام التقرير (الثالث) تنظيم "داعش" باستخدام غاز الخردل، كما غضّت الطرف أيضاً عن بقاء العديد من الحالات المزعوم أنه استخدم فيها السلاح الكيميائيّ بلا مرتكب واضح. الأمر الوحيد الذي يصرّ عليه الأوروبيون هو تصويب عين المجتمع الدولي على الاتهامات ضد الحكومة السورية.
 

ويمكن فهم هذه الحماسة الأوروبية في سياق الموقف الأميركي الذي عبّرت عنه المتحدثة باسم الخارجية اليزابيت ترودو يوم 12 آب حين قالت إنه في حال تم تأكيد استخدام الجيش السوري للسلاح الكيميائي، فإن هذا يشكل انتهاكاً لقرار مجلس الأمن الدولي. إذاً هي عودة إلى تهديد دمشق بفتح المحاكمات الجنائية أمام مسؤوليها.
 

وفي جميع الأحوال، فإن التحقيق بهذه الارتكابات لا تتوفر له الظروف الموضوعية الضرورية للوصول إلى الحقيقة، فإمكانية وصول فرق التحقيق إلى غالبية المناطق المصابة غير متوفرة بحسب تقارير المنظمة نفسها. ومسرح الأحداث يتم تبدّل القوى المسيطرة عليه بصورةٍ دائمة، ودفاع الطرف الحكومي والمعطيات التي يقدمها لا تؤخذ بعين الاعتبار، ثم إن التقارير الأخيرة تتشابه لناحية عدم تقديمها أي جديد، وهي تبدو كنسخٍ هدفها إعادة إحياء الوقائع نفسها، والاتهامات ذاتها، والتذكير بالمتهم عينه، بالإضافة إلى أن توقيت صدور هذه التقارير الثلاثة تغلفه الريبة، فهي تأتي في فترات وصول المفاوضات الروسية الأميركية إلى عنق الزجاجة.
 

الظروف الميدانية والسياسية والنشاط القانوني الغربي المستجد، أو المزخّم، كلها مؤشرات تشير إلى محاولة غربية لتعويض الضعف الميداني بقوة قانونية تؤدي إلى ملاحقة مسؤولين سوريين وروس، ودفع حكومتيهما إلى تقديم تنازلات حيال حسابات نهاية المطاف .. فهل ينجح الغرب في ذلك ؟ أم إن لدى روسيا من القوة الدولية القانونية والميدانية مايكفي لكبح الجموح الغربي ؟

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة