معهد ليفانت للدراسات

حراك ديبلوماسي متسارع في الشرق الأوسط

حراك ديبلوماسي متسارع في الشرق الأوسط
أغسطس 17
15:29 2015

شهدت منطقة الشرق الأوسط في الفترة الأخيرة مجموعة من المتغيرات الهامة، بدءاً من الاتفاق النووي بين إيران والقوى الست، وحصول اتفاق آخر بين الولايات المتحدة وتركيا حول مشاركة الأخيرة في عمليات التحالف ضد داعش، وصولاً إلى لقاء الدوحة الذي جمع الروس والأمريكيين والسعوديين لمناقشة الملفات العالقة، والمباحثات الثنائية بين دول المنطقة والدول الكبرى لبحث أزمات المنطقة .

يجري هذا الحراك الديبلوماسي بوتيرة متسارعة على ضوء المستجدات الخطيرة وتنامي خطر التنظيمات المتطرفة وعلى رأسها داعش، بعد أن سمحت الفوضى التي ألمّت بالمنطقة العربية خلال السنوات الأربع الماضية بظهورها وتوسعها على حساب سيادة الدول، وقضمها الأراضي خاصة في سورية والعراق وتوسع نطاق سيطرتها في ليبيا، وتنامي قوتها في سيناء على الحدود بين مصر وإسرائيل، وصولاً إلى تهديدها للسعودية وتنفيذها عمليات داخل المملكة
وأخيراً وليس آخراً العداوة التي ظهرت مؤخراً بينها وبين تركيا بعد أن مارس الطرفان في السنوات السابقة ضبط النفس وعدم ارتكاب أخطاء تؤدي بهما للانجرار إلى اشتباك، حيث مثلت تركيا بالنسبة لداعش ممراً للسلاح والمقاتلين وسوقاً لبيع النفط، فيما مثل داعش لتركيا ورقة ضغط أو أكثر من ذلك لضرب الدولة السورية دون الحاجة لتدخل تركي مباشر، لكن الاصطدام الذي تأجل طويلاً لا بد منه في ظل المستجدات الميدانية والسياسية , والأهم في ظل كل هذا الحراك كانت سورية ومستقبلها السياسي، وكيفية محاربة داعش، ومحاربة التنظيم جزء أساسي لحل المشكلة السورية، والملفان مرتبطان ببعضهما، وهو ما سنحاول شرحه في القادم من السطور.

وزراء خارجية الولايات المتحدة وروسيا والسعودية بحثوا في العاصمة القطرية الاتفاق النووي والأوضاع في المنطقة، وتم التركيز على الأزمة السورية، واللقاءات الروسية والأميركية في الدوحة تسعى إلى تنظيم متغيرات الملفات الإقليمية في أعقاب الاتفاق النووي، لكن كل الطرق تؤدي إلى سورية، واللافت أن الأطراف الدولية التي التقت في الدوحة، تتعامل مع النظام السوري والمعارضة كطرف يُعطى إخطاراً فقط، لتنفيذ ما سيتم التوصل إليه بين هذه الجهات، لكن المؤكد أن دمشق لن تقبل بسهولة أن يتم التعاطي معها بهذه الطريقة، فالحكومة  تصر منذ البداية على الاعتراف بدورها الأساسي في حل المشكلة، وترفض اعتبارها جزءاً منها، وفيما راهن خصوم الدولة في الخارج على الوقت مستخدمين الفصائل المسلحة على اختلاف انتماءاتها وتوجهاتها لإسقاطها، تراهن الدولة على حاجة هؤلاء لضرورة التعاون معها في محاربة الإرهاب الذي بات خطراً عليهم.

أما الراعيان الأساسيان لهذا الحراك، واشنطن وموسكو، فهناك مجموعة معوقات تحول دون التوصل إلى تفاهم كامل بينهما حول مجمل القضايا، وتبني سياسة مشتركة لمحاربة الإرهاب، أهمها الانقسام الحاصل حول مصير الحكومة السوري، وما نتج من سياسات لن تجعل التفاهم سهلاً، فموسكو مثلاً ما زالت تختلف مع واشنطن فيما يتعلق بدعم المعارضة المسلحة في سورية، وتنفيذ إنزال بري خارجي، وهو ماقد يؤدي بحسب المسؤولين الروس إلى اشتباك محتمل بين القوات الأمريكية والجيش السوري.

من جانب آخر تسعى موسكو مع السعودية، إلى ما تسعى واشنطن كما يبدو، في ضوء ما دعا إليه الرئيس الروسي، لتشكيل جبهة إقليمية واسعة، أساسها الاتفاق على أولوية مواجهة الإرهاب، والسعودية التي كانت قد طلبت ضمانات فعلية بعد توقيع الاتفاق النووي مع إيران، تجد نفسها اليوم في نقطة قريبة من موسكو التي يبدو أنها استطاعت عبر امتناعها عن استخدام حق الفيتو في المسألة اليمنية "قص شريط البداية" في العلاقة الاستراتيجية مع الرياض، لكن المملكة لا زالت تتمسك بالحلقة المقفلة التي يمكن أن تمنع تحريك المياه الراكدة، وقد يكون هذا الأمر، هو ما دفع روسيا والإدارة الأميركية إلى التعاون كل من جهته، على فتح كوّة في الجدار.

مراهنة القطبين الأمريكي والروسي على السعودية، ربما تحد من الطموحات التركية في إصرارها على منطقة آمنة، والتي بإمكانها أن تطيح جهود البحث عن حل سياسي، كما حذرت وزارة الخارجية الإيرانية، لكن وبعد أن توقعت جهات عدة إمساك الروس ببداية الخيط، وتأمين لقاء سوري سعودي في جدة، يحرك المياه الراكدة، ويبشر بالانتقال نحو الحلول، جاءت النتائج بعد ذلك خارج التوقعات، فالرياض مازالت تصر على أن لامكان للأسد في مستقبل سورية، فيما ردت دمشق على هذا القول بتصريح مضاد أكثر تصلباً، مايعني أن الأمور مازالت تدور في حلقة مفرغة، وأن الرياض العالقة في وحل اليمن، ويقلقها الاتفاق النووي، ماتزال مترددة في مواكبة المتغيرات في المنطقة، ولاسيما الملف السوري.

أما الأتراك فالواضح أنهم خارج هذا الحراك، وأنظارهم نحو الشمال السوري لجعله "منطقة أمنة"، ولا زالوا يصرون على هدفهم القديم الجديد، ويبدو أنهم مع حليفهم الأمريكي يعانيان صعوبات مشتركة، كان آخرها إنشاء قوة معارضة مسلحة معتدلة، أعلنت واشنطن الفشل في تشكيلها بعد أن قضت جبهة النصرة على نصف من دخلوا من الدفعة الأولى قبل وصولهم إلى هدفهم المعلن عنه وهو داعش.

وبالتزامن مع الحراك الديبلوماسي الذي لم تلحظ له أية نتائج مبشرة، خرجت إيران من جديد بمبادرة معدّلة لحل الأزمة السورية، وشهد عاصمتها تحركات دبلوماسية لجهة مناقشة المبادرة ونتائج لقاءات الدوحة الأخيرة، كان منها زيارة وزير الخارجية السوري وليد المعلم ولقاءه بجواد ظريف، ومنها انطلق المعلم نحو سلطنة عمان، البلد الخليجي الذي يحمل مسؤولوه أسراراً كثيرة حول مجريات أحداث المنطقة، خاصة أنهم يعملون كوسطاء على كافة الجبهات.

ملخصه إن تردد بعض حلفاء واشنطن في التجاوب مع دعوة الرئيس الروسي لإنشاء تحالف إقليمي، سببه انتظار المزيد من التفاهمات السياسية بشأن سورية واليمن، بينما تعلن تركيا أنها بصدد مواجهة داعش فيما تصوب معظم نيرانها على أعدائها التقليديين الكرد، من دون تعديل مراهنتها على المنطقة العازلة وإسقاط الدولة في سورية .

لا يمكن النظر إلى لقاء الدوحة الأخير واللقاءات الثنائية بين الأطراف الإقليمية والدولية على أنها لقاءات عابرة، وهي إذ أشارت بوضوح لولادة مرجعية دولية جديدة تظهر فيها موسكو وواشنطن جنباً إلى جنب وهم يخوضان في تفاصيل قضايا المنطقة، لكن التعقيدات التي تلف ملفات المنطقة والتشابك فيما بينها، سيجعل المهمة صعبة، والأفضل أن يسعى الطرفان إلى تقارب سعودي إيراني، سيكون له الأهمية الكبرى في حلحلة باقي قضايا الصراع في المنطقة، والتفاهم الدولي والإقليمي على جدية أكبر، ربما يفتح الطريق نحو الأفق، لكن تحالف واشنطن ثقيل الخطى تحت أعباء رهانات سابقة تنوء به.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة