معهد ليفانت للدراسات

جبهة النصرة .. التنظيم القاعدي الصاعد في سورية

جبهة النصرة .. التنظيم القاعدي الصاعد في سورية
ديسمبر 16
20:44 2015

في نهاية العام 2013 كانت جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة أقوى فصيل إسلامي جهادي فاعل في سورية، غير أنها سرعان ما وجدت نفسها في مواجهة قوة أخرى قوية هي تنظيم "داعش"، وقد انخرط قادة تنظيم "داعش" في العديد من المعارك الإيديولوجية مع النصرة، وفازوا فيها، حيث تحدّوا شرعيتها الدينية، بينما قاموا أيضاً باغتيال العديد من قادتها.

وطيلة العام 2014 بدا أن جبهة النصرة تضعف تقريباً، ولكن في تشرين الأول من العام نفسه، وبعد وقت قصير من بدء الحملة الجوية للتحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد "داعش" وجبهة النصرة في العراق وسورية، بدأت الجبهة تظهر حيوية جديدة، وأخذت قوتها في التصاعد منذ آذار 2015، واستولت على مدينة إدلب في شمال غرب سورية، بالتحالف مع فصائل أخرى مقاتلة تحت مسمى "جيش الفتح"، وفرضو سيطرتهم على محافظة إدلب بالكامل.

وفي حين تعدّ مدينة إدلب، التي تضم 400 ألف نسمة، صغيرة نسبياً، فإن السيطرة عليها أعطت جبهة النصرة دفعة معنوية كبيرة، ومن شأن ذلك أن يساعد جبهة النصرة على جذب المزيد من الكتائب ويعطيها ميزة على تنظيم "داعش"، الذي يسيطر على مدينة الرقة، ولكن ليس لديه أي حلفاء.

وتعود قدرة جبهة النصرة على تقديم نتائج على الأرض، إلى حدّ كبير لبراغماتيتها، فلاتزال الجماعة تتعاون مع طائفة واسعة من القوى المحلية التي لم يتم الضغط عليها للقتال تحت مظلتها، فبدلاً من ذلك، تقاتل تلك الجماعات مع جبهة النصرة كحلفاء، مايشّكل خروجاً جذرياً عن نموذج تنظيم "داعش"، الذي لايرضى بالتعاون إلا للضرورة القصوى.

هذه المقاربة مكّنت جبهة النصرة من توسيع شبكة دعمها بسرعة، بما في ذلك ضمّ بعض كتائب الجيش الحر في حلب وحماة ودرعا، والأهم من ذلك أن جبهة النصرة تنخرط في منافسة ودّية مع حركة أحرار الشام، التي أصبحت في الآونة الأخيرة أكبر مجموعة تعمل تحت مظلة الجبهة الإسلامية بعد اندماجها مع فصيل آخر من الجبهة الإسلامية، ألوية صقور الشام، هذا التطور جعل حركة أحرار الشام بحجم جبهة النصرة تقريباً، ولذا من الممكن أن يصبح التحالف بين الجماعتين عنصراً مهماً في الصراع السوري.

وفي حين تشير المعلومات الاستخباراتية المتقاطعة إلى أن نسبة 80 في المئة من أتباع "داعش" في سورية ليسوا سوريين، فإن أعضاء جبهة النصرة في معظمهم سوريون، وبالتالي فهم أكثر وعياً بالاختلافات المحلية في الثقافة والعادات، وبالتالي يتيح ذلك لجبهة النصرة أن تكيّف عملية تطبيق إيديولوجيتها وفقاً لتلك الاختلافات، مايجعلها أكثر شعبية من تنظيم "داعش" بين السوريين.

وفي حين لايميل الكثيرون من السوريين المعارضين للحكومة إلى إيديولوجية جبهة النصرة، ثمّة شعور متزايد في شمال سورية بأنها هي البديل الأفضل على أرض الواقع، وأن الإيديولوجيا تشكّل ثمناً قليلاً يجب دفعه في مقابل مردود أعلى، في ظل انقسام باقي الفصائل وضعفها وعدم قدرتها على تحقيق نتائج على الأرض.

وقد تمكنت جبهة النصرة من زيادة قوتها إلى حدّ كبير في الشمال، حيث استولت على معظم محافظة إدلب وسعت لتدمير الألوية المنافسة بذريعة مكافحة الفساد أو محاربة الغرب، حدث ذلك في الهجوم الذي شنته الجبهة في أواخر شباط 2015 على حركة حزم، أول لواء في الجيش الحر يحصل على أسلحة من الولايات المتحدة، والذي تم حلّه منذ ذلك الحين.

ليس تنظيم "داعش" هدفاً مباشراً لجبهة النصرة، ذلك أن الجماعتين تكرّسان قدراتهما لقتال الجيش السوري فضلاً عن كتائب الجيش الحر، وقد تجنّبتا أن تكون لهما حدود محاذية في المناطق التي تسيطران عليها، غير أن كلتا الجماعتين تتسابقان لتصبح كل منهما أقوى لاعب في سورية.

ولاتزال قطر، التي تسعى لتعزيز نفوذها في سورية، تراقب صعود جبهة النصرة وتحاول فصلها عن تنظيم القاعدة، ويكمن دافع قطر في طموحها لاستخدام جبهة النصرة كورقة رابحة في المناقشات الدولية حول تسوية النزاع السوري، لكن، لايبدو حتى اللحظة أن جبهة النصرة ستتخلى تماماً عن إيديولوجية تنظيم القاعدة، بيد أنها أبدت مرونة في تطبيقها لهذه الإيديولوجيا .

لكن حركة أحرار الشام تبدو أقل حدّة في تطبيقها للإيديولوجيا من جبهة النصرة، وإذا استمر تحالفهما، كما يبدو مرجّحاً نظراً لبراغماتية جبهة النصرة، فسيكون لذلك تأثير مهدّئ على تطوّر وتطبيق إيديولوجية تنظيم القاعدة، وإذا ماحدث وتبرأت النصرة من القاعدة أو برأها حلفاؤها القطريون في الخليج بالتنسيق مع تركيا والولايات المتحدة، في سبيل الضغط على الحكومة السورية خلال المفاوضات اللاحقة وتحقيق مكاسب، فإن ذلك سيكون إنجازاً كبيراً، لكن القضية ليست بهذه السهولة، وللتذكير فقد قامت الحكومة الأمريكية في كانون الأول 2012 بتصنيف جبهة النصرة على أنها جماعة إرهابية، وفي 30 أيار 2013 قرر مجلس الأمن الدولي للأمم المتحدة بالإجماع إضافة جبهة النصرة إلى قائمة العقوبات للكيانات والأفراد التابعة لتنظيم القاعدة.

جل عناصر الجبهة عند تأسيسها كانوا من السوريين الذي قاتلوا سابقاً في ساحات القتال مثل العراق وأفغانستان والشيشان وغيرها, ممن لهم باع طويل في قتال الجيوش، وهي مطعمة كذلك بمقاتلين عرب وأتراك وأوزبك وشيشانيين وطاجيك وقلة من الأوروبيين، وللانضمام للجبهة يجب على المتقدم أن يستوفي عدداً من الشروط مثل الالتزام بالفروض الدينية والحصول على تزكية من شخص موثوق وإثبات الجدية والانضباط.

يذكر أن جبهة النصرة من الجماعات السلفية الجهادية التي أسست أواخر عام 2011 في غمرة الأحداث في سورية، وحددت الجبهة في بيانها الأول الذي أصدره زعيمها، المدعو أبو محمد الجولاني في 24 كانون الثاني 2012، الهدف من إنشاء الجبهة بالقول إنها جاءت سعياً من مؤسسيها "لإعادة سلطان الله إلى أرضه وأن نثأر للعرضِ المُنتهك والدم النازف .."، واستهجن البيان دعوة البعض للاستعانة بقوى غربية للخلاص من نظام حزب البعث الحاكم، واصفاً إياها بأنها "دعوة شاذة ضالة وجريمة كبرى ومصيبة عظمى لا يغفرها الله ولن يرحم أصحابها التاريخ أبدَ الدهر".

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة