معهد ليفانت للدراسات

تنظيم الدولة يقترب من آثار تدمر

تنظيم الدولة يقترب من آثار تدمر
مايو 16
08:13 2015

تتسارع وتيرة الأنباء التي تفيد باقتراب عناصر تنظيم الدولة الإسلامية من مدينة تدمر السورية وسط البلاد، المدينة التي تحمل إرثاً حضارياً عريقاً يعود لمرحلة ما قبل الإسلام، لا يهم السوريين والعرب فحسب بل حضارة الإنسانية والبشرية جمعاء.

وتدمر الأثرية (بالميرا باللاتينية) هي إحدى أهم المدن الأثرية عالمياً، وورد اسمها في ألواح طينية تعود إلى القرن الثامن عشر ق.م، سكنها الكنعانيون والعموريون والآراميون، وتتميز بأن معالم الحضارة القديمة شبه متكاملة فيها، وتتوزع الأطلال فيها على مساحة تتجاوز 10 كم2 ويحيط بها سور دفاعي من الحجر المنحوت، وآخر للجمارك من الحجر واللبن، وتتوزع بيوتها حسب المخطط الشطرنجي.

وهي مصنفة "تراثاً عالمياً عالي القيمة"، وفق منظمة اليونسكو، وكانت تحظى بما يقارب 6600 زائر شهرياً، قبل العام 2011، معظمهم من الجنسيات الأجنبية، تنتظر اليوم إمام فنائها أو بقائها حاضرة في البادية كما يسميها السوريون "عروس الصحراء"..

وسط هذا كله يتبادر للأذهان سؤال عن الدافع الحقيقي وراء اقتراب التنظيم من السيطرة على المدينة وإلا ما يرمي بعد أن سيطر على أجزاء من مدينة تدمر، وأصبح القتال على بعد كيلومترين اثنين من حاضرة البادية؟

للموضوع شق اقتصادي بالتأكيد،  فلو غضينا الطرف عن الموقع الاستراتيجي لمدينة تدمر من قبل آلاف السنين حيث كانت محطة على طريق الحرير التجاري الشهير، وصلة وصل بين شمال سورية القديمة وجنوبها، وأهمية ذلك في معارك التنظيم الحالية، للموضوع شق اقتصادي كما قلنا.. عين تنظيم الدولة الإسلامية على آثارها فأمام شح الإمدادات بعد تضرر واردات النفط بفعل قصف قوات التحالف لمنابع النفط وطرق التجارة والقوافل في مناطق سيطرته وعبر الحدود والتي انخفضت للعشر تقريباً (750 ألف دولار) يومياً، بعدما كانت تدر يومياً بين 3 – 5 مليون دولار، بات التنظيم يبحث عن مورد من أي جهة وكيفما كان السبيل لذلك، ووجد بالآثار التجارة القديمة الجديدة أهم مورد، وفيما لو سيطر على آثار تدمر فإنها ستغنيه عن النفط ولو لفترة كما يرى مراقبون، نظراً للإرث الحضاري العالمي التي تضمه المدينة ولتعطش المهربين الذين باتوا يفركون أيديهم، ولتجار الآثار العابرين للحدود لهكذا صفقات لا تحدث إلا خلال النزاعات والحروب والكوارث البيئية.

وفي الحقيقة إن ما تمر به آثار سورية اليوم شبيه بما مر به العراق إبان الغزو الأمريكي العام 2003 حيث حصلت عملية نهب واسعة النطاق لآثار العراق، بدءاً من متحف بغداد، وليس انتهاءاً بالمواقع الأثرية النائية، وكمثال عرضت السلطات الأمريكية، في شهر آذار الماضي، ما يقرب من 60 قطعة أثرية عراقية مُهربة تمت استعادتها، شملت تلك القطع تمثالاً مهيباً لرأس الملك الآشوري سرجون الثاني، والذي قُدِّر ثمنه بـ1.2 مليون دولار أمريكي.
 

وأمام حالة التنظيم الحالية لجهة الخلل في الواردات، يبدو أن تهريب الآثار بات مورداً مُلحاً، حيث ذكر تقرير لـ "بي بي سي"، نُشر الشهر الماضي، "أن الإيرادات من بيع الآثار المنهوبة من موقع أثري بمدينة النبك، غربي دمشق، وصلت إلى 36 مليون دولار أمريكي، الأمر الذي يدفعنا لتصور حجم المكاسب المُرتقبة جراء سيطرة التنظيم على مدينة تدمر الزاخرة بالآثار الثمينة".

ويعتقد مختصون أن التنظيم يُدمر الآثار التي لا يمكن نقلها أو تفكيكها، والاستفادة من ذلك دعائياً، تحت عنوان تدمير "أصنام" لا تتوافق مع الشريعة الإسلامية، حسب زعم مسؤوليه، لكن في الخفاء، يقوم التنظيم ببيع القطع الأثرية التي يمكن نقلها بسهولة إلى خارج العراق وسوريا، عبر شبكات تهريب ناشطة من خلال تركيا ولبنان، لتصل هذه المقتنيات الأثرية الثمينة إلى أسواق الغرب، في أغلب الأحيان، وفي سبيل تدعيم تجارة الآثار، يستخدم التنظيم جرافات مخصصة للكشف عن المواقع الأثرية، أو يوظف أناساً محليين ليحفروا المواقع والقبور الأثرية، ومن ثم يجبي منهم ضريبة حسب قيمة الكنز المكتشف.

وفي هذا السياق، دعت المديرة العامة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونسكو" إيرينا بوكوفا، إلى تكثيف الجهود الدولية من أجل حماية الآثار والمواقع الأثرية في الشرق الأوسط. وقالت بوكوفا، الأربعاء 13 مايو/أيار، إن نهب وتدمير المسلحين للمواقع الأثرية في الشرق الأوسط بلغ "مدى غير مسبوق". مشيرة إلى أن هذا التدمير، هو استراتيجية ممنهجة يستخدمها تنظيم "الدولة الإسلامية" في ترهيب السكان، مشددة على أن ذلك جريمة حرب.

أما مدير الآثار في سورية مأمون عبد الكريم فقال لرويترز أمس (14 مايو/ آيار 2015) إن الجيش السوري يقاتل تنظيم "الدولة الإسلامية"، على مسافة 1-2 كيلومتر من مدينة تدمر الأثرية، وحذر عبد الكريم من "كارثة" إذا استولى مقاتلو التنظيم المتشدد على المدينة، مضيفاً بالقول: "سيدمرون كل ما هو موجود وستكون هناك خسارة إنسانية."

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

 

تقارير ذات صلة