معهد ليفانت للدراسات

تطبيع العلاقات الإسرائيلية – السعودية

تطبيع العلاقات الإسرائيلية – السعودية
أغسطس 16
10:41 2016

بعد علاقات محرمة استمرت عقود من الزمن، بدأت إسرائيل والمملكة العربية السعودية في الفترة الماضية بالإعلان عن سلسلة من اللقاءات الدورية بين مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية دوري غولد والجنرال أنور عشقي المبعوث الخاص للديوان الملكي السعودي، والتي كان آخرها زيارة عشقي مع وفد أكاديمي سعودي إلى فلسطين المحتلة وإجراء حوارات في المعاهد الإسرائيلية تمهيداً لتطبيع العلاقات بين الطرفين، مع تأكيدات من الصحف الإسرائيلية أن وفدا ًكبيرا ًمن الأحزاب الإسرائيلية سيزور الرياض قريباً.
 

فقادة المملكة وإسرائيل لم يعد يجدون حرجاً من ذلك، ولكن ما الغاية من الهدف من الإعلان في هذا التوقيت، من المستفيد الأكبر إسرائيل التي كانت لفترة ترى أنها تعاني من عزلة إقليمية ودولية بالرغم من توقيع عدد من اتفاقيات السلام مع الدول العربية وحتى الفلسطينين، أم المملكة العربية السعودية التي رأت في تراجع الدعم الأمريكي المباشر لها وخصوصاً عقب الاتفاق النووي الإيراني الذي دافعت عنه واشنطن وسعت إليه رغم رفض الطرفين الإسرائيلي والسعودي له، هذا من جانب، وقد يكون لفشل المملكة في حروبها التي تديرها بالوكالة في العراق وسورية ولبنان والمباشرة في اليمن السبب الموجب الثاني في فتح خطوط تواصل مع إسرائيل لمساعدتها في التخفيف من عواقب الهزيمة، خاصة إذا علمنا أن الشبح الإيراني يطل من جميع هذه الملفات المشتعلة، وعليه فإن الانكسار يعني ترك الساحة للجمهورية الإسلامية الإيرانية التي تنفست الصعداء بعد توقيع الاتفاق النووي مع الغرب.
 

بداية يمكن القول أن إسرائيل قد تكون الرابح الأكبر من أحداث الربيع العربي في الشرق الأوسط، فخصومها الرئيسيين إما فقدوا كراسيهم وماتوا كالقذافي مثلاً، وإما باتوا في وضع لا يحسدون عليه جراء الحرب الأهلية الدائرة فيها كسورية مثلاً، وبالتالي فإن الربيع العربي ساهم كثيراً في تعزيز أمن إسرائيل وأراحها، وجعل الكثير من القيادات الجديدة تفكر في فتح قنوات جديدة معها للتطبيع، وهذا ما رأيناه من المعارضة السورية المعتدلة التي عرضت مساعدة إسرائيل لها للقضاء على نظام الرئيس بشار الأسد مقابل التنازل الأبدي عن هضبة الجولان "المعارض كمال اللبواني قال ذلك خلال زيارته لإسرائيل"..
 

كما أن توقيع الاتفاق النووي الإيراني والتي كانت تل أبيب من أشد المعارضين له وسعت بكل الوسائل لإفشاله، قد جمعها مع المملكة العربية السعودية الرافضة للاتفاق أيضاً، والتي عبرت عن ذلك بالكثير من المواقف السياسية لقادتها ومسؤوليها..، وبالتالي كانت التقارب السعودي الإسرائيلي في جانب منه يهدف إلى منع إيران الاستفادة من مفاعيل الاتفاق النووي بأن تكون دولة إقليمية محورية في المنطقة.
 

كما ويعد هذا التطور المهم انتصاراً لمنطق اليمين الإسرائيلي الذي يترأسه نتنياهو، تجاه القضية الفلسطينية، إذ يروج الأخير لنظرية أن رفع مستوى العلاقات مع السعودية، وغيرها من "دول الاعتدال العربي"، هو المدخل لحل القضية الفلسطينية وبلا أثمان، بدل أن يكون حل القضية الفلسطينية هو المدخل للتطبيع، الأمر الذي يمكّن العدو من فرض تسوية على السلطة الفلسطينية من دون تنازلات إسرائيلية.
 

سابقاً أطلقت لاءات ثلاثة لا سلام من دون سورية ولا تطبيع من دون السعودية ولا حرب من دون مصر، فالحرب أخرجت منها مصر باتفاق السلام في كامب ديفيد، والسلام.. سورية اليوم في وضع لا يحسد عليه حالياً جراء الصراع الداخلي فيها، أما التطبيع مع السعودية فقد بات أمراً واقعاً وإن لم يعلن عنه بشكل رسمي بين البلدين، وبالتالي العلاقات مع السعودية انتصار كبير للدبلوماسية إسرائيلية في هذا التوقيت.
 

أما بالنسبة للسعودية فإنها ومع وصول قيادة جديدة لها عقب وفاة العاهل السعودي الملك عبد الله وتسلم أخيه الملك سلمان وابنه محمد فقد انتهجت سياسة جديدة عنوانها الحزم، قامت خلالها بدعم لا محدود لحلفائها في العراق وسورية ومصر هذه الأخيرة التي وقعت معها اتفاقيات اقتصادية وصلت إلى 45 مليار دولار مع بناء جسر بحري بين الطرفين وتنازل عن جزيرتين في البحر الأحمر "صنافر وتيران" والتي كما يقول المراقبون أن هاتين الجزيرتين تمهدان الطريق وتعبده نحو تطبيع العلاقات، كما قامت بشن حرب كبيرة على اليمن لاستعادة الشرعية فيها، ولكن حتى اللحظة لم تستطع حسم المعركة فيه، وفي سورية أيضاً، أمام كل هذه التطورات وأمام القوة الجديدة على طرف الخليج العربي التي بات الغرب يتقاطر لتوقيع الاتفاقيات معها، رأت القيادة السعودية أن الخيار الاستراتيجي الأول لها هو الاتجاه نحو إسرائيل التي تتشارك معها نفس الأعداء ابتداء من لبنان مروراً بسورية والعراق وانتهاءً بإيران التي تشكل رأس حربة هذا المحور، أولاً لتغطية تراجع الدعم الأمريكي لها، وثانياً لحماية نفسها من عدوان إيراني مفترض عليها.
 

وحسب ما تقول الوثائق المسربة عن اللقاءات بين الطرفين أن الرياض أعلمت تل أبيب أنها ستفتح أجوائها للطائرات الإسرائيلية في حال قررت ضرب طهران.
 

إذن العلاقات بين السعودية وإسرائيل تشهد تسارعاً ملحوظاً، واللقاءات الحاصلة بين الطرفين دليل واضح على ذلك، فهل يكون هذا التطبيع عنوان لتطبيع الكثير من الدول الإسلامية مع إسرائيل، وبالتالي ستكون السعودية بما تمثله من ثقل إسلامي كبير بوابة التطبيع الرسمي مع إسرائيل التي سعت وما تزال بكل قوتها لتهويد المسجد الأقصى الذي يعد أولى القبلتين وثاني الحرمين.

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة