معهد ليفانت للدراسات

تركيا وفلسطين .. الابتزاز السياسي

تركيا وفلسطين .. الابتزاز السياسي
مارس 13
21:13 2016

كانت الحادثة المعروفة بـ"ون مينيت" على هامش منتدى دافوس، والتي وجه في خلالها رئيس الوزراء التركي آنذاك رجب طيب أردوغان انتقاداً لاذعاً للرئيس الإسرائيلي في حينها شمعون بيريز على خلفية حرب غزة 2009 ، تعبيراً كبيراً عن اهتمام وتضامن حكومة حزب العدالة والتنمية ذو الجذور الإسلامية بالقضية الفلسطينية، وأدت المواقف المتصاعدة للحكومة العدالة والتنمية، فيما بعد إلى قطيعة غير مسبوقة بالعلاقات الإسرائيلية التركية إبان اعتراض قوات خاصة إسرائيلية في عام 2010 لأسطول الحرية وقتل متضامنين أتراك.

 

المواقف التركية كان لها صدى كبير في الشارع العربي وزادت من شعبية قادتها حتى أن صور أردوغان باتت ترفع في أي مظاهرة تنطلق دعماً لفلسطين وقضيتها.

ولكن ما الأسباب التي دفعت حكام أنقرة إلى انتهاج هذه السياسية الجديدة والتصادم مع حلفائها وشركائها الاستراتيجيين "أمريكا- إسرائيل"؟ و هل ما جرى كان له علاقة بالربيع العربي الذي شهدته بعض الدول العربية، وتالياً وصول أحزاب وقوى سياسية ترتبط بتنظيم الإخوان المسلمين الذي ينتمي إليه رجب طيب أردوغان نفسه، أم بالفعل كانت مواقف بهدف نصرة قضية الشعب الفلسطيني أم بغرض خدمة أحلام حكام أنقرة الجدد.

 

تاريخياً، اتخذ السلطان العثماني عبد الحميد الثاني موقفاً معارضاً من الحركة الصهيونية ونقلت الوثائق التاريخية أن السلطان عبد الحميد رفض طلب تيودور هرتزل بأن تكون فلسطين الأرض الموعودة لليهود وقال: "لن يستطيع رئيس الصهاينة "هرتزل" أن يقنعني بأفكاره"، ومع تفكك الدولة العثمانية وبناء الدولة الاتاتوركية ونهجها الغربي كانت أنقرة أول دولة مسلمة تعترف بدولة إسرائيل 1949.

في حين أنها لم تعترف بمنظمة التحرير إلا في عام 1975 ثم سمحت للمنظمة بافتتاح مكتب لها في تركيا عام 1979، ثم اعترفت بإعلان الدولة الفلسطينية عام 1988.

 

ولكن كانت العلاقة التركية الإسرائيلية محكومة أحياناً بالمواقف السياسية من مستجدات المنطقة فتارة تكون العلاقات في أوجها وهنا يكون تجاهل مقصود من أنقرة لما يجري في فلسطين، وعندما تتوتر العلاقات تتخذ تركيا مواقف ضد تل أبيب، مثلاً على خلفية التقارب اليوناني الإسرائيلي، صوتت تركيا ضد العدوان الإسرائيلي عام 1967 ورفضت قرار اسرائيل بضم القدس.

 

ولكن لم تصل العلاقات إلى مستوى القطيعة، في المقابل فقد سلمت تركيا مجموعة من الطلاب الفلسطينين الذين ينتمون لحركة الجهاد الإسلامي للموساد الإسرائيلي، في خرق واضح للقوانين الدولية الإنسانية.وكانت أنقرة أول دولة توقع اتفاقية تجارة حرة مع إسرائيل.

 

إذن، القضية الفلسطينية كانت وسيلة ضغط تستخدمها أنقرة في علاقاتها مع اسرائيل ، وتلاقي أحياناً أخرى , فالموقف التركي من حركات المقاومة الفلسطينية الرافضة للاحتلال الإسرائيلي كان يحكمه دائماً عدة عوامل أبرزها: حفاظ أنقرة على قربها من الدول الغربية لاسيما وأن أنقرة عضو في حلف الناتو وبالتالي تفادي أي تأييد كي لا يغضب أمريكا مثلاً، وثانياً فيما يتعلق بالأمن القومي التركي فإسرائيل أدانت عمليات حزب العمال الكردستاني في تركيا، وقدمت إبان اجتياح لبنان عام 1982 معلومات لأنقرة عن قيام فصائل منظمة التحرير الفلسطينية بتدريب مقاتلين أكراد وأرمن في معسكراتهم في لبنان.

 

ومع  فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية 2006 وما تلاها من سيطرة حماس على قطاع غزة شهدت العلاقة التركية الفلسطينية تغيراً ملموساً وجوهرياً، أدى إلى استقبال رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان لخالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس في أنقرة ما أثار حفيظة إسرائيل، وشجبها للأمر، وفي مؤتمر حزب العدالة والتنمية أشاد أردوغان – بحضور مشعل – بالقضية الفلسطينية ودعا إلى إقامة دولة فلسطينية، وفي عام 2010 وإثر هجوم قوات خاصة إسرائيلية على أسطول الحرية الذي كان متجهاً إلى غزة ومقتل عشرة نشطاء أتراك أدى ذلك إلى سحب السفراء بين البلدين ورفض أنقرة أي حل دون تقديم اعتذار رسمي وتعويض للضحايا.

 

ومع الحروب الإسرائيلية المتواصلة على قطاع غزة ازدادت اللهجة المتوترة بين البلدين حيث رفضت تركيا الحصار الإسرائيلي الخانق على القطاع، بهدف واضح ومعلن هو أن تلعب تركيا دوراً ما على الساحة الإقليمية خدمة لسياستها الجديدة التي خطها أحمد داود أوغلو والتي كان أحد أبرز أهدافها بناء عثمانية جديدة في المنطقة، وهذا ما بدا وضحاً وجلياً في الحرب الإسرائيلية على غزة 2014 حيث حددت حركة حماس أنقرة والدوحة كمحاورين ووسيطين في التفاوض مع اسرائيل ، لإنهاء الحرب وتحقيق شروطها.

 

مع الإشارة أن أنقرة في عز علاقتها مع حماس لم يتخطى الدعم الذي تقدمه للفلسطيني حدود الدعم  السياسي الإعلامي والمالي مع التشدد أن يكون الأخير في الإطار الإنساني والإغاثي ومشاريع تنموية حصراً. 

 

وفي ظل الأحداث المتسارعة في المنطقة وبالتحديد في سورية وإبان التدخل الروسي وإسقاط أنقرة للقاذفة سو 24 والعقوبات التي فرضتها موسكو على أنقرة، اتجهت أنقرة مجدداً نحو اسرائيل بهدف إعادة العلاقات من جديد وكان موضوع غزة والقضية الفلسطينية على جدول أعمال المفاوضات الذي تضمّن فك الحصار عن غزة عبر إنشاء ميناء عائم متصل بقبرص التركية، في حين قامت أنقرة بترحيل عضو المكتب السياسي لحركة حماس صالح العاروري من أراضيها كإجراء بناء ثقة مع تل أبيب الذي تتهمه بقتل ثلاثة مستوطنين في الضفة الغربية 2014  أي استخدام الملف الفلسطيني كورقة ضغط وليس خيار استراتيجي.

 

لقد شكلت القضية الفلسطينية عامل جذب مهم للدول الطامحة بلعب دور ما في الإقليم، وبالتالي فإن المواقف المتخذة في دعم نضال الشعب الفلسطيني كانت تلقى ترحيباً من الشعوب العربية في ظل تراجع الدور الذي تلعبه الدول العربية المحورية في القضية الفلسطينية، الدور التركي مثالاً .

 

وعليه فإن تركيا التي تعد بنظر الكثير من الشعوب العربية حليف استراتيجي لإسرائيل وهي لن تتخلى على علاقتها بها وبالولايات المتحدة الأمريكية من أجل الفلسطينيين والعرب، فإن تبنيها للقضية الفلسطينية في هذا التوقيت بالذات هو بهدف واحد هو تطويق الدور الإيراني المتقدم في فلسطين بالتحديد، وتقديم نموذجاً آخر يطالب بالحقوق ولكن بلهجة سياسية هادئة بعيدة عن دعم المقاومة والسلاح كما تفعل سورية وإيران والأهم برأي حكام أنقرة الجدد هو إعادة بناء السلطنة العثمانية.

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة