معهد ليفانت للدراسات

تركيا وتنظيم الدولة .. شراكة نفطيّة تكشف عنها روسيا

تركيا وتنظيم الدولة .. شراكة نفطيّة تكشف عنها روسيا
ديسمبر 19
09:57 2015

نفط داعش إلى أين ؟

لم يمر وقت طويل على إثارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لقضية اتجار "داعش" بالنفط السوري في قمة العشرين التي عقدت مؤخراً في تركيا، ملمحاً إلى وجود دول حاضرة في القمة، تتعاون مع "داعش" في تهريب النفط، حتى بدأ مسؤولوه العسكريين بكشف المعلومات عن طرق تهريب "داعش" للنفط المسروق من سورية والعراق، أعقب ذلك معلومات إضافية وتفصيلية أخرى من مصادر ديبلوماسية وأمنية إعلامية إقليمية ودولية.  

الروس نشروا صوراً تثبت تهريب النفط بكميات هائلة من مناطق سيطرة "داعش" في سورية إلى تركيا، مقابل توريدات الأسلحة والذخيرة، متهمين القيادة التركية العليا والرئيس رجب طيب أردوغان بالتورط شخصياً في القضية.

الصور التي التقطتها الأقمار الصناعية الروسية تكشف عن 3 مسارات رئيسية لتهريب النفط من سورية والعراق إلى تركيا هي :

المسار الغربي، ويؤدي إلى الموانئ التركية المطلة على البحر الأبيض المتوسط، حيث ينقل النفط المستخرج من حقول بمحيط الرقة ليلاً بصهاريج إلى بلدة إعزاز، ومنها إلى الريحانية التركية، ليتم توريد النفط لاحقاً إلى ميناءي ديورتيول واسكندورنة، حيث يتم شحن جزء من النفط على متن سفن وإرساله إلى الخارج للتكرير، أما كميات النفط المتبقية، فيجري تسويقها في السوق التركية الداخلية.

المسار الشمالي فنقطة الوصول النهائية عليه هي مصفاة "باتمان" في تركيا، وعبر هذا المسار يتم تهريب النفط المستخرج في حقول النفط الواقعة على الضفة اليمنى للفرات، فيما يؤدي المسار الشرقي إلى مدينة جزيرة بن عمر التركية، حيث تنطلق الشاحنات من الحقول النفطية في شمال شرق سورية، وشمال غربي العراق.

وتظهر صور ملتقطة يوم 14 تشرين الثاني 2015 وجود ما يربو على 1.1 ألف شاحنة في محيط زاخو العراقية، فيما تبرز صورة أخرى التقطت يوم 28 تشرين الثاني 2015 في قره جوخ 50 شاحنة في محيط معمل تكرير نفط.

ويستخدم تنظيم "داعش" 8500 شاحنة لتهريب 200 ألف برميل من النفط يومياً، لكن موسكو قالت إن غاراتها أدت إلى تقليص عدد تلك الشاحنات إلى حد كبير، وبحسب معلومات رسمية روسية فإن عائدات "داعش" من الاتجار غير الشرعي بالنفط كانت 3 ملايين دولار يومياً قبل بدء العملية العسكرية الروسية في سورية، لكنها تراجعت في الآونة الأخيرة إلى 1.5 مليون دولار.

تحقيق سابق للتصريحات الروسية، مصادره أمنية عراقية، يميط اللثام عن أهم المتورطين بمساعدة "داعش" في بيع النفط، ويستعرض دور مافيات التهريب الكردية والتركية، قبل أن يصل النفط في نهاية المطاف إلى دول إقليمية، أهمها إسرائيل.

يستخرج "داعش" النفط بشكل أساسي في حقلي كونيكو والتيم السوريين في محافظة دير الزور، وحقلي النجمة والقيارة بالعراق، ويخزنه في أحواض أرضية هي حفر كبيرة مربعة، ليضخ منها النفط الخام لاحقاً إلى الصهاريج مباشرة وعادة ما يكون هذا النفط مليئا بالشوائب، ثم تتجه الصهاريج المحملة بالنفط إلى مدينة زاخو الكردية المتصلة مع محافظة شرناخ التركية، وتتألف القافلة من 70 إلى 100 صهريج، تكون مافيات تهريب النفط بانتظارها، وهي تجار أكراد سوريون وعراقيون فضلا عن أتراك وإيرانيين، ويمنح المسؤول عن شحنة النفط الحمولة للجهة التي تقدم أعلى سعر.

يستلم المسؤول جزءاً من السعر بالدولار، ويسلم السائقون صهاريج أخرى فارغة يعودون بها، بينما يأخذ سائقون جدد يملكون تراخيص وأوراقاً رسمية تلك الصهاريج، وبعد إخضاع النفط لعملية تكرير أولي يدخل إلى تركيا عبر منفذ إبراهيم الخليل من بوابة منفردة على أنه مخلفات تكرير، رغم أن الحدود التركية العراقية مغلقة بقبضة حديدية من قبل الجيش التركي وهناك طائرات مسيرة ودوريات مراقبة.

يصل النفط إلى بلدة سلوبي التركية وتقبض شبكات التهريب المحلية في العراق أتعابها، من خلال إسرائيلي يحمل الجنسية اليونانية، يدعى الدكتور فريد أو حاجي فريد أو العم فريد، وهنا يختلط النفط الكردي مع نفط "داعش"، وبعد بيعه بـ 15-18 دولاراً تدفع أجور السائقين، ويبدأ دور السمسار الإسرائيلي فريد في التنسيق بين المافيات مالكة النفط وبين ثلاث شركات رئيسية تستقبل نفط "داعش" تشتري النفط وتنقله عبر ثلاثة موانئ تركية هي مرسين ودورت بول وجيهان، بناقلات النفط إلى إسرائيل المستقبل الرئيس بالمنطقة لمعظم النفط المهرب، وبحسب المصادر الأمنية عراقية يرسو نفط "داعش" في ميناء أسدود، وبعد تكريره في مصاف إسرائيلية يستخدم جزء منه للاستهلاك المحلي والباقي يصدّر إلى دول المتوسط بسعر 30-35 دولاراً للبرميل.

بعد أن يتسلم "داعش" ربع أو عشر قيمة النفط نقدا في زاخو، يصله المبلغ المتبقي عن طريق حساب في أحد البنوك التركية الخاصة باسم شخصية عراقية مجهولة، وعادة ما تحول الأموال إلى التنظيم في الرقة والموصل من خلال دفعات تحويل مالية عبر شركات صرافة أهلية بأسماء مختلفة، وقد تتم العملية من خلال توريد سيارات للعراق بأموال النفط، يبيعها معتمدون لدى التنظيم في بغداد وجنوب العراق وتصل أموالها إلى التنظيم.

هذه المعلومات أكدها موقع "The Globes" الإسرائيلي، المتخصص في الشؤون الاقتصادية، مفيداً بشراء المهربين الأكراد والأتراك النفط من "داعش" ونقله عبر الأراضي السورية والعراقية، ثم بيعه بما في ذلك لإسرائيل.

وكانت صحيفة "Financial Times" ذكرت في آب الماضي بأن إسرائيل استلمت في الفترة الأخيرة 75% من النفط من كردستان العراق، وأكثر من ثلث هذه الواردات وصل عن طريق ميناء جيهان التركي الذي رجحت الصحيفة أن يكون بوابة نفط "داعش" الخام المهرب.

إيران ضمت صوتها إلى روسيا في اتهام تركيا بشراء النفط من داعش، وأعلن الأمين العام لمجلس تشخيص مصلحة النظام في إيران محسن رضائي أن المخابرات الإيرانية التقطت صورا لجميع الممرات التي يتم عبرها نقل نفط "داعش" من سورية إلى تركيا، دون أن تعرض وثائقها، وقال رضائي "الناس سوف يطلعون على تلك الوثائق في وقت قريب"، لكن طهران بعكس روسيا الغاضبة من إسقاط الأتراك لطائراتها عند الحدود السورية التركية، أبقت على شعرة معاوية مع أنقرة، ولم تتهم الحكومة التركية بالضلوع مباشرة في تجارة النفط مع "داعش"، وأشار مسؤولها إلى أنه "إذا كانت الحكومة التركية غير مطلعة على بيع داعش للنفط في تركيا، فإننا مستعدون لتقديم كل المعلومات عن ذلك".

وزير الخارجية السوري وليد المعلم اتهم أيضاً تركيا بأنها تزود تنظيم "داعش" بالسلاح مقابل توريدات النفط، وقال "أنقرة تسمح بمرور النفط السوري والعراقي المنهوب عبر الأراضي التركية"، أما تركيا فردت على الاتهامات باتهامات مضادة لسورية وروسيا بشراء النفط من "داعش"، دون أن توثق ذلك، وبين الاتهامات السياسية المحضة والاتهامات المبنية على صور ووثائق، لايبدو أن هناك حل قريب للقضية في ظل الصراع الإقليمي والدولي على النفوذ في سورية، والتغطية السياسية من قبل جميع الأطراف لحلفائهم في ممارساتهم الغير قانونية، لكن المؤكد حتى اللحظة على الأقل أن تركيا هي المعبر الأساس لنفط "داعش"، وتوقف الحكومة التركية عن ذلك إن كانت ضالعة مباشرة، أو منع تهريبه عبر أراضيها في حال كانت مشاركة بشكل غير مباشر عبر غض الطرف، فإن ذلك مرهون بالتسوية السياسية في سورية، أو الضغط السياسي والعسكري الممارس من قبل الحلف المقابل على تركيا، ومرهون أكثر بما تحمله الأيام من مفاجئات للمنطقة والعالم، في ظل صراع محموم على النفوذ، لايمكن التنبوء بنتائجه.

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة