معهد ليفانت للدراسات

تركيا .. طموح متجدد بمنطقة عازلة في الشمال السوري

تركيا .. طموح متجدد بمنطقة عازلة في الشمال السوري
أكتوبر 17
08:29 2016

في ظل التطورات الميدانية والسياسية الأخيرة الحاصلة في سورية، عاد من جديد الحديث عن "منطقة آمنة" في الشمال السوري، هذا الحلم الذي ماانفك يلازم أصحاب القرار في تركيا، وبعد أن عجزت أنقرة طوال سنوات الأزمة في إقناع حلفاءها الغربيين لإقامة هذه المنطقة، وجد الرئيس التركي ضالته في التحرك العسكري الكردي غربي الفرات وصولاً إلى منبج، ليعلن عن التحضيرات اللازمة لما سماه "تطهير" الجانب السوري من الحدود، وكان تجاوز المقاتلين الأكراد نهر الفرات باتجاه الغرب من الخطوط الحمراء التي رسمتها تركيا لهؤلاء في توسعهم العسكري على حساب تنظيم الدولة الإسلامية.
 

لا يمكن حصر هدف التدخل العسكري التركي الذي يستعين بمقاتلين من الفصائل المعارضة والمقاتلين التركمان بإبعاد خطر إنشاء طانتون كردي عند الحدود الجنوبية لتركيا، بل تعيد هذه الخطوة إلى الأذهان التدخّل العسكري التركي في قبرص عام 1974 التي انتهت بإنشاء جمهورية شمال قبرص التركية في 15 تشرين الأول 1983، واليوم قد لا يختلف التدخّل التركي كثيراً، لاسيّما أن مساحة المنطقة العازلة  التي لطالما طمحت إليها تركيا تفوق مساحة "شمال قبرص" بكثير، فضلاً عن مليونين و749 ألفًا لاجئًا، يعيش نحو 270 ألفًا منهم ضمن مخيمات اللجوء في الأراضي التركية.
 

التدخّل التركي لم يكن ليحصل لولا الضوء الأخضر الأمريكي إرضاءً للرئيس أردوغان وخشية الارتماء التركي في الأحضان الروسيّة والإيرانية، ولذلك باعت الولايات المتحدة الأمريكية حلفاء الأمس، الأكراد، لصالح أنقرة، وساندت العملية العسكرية التركية من الجو، ثم ضغطت على الأكراد لإخلاء منبج من مقاتلي "وحدات حماية الشعب".
 

ولكن هذا الأمر لن يمرّ دون اعتراض روسيا وإيران. فغض الطرف الروسي الإيراني في البداية على دخول الجيش التركي مدينة جرابلس يعود لأسباب تتعلّق بمكافحة الإرهاب، إلا أن الواقع اليوم قد اختلف حيث أصبح شعار مكافحة الإرهاب ذريعة ومبرّراً لإنشاء المنطقة العازلة والقيام بعمليات عسكرية في أراضي بلد آخر بدون التنسيق مع الحكومة المركزية وعدم الاكتراث لحق السيادة الوطنية لدمشق.
 

لقد نجحت تركيا إلى حدّ ما ومبدأياً في تحقيق حلم السعودية وقطر والولايات المتحدة في إقامة منطقة عازلة شمال سورية عبر العملية العسكرية التي قامت بها فجر الأربعاء 24 آب الماضي، وأعلنت أنقرة أنها أخبرت كلا من روسيا والولايات المتحدة وإيران وبعض الدول الأخرى بهذه العملية التي أسفرت ليس فقط عن إدخال قوات خاصة تركية وأسلحة ثقيلة، بل و5 آلاف من قوات الفصائل المعارضة، تحت غطاء مكافحة "داعش" ومنع إقامة أي كيانات إثنية شمال سورية، أو بالأحرى على حدود تركيا.
 

كل المؤشرات تؤكد أن تركيا، وعبر مناورات وتحديات وأزمات ومصالحات متنوعة مع روسيا والولايات المتحدة وغيرهما، تمكنت من تحقيق أحد الأهداف التي كان قد تم الإعلان عنها قبل عام ونصف العام تقريباً، وكانت الولايات المتحدة وتركيا والسعودية أعلنت عن تدريب 5 آلاف مقاتل من المعارضة السورية بهدف توجيههم فيما بعد لمواجهة الجيش السوري. وإذا كان الهدف في السابق هو تحقيق ذلك، إلا أنه كان بغير موافقة روسيا وإيران ومع تحفظ بعض الدول الأخرى، ولكن ما يحدث الآن، يحدث عملياً وفق حسابات أخرى تماماً، حيث رحّبت أطراف، ورفضت أطراف أخرى، وتحفظت أطراف ثالثة، وأبدت أطراف رابعة قلقها، وحذَّرَت أطراف خامسة من احتدام الصدامات العرقية والطائفية والمذهبية.
 

روسيا أعلنت مؤخراً على لسان سيرغي ريابكوف، نائب وزير الخارجية الروسي أنها لن تقبل بالحظر الجوي على تحليق الطائرات الروسية والسورية في منطقة حلب، ووصفه بأنه غير عملي، وتتردد أنباء أن روسيا تعارض التوغل العسكري التركي في منطقة جرابلس والباب، مثلما تعارض أي منطقة عازلة لأنها تتعارض مع التفاهمات التركية الروسية.
 

مؤخراً أيضاً وفي غمرة مسلسل تبادل الاتهامات بين موسكو وواشنطن حول المسؤولية عن ضرب قوافل الإغاثة الإنسانية الدولية المتجهة إلى أحياء حلب الشرقية، أصدر المجلس الشرعي لحركة "أحرار الشام" الإسلامية فتوى بجواز مقاتلة تنظيم الدولة الإسلامية، والتعاون مع الجيش التركي في هذا المضمار، وأباحت الفتوى نفسها جواز التنسيق والتعاون مع الجيش التركي لتحرير بعض المناطق التي يسيطر عليها الأكراد، وتزامن إصدار هذه الفتوى مع إعلان نور الدين جنشلي، نائب رئيس الوزراء التركي عزم بلاده إقامة منطقة عازلة داخل الأراضي السورية بمساحة خمسة آلاف كيلومتر، وإقامة عدة مدن جديدة عليها.
 

يبدو أن هذه الفتوى تعني أن "أحرار الشام" ستتبنى المشروع التركي في إقامة المنطقة العازلة، والقتال إلى جانب الجيش التركي للقضاء على “الدولة الإسلامية”، ولا يستبعد الكثير من المراقبين أن تجيز الفتوى نفسها لجبهة النصرة، تبني الخطوات نفسها، وربما هذا ما يفسر تراجع الولايات المتحدة عن اتفاق وقف إطلاق النار مع روسيا، حتى لا تنفذ البند المتعلق بقصف الأخيرة، أي جبهة النصرة باسمها الجديد "فتح الشام".
 

ويبقى السؤال : هل نجح الأتراك في خداع الجميع، عندما تصالحوا مع الروس وغازلوا السوريين، واستخدموا الإيرانيين كوسطاء في الحالتين؟ وهل عادوا إلى الخيمة الأمريكية مجدداً، أو بالأحرى، لم يغادروها في الأساس؟ وهل نحن أمام تشكيل قوات "صحوات" سورية تحت مظلة تركية إسلامية؟ .. الأيام المقبلة ستجيب عن كل هذه التساؤلات.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

 

تقارير ذات صلة