معهد ليفانت للدراسات

تركيا.. اختبار عين العرب .. والعمق السوري

أكتوبر 20
18:25 2014

لا يبدي الرئيس التركي قلقاً من تحرك الأكراد تجاه ما يجري في عين العرب (كوباني)، كما أنه لا يظهر قلقاً تجاه عدم دخول تركيا إلى التحالف الغربي لضرب "داعش"، في وقت يهدد فيه "عبد الله أوجلان" (زعيم حزب العمال الكردسناني) بإنهاء اتفاقية السلام مع تركيا في حال سقطت تلك المدينة التي تستقطب اهتماماً دولياً لافتاً، لكن معارك عين العرب توضح أن سياسات حزب العدالة والتنمية تدخل رهانات حاسمة بشأن استراتيجياتها، كما تدفع بهضبة الأناضول إلى عمق الصراع الشرق أوسطي وذلك بعد عقود من الحياد، ومحاولات الدخول ضمن توجهات أوروبية، فتركيا التي فشلت في دخول الاتحاد الأوروبي تسترجع موقعاً مختلفاً، وتنظر باتجاه الجنوب، وربما كانت عين العرب نقطة الاشتباك الأولى لمشروعها في بلاد الشام، فمساوماتها اليوم مع الولايات المتحدة لاستخدام قاعدة أنجرليك سترسم دورها الشرق أوسطي.

الهدوء التركي

قوات "داعش" لا تبعد سوى كيلومترات عن الحدود التركية، وسقوط عين العرب يحمل ضمن الاحتمالات تصاعد العنف مع الأكراد، ففي هذه المدينة أنشأ الأكراد "إدارة ذاتية"، ومعظم السوريين الأكراد الذين يقاتلون فيها يتبعون الاتحاد الديمقراطي، الفصيل السوري لحزب العمال الكردستاني، لكن أنقرة لا تظهر خشية من تصاعد العنف، وهي مع نشر دباباتها على الحدود فإنها تستخدم "الحذر العادي" لأي دولة يظهر صراعاً على حدودها، ويبدو أن اطمئنان تركيا لما يجري في عين العرب يستند إلى أمرين:

  • الأول أن المسألة الكردية في تركيا شهدت تحولات كثيرة، فانخراط الأكراد في العملية السياسية حتى ولو كان هامشياً، لكنه حول النشاط داخل حزب العمال الكردستاني إلى إطار جديد، وهو ما أكده عبد الله أوجلان من سجنه العام الماضي، مرجحاً العمل السياسي، ذلك رغم كافة المخاطر التي كان يشهدها الشمال السوري، والمعارك في "رأس العين" وغيرها من القرى التي تضم سوريين أكراد، وبالتأكيد فإن أوجلان كان يعرف بتمدد داعش، وكان يعرف أيضاً طبيعة الصراع في سوريا، لكن "عملية السلام" فرضت نفسها من خلال النتائج داخل الساحة السياسية التركية، فرغم أن الأكراد لم يحصلوا على معظم ما وعدهم به حزب العدالة والتنمية، إلا أنهم اصبحو جزءاً من التكوين السياسي الذي يستند إليه أردوغان، ويبدو من الصعب الرهان على الخروج من العملية السياسية والانخراط في صراع مسلح من جديد.

هذا التوجه لعبد الله أوجلان انعكس حتى على تصريحات قيادات الاتحاد الديمقراطي في سوريا، حيث بدت متحفظة رغم كافة الانتقادات التي وجهتها للقيادة التركية، ووجد "الاتحاد" نفسه ضمن سياق صعب سواء من قبل التحالف الغربي الذي طالبه بالدخول إلى المجلس الوطني الكردي، أو حتى من قبل حزب العدالة والتنمية الذي استقبل أكراد منطقة عين عرب ليصبحوا ورقة هامة في أي اتفاق سياسي قادم، في وقت كان الجناح الشرقي للأكراد المتمثل بأقليم كردستان العراق يتأرجح تحت ضغوط  داعش، بينما يحاول رئيس الإقليم مسعود البرزاني تبرئة تركيا من مساعدة داعش.

  • الثاني نوعية التوافق بين حزب العمال الكردستاني وحزب العدالة والتنمية، فعلى الرغم من أن العدالة التمية يخضع للدستور التركي لكنه في استراتيجيته وجذوره حزب فوق قومي، ويجتمع مع العمال الكردستاني في هذه النظرة التي أوردها أوجلان خلال خطابه في نيروز 2013 عندما ذكر بـ"وثيقة الملّة" التي تم توقيعها من قبل مجلس المبعوثان (البرلمان في المرحلة العثمانية)؛ وفيها تعهد باسترجاع كافة الأراضي التي سقطت بيد "الحلفاء"، وتحفل رؤية أوجلان في هذا الخطاب بمسألة التعالي على القومية والأخوة بين الكرد والعرب والتراك وغيرهم.

ويشكل التصور المقدم من قبل العمال الكردستاني حالة تستطيع مقاربة الصراع بشكل أقرب إلى العدالة والتنمية من التيارات القومية الكردية سواء في العراق او سورية، وهذا ما يدفع أنقرة إلى عدم الاستنفار من أحداث عين العرب  كون "العدو الأساسي"، أي حزب العمال الكردستاني، موجود ضمن إطار سياسي مختلف تماماً عن مراحل ثمانينيات القرن الماضي، واللافت أن تظاهرات الأكراد التي سقط فيها عدد لا بأس به من المتظاهرين لم تصل إلى حد يستحيل عبره التفاهم مع القيادات الكردية في تركية، فهي بقيت ضمن إطار محدد دون أن تتحول إلى عصيان مدني أو عنف مستمر، فصورة العداء المطلق للأكراد لم تعد موجودة، والتحفظ الكردي تجاه "الاتحاد الديمقراطي" في عين العرب ينبع من نظرتها إلى قدرة هذا الحزب على التعبئة، بينما ترغب هي بأحزاب مرنة وقابلة للتعايش مع الواقع التركي وسياساته تجاه بلاد الشام عموماً.

قضايا المنطقة العازلة

من الناحية العملية فإن تركيا تسعى إلى "عمق سوري" عبر ما تسميه "المنطقة الأمنة"، فخط الحدود الشمالي لسوري لا يحتاج إلى حظر جوي طالما أن طيران التحالف يستهدفه ويحلق في أجوائه، لكن أنقره تبحث عن آلية تتيح لها خلق حلفاء مختلفين داخل الجغرافية السورية، ومع انتشار داعش فإن الممرات الآمنة ستتيح للجيش التركي القيام بعمليات لخلق جيوب لهذا التحالف، مما يتيح أمرين:

  • أولاً مواجهة داعش خارج الأراضي التركية، فحزب العدالة والتنية المتهم بدعم داعش، يحتاج لمواجهة مع هذا التنظيم خارج أراضيه ليس فقط لتبرئة موقفه، بل أيضا للتحكم بآلية هذه المواجهة كي تبقى داعش ورقة ضاغطة على باقي دول المنطقة.
  • الثاني التحكم بالتوازن السكاني وخصوصاً بما يتعلق بالسوريين الأكراد، فالإدارة الذاتية لا تشكل خطراً على تركيا إذا كانت ضمن إطار يضمن تحالفاً مع الحكومة في أنقرة، وما تريده تركيا هو إدارة بطيف واسع من الأكراد .

الاختبار الحقيقي للسياسة التركية سيكون في مرحلة "مابعد" عين العرب، لأنه سيوضح صحة المراهنات التركية من عدمها، وسيشكل مدخلاً للعودة للمنطقة الأمنة أو العازلة، وفي الحالتين فإن تركيا ستجد أن حدودها مع سورية حزام "جيوستراتيجي" مشتعل والقدرة على التحكم به ليست فقط بيد الأتراك، فالقيادات التركية تحدثت مراراً عن أنها لن تدخل الصراع في سورية منفردة، أي أنها تحتاج لغطاء دولية، سواء عبر الناتو أو غيره، وهذا سيفرض شروطا سياسية مختلفة على تركيا وعلى كافة دول المنطقة.

 جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات – راجع شروط الاستخدام

تقارير ذات صلة