معهد ليفانت للدراسات

تحولات تجارة الترانزيت في دول بلاد الشام

تحولات تجارة الترانزيت في دول بلاد الشام
أبريل 28
19:01 2015

قادت الأزمة السورية البيئة الاقتصادية لبلاد الشام عموما باتجاهات جديدة، فهي لم تغير موقع رؤوس الأموال فقط، بل أدت أيضا إلى صياغة جديدة لبيئة تجارة الترانزيت أيضا، فعقدة الاتصال تنتقل تدريجيا نتيجة ظروف الحرب، وأدى إغلاق المعابر الحدودية السورية إلى تغير خارطة خطوط التجارة، في المقابل فإن البدائل المتاحة تؤشر على تحولات سياسية تترافق مع الواقع الاقتصادي، فـ"إسرائيل" فتحت خطوط تجارة الترانزيت عبر الأردن، بينما أنشأت تركيا خطا بحريا باتجاه ميناء حيفا، ورغم أن هذه الحلول لم تخفف من خسائر هذا القطاع، لكنها تسعى لإنشاء هامش يحاول تبديل الخطوط التقليدية لحركة البضائع عبر سورية ولبنان والأردن.

بدايات أساسية

حسب "هيئة المطارات الإسرائيلية" فإن عدد الشاحنات التي تعبر "اسرائيل" إلى الأردن ارتفع بنسبة 300% منذ عام 2011، ويمثل هذا الرقم ما يقارب 10589 شاحنة في العام، ومعظم هذه الشحنات تأتي من تركيا لتعبر "إسرائيل" عبر جسر الشيخ حسن، ووفق التقديرات التركية فإن هذه الحمولات ازدادت من من 17882 طنا عام 2010 إلى 77337 طنا عام 2013، ورغم إغلاق كافة المعابر بين تركيا وسوريا فإن الخط التجاري عبر ميناء حيفا يبدو مستقلا، فهو بديل عن البضائع التي كانت تمر من الشمال السوري باتجاه الأردن، لكنه لا يمثل حركة التجارة بين الموانئ السورية واللبنانية باتجاه المملكة العربية السعودية وباقي دول الخليج، وهو أيضا بعيد عن خط التجارة بين الساحل السوري والحدود العراقية.

لكن بعض "الأرقام الإسرائيلية" تدل على طرح واضح في احتكار موانئها لتجارة الترانزيت، فهناك خطط لاستثمار ما يقارب 1.7 مليار دولار أمريكي في البنية التحتية خلال السنوات الست المقبلة لتحسين الطريق التجاري، كما تخطط لبناء مرفأين تبلغ تكلفة كل منهما مليار دولار أمريكي وتديرهما شركتان أجنبيتان إحداهما في حيفا والثانية تبعد 80 كيلومترا جنوبا في أشدود، ومن المتوقع أن يكون مرفأ حيفا الجديد قادرا على استقبال حوالي 1.5 مليون حاوية في السنة أي ما يعادل ضعف سعته الحالية.

تقدم هذه الأرقام صورة تبدو أوسع من الأزمة السورية، لأنه يطرح بدائل لخطوط التجارة بين مصر وباقي دول العالم، فالخط التجاري التقليدي على الجانب المصري كان يبدأ من سواحلها باتجاه موانئ البحر الأحمر ومنها إلى باقي دول الخليج، ويبدو البديل اليوم هو العودة إلى الطريق القديم الذي كان مستخدما خلال المرحلة العثمانية، فهو يبدأ من حيفا وينطلق إلى الأردن والعراق وحتى المملكة العربية السعودية، ويمثل هذا الخط توفيرا زمنيا وماليا تصل إلى النصف تقريبا، ورغم كافة المشاكل السياسية لترتيب خطوط التجارة لكنه اليوم يبدو أقرب إلى التحقق، فالإحصائيات في الأردن تظهر ارتفاعا حادا في الشحنات عبر "إسرائيل" عام 2012، ورغم أنها انخفضت عام 2013، ولكنها مؤهلة للازدياد.

  حسب معلومات "سلطات الضرائب الإسرائيلية" بدأت التجارة مع الأردن في العام 2011، فاجتازت حوالي 3500 شاحنة "الأراضي الإسرائيلية" في الاتجاهين، بينما مُنعت الشاحنات الأردنية من اجتياز "الأراضي الإسرائيلية"، وتم نقل البضائع في مركبات إسرائيلية. ولكن "إسرائيل" سمحت بعد ذلك بعبور الشاحنات الأردنية، وتضاعف العدد إلى 4600 شاحنة في عام 2012، وخلال الربع الأول من عام 2013، مرت حوالي 2600 شاحنة محملة بالبضائع في الاتجاهين. وسيؤدي خط سكة الحديد من حيفا إلى بيسان المقرر أن يصبح قادرا على نقل الحاويات بحدود عام 2017 إلى تسهيل انسياب البضائع.

معظم التغيير في خطوط التجارة مرتبط بتركيا في الوقت الحاضر، فمعظم التجارة التي كانت تعبر سورية تم نقلها إلى مصر وذلك مع انخفاض عدد المركبات التي تعبر من تركيا إلى سوريا بنسبة وصلت إلى 50% فانخفض عدد الشاحنات من 106750 شاحنة عام 2010 إلى 55701 عام 2013، ولكن الخط البحري التركي إلى حيفا أعاد التوازن ولو بنسبة ضئيلة إلى تجارة الترانزيت.

خارطة الترانزيت والسياسة

لم تمنح الأزمة السورية الإمكانية العملية لتغيير خطوط التجارة، بل زودتها أيضا بالعوامل السياسية أيضا، فبعد أكثر من أربع سنوات يبدو الانقسام في المنطقة لا يستثني "إسرائيل"، فخارطة التحالفات السياسية تغذي بشكل مباشر الاعتماد على "إسرائيل" ولو بشكل وظيفي، فإعادة تشكيل خطوط الترانزيت سيؤدي:

عزل لبنان كممر للبضائع وهذا الأمر ربما يؤدي إلى إعادة تشكيل الاقتصاد اللبناني بشكل كامل، فالموانئ اللبناني تطورت بشكل كبير منذ ظهور "إسرائيل"، فقوانين المقاطعة العربية عزلتها عمليا مع كافة موانئها وهو كان محفزا لدخول لبنان بشكل قوي ضمن إطار تجارة الترانزيت.

دعم خطوط التحالفات الإقليمية بخطوط دعم اقتصادي؛ تبدو فيه تجارة الترانزيت العصب الأساسي لربط المنظومات السياسية الجديدة وفق شكل اقتصادي – سياسي.

تظهر مسألة خطوط الدعم الاقتصادي من خلال الخطط التي تتعامل مع تجارة الترانزيت، فهناك خطة لبناء محطة لتوليد الطاقة الكهربائية للبلدين بين "إسرائيل" والأردن تبلغ تكلفتها 400 مليون دولار، وتنتج 400 ميجاوات وتعمل على الغاز الطبيعي الإسرائيلي.

من الصعب تحقيق "التصورات الإسرائيلية" بشأن موقعها الاقتصادي بشكل سريع، فمرفأ في حيفا سعته محدودة، وتنتظر سفن الشحن لساعات حتى يسمح لها بالرسو، يضاف إلى ذلك التدقيق الأمني الطويل وأجهزة الفحص، وعلى الجانب الأردني تشترط القوانين تفريغ الحاويات في ميناء العقبة على البحر الأحمر ولكن هذا الأمر لا ينطبق على تلك التي تمر عبر الأردن إلى وجهة أخرى أو التي تم تفريغها وتحميلها في شاحنات أردنية على الحدود.

في المقابل فإن حركة التجارة المعاكسة هي الأصعب، فالشحنات من العالم العربي الى "إسرائيل" تخضع لتفتيش أكثر دقة الذي تخضع له، حيث لا يمكن سوى لحوالي 90 شاحنة عبور جسر الشيخ حسين في الأردن باتجاه "إسرائيل" كل يوم، فاستفادة "إسرائيل" من عدم ذكر "خطوط الترانزيت" في البيانات الجمركية للبضائع الداخلة إلى الدول العربية، لا ينطبق على خطوط العودة، فهناك تخوفات دائمة من طبيعة ما يمكن إدخاله عبر "إسرائيل، ويبدو أن الظرف السياسي ومستقبل الأزمة السورية هو الذي سيحكم الطموح بتغيير مسار تجارة الترانزيت، فحتى اللحظة كل الدول متضررة باستثناء "إسرائيل" من تبدل بيئة الترانزيت، لكن الطروح البديلة ربما سيؤدي إلى تحولات اقتصادية وسياسية عميقة.

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة