معهد ليفانت للدراسات

تحقيق استقصائي : قطاع البترول الغامض في لبنان

تحقيق استقصائي : قطاع البترول الغامض في لبنان
أكتوبر 08
21:58 2014

كيف يتميز قطاع النفط والغاز الجديد في البلاد بوجود الواسطة، والشراكات غير المتكافئة، وشبكة الشركات الوهمية العالمية؟

إن هذا التحقيق الذي تجريه مجلة “Executive‎” حول شركات النفط والغاز هو جزء من التقريرالخاص عن هذا القطاع.

 يقول أنطوان داغر لمجلة “Executive‎” وهو يضحك بمحاولة منه لعدم ذكر اسمه في هذه المقالة: “إذا أردتَ إلحاق الأذى بي، فيمكنني أن أردّعليك بالأذى أيضاً”، ثم يوضح داغر قائلاً: “إني لا أهددك بذلك”.

إذ أن داغر مدير اتصالات سابق لشركة “بتروليب”، وهي واحدة من ثلاث شركات لبنانية مؤهلة مسبقاً للدخول في مزايدة دورة التراخيص الأولى للتنقيب عن النفط والغاز في المياه البحرية اللبنانية، وما زالت شركة “بتروليب” تعمل مع داغر بصفته مستشاراً لها، لكن في بداية شهر أيلول (سبتمبر)، عملت معه أيضاً هيئة إدارة قطاع البترول. ولهذا تساءلت مجلة “Executive‎” فيما إذا كان ذلك تضارب مصالح أم لا، الشيء الذي أكد داغر على عدم صحته

وهذه هي إحدى التعقيدات التي واجهتنا في محاولتنا تحديد التفاصيل حول الشركات اللبنانية الثلاث المؤهلة مسبقاً للمشاركة في قطاع النفط والغاز الناشئ- من بين 46 شركة بالمجمل، ومن الشركات التي حددتها هيئة إدارة قطاع البترول بوصفها الجهة اللبنانية المسؤولة عن التأهيل هي شركة “أبيكس غاز المحدودة، وهي شركة مسجلة في هونغ كونغ في الحقيقة، وليس في بيروت، وقد جرى تحديدها من خلال عملية صممت للحفاظ على سرية هوية أصحاب الأسهم والمديرين.

وبالمجمل، فإن هذه التجارب تقدّم وجهة نظر جديدة حول الطبيعة الغامضة لصناعة النفط والغاز، وكيف أنّه بدلاً من البدء بتشكيل سجل نظيف، يبدو أن قطاع البترول اللبناني الجديد ينزلق فعلاً إلى الغموض.

الخبرة مطلوبة إلا في حال وجود شريك

إن كلتا الشركتين ليس لديهما أية خبرة سواء شركة “بتروليب” أو “أبيكس”، وتعد شركة “سي.سي.إي.دي”، وهي الشركة الثالثة المؤهلة مسبقاً، شركةً راسخة في مجال النفط والغاز، إذ أنها قامت بمشاريع برية للحفر وإنتاج النفط في عُمان منذ عام 2010. لكن قلة الخبرة لم توقف شركتي “بتروليب” و”أبيكس” من دخول هذه التجربة. ووفقاً لمرسوم صدر عام 2013 لتنظيم عملية التأهيل المسبق، فإن الشركات التي لا تحقق شروط الأهلية – بما فيها الخبرة السابقة في مجال إنتاج النفط والغاز – يمكنها الدخول بشراكة مع شركات تحقق هذه الشروط بهدف التأهل معاً على أنها كيان قانوني واحد.

وهذا ما فعلته شركتي “بتروليب” و”أبيكس”  بالضبط. إذ انضمّت شركة “بتروليب” إلى شركة “جيو بارك” التي مقرها برمودا، والتي تنشط أعمالها في أمريكا الجنوبية، كما انضمت شركة “أبيكس” إلى شركة “نفط الهلال” الإماراتية التي دخلت لعبة النفط والغاز في بداية السبعينات

وتصرح كل من شركتي “أبيكس” و”بيتروليب” لمجلة “إكزيكيوتيف” بأنهما تخططان لافتتاح فروع خارج لبنان، لكن لم يظهر أي دليل على ذلك حتى الآن. ويقول صلاح خياط الرئيس التنفيذي لشركة “بتروليب” لمجلة “إكزيكيوتيف”: “تنشط أعمال “بتروليب” خارج لبنان، وهي تنظر في مختلف أصول التنقيب والإنتاج، في الوقت الذي تشكل فيه فريقها التقني”. أما ناجي أبي عاد المدير العام للعمليات، فيقول بأن الشركة ستعلن عن أعمالها خارج لبنان عما قريب.

أصدقاء في مناصب عالية

وحسب وثائق قدمتها الشركة للسجل التجاري اللبناني، فبالإضافة إلى أن السيد خياط يعمل رئيساً تنفيذياً لشركة “بتروليب”، فهو يملك 50 بالمئة من هذه الشركة التي تأسست في أيلول (سبتمبر) 2011. كما أن خياط هو ابن أخ تحسين خياط صاحب محطة “الجديد” التلفزيونية ومؤسس مجموعة “تحسين خياط”، وهي عبارة عن تكتل شركات متعددةالمجالات، في الهندسة والمقاولات، والنشر، والطباعة، والضيافة والترفيه، والمبيعات والتوزيع في لبنان وفي الخارج.

أما الخمسون بالمئة الباقية من شركة “بتروليب”، فيتقاسمها كلّ من عمر وبشار خياط بالتساوي. كما كان محامي الشركة كريم قبيسي مستشاراً لوزارة الطاقة والمياه عام 2008، وقد ساعد في كتابة قانون إنتاج النفط البحري والتنقيب عنه عام 2010.

وحسب الشركة، فإن علاقاتها العميقة تقدم فوائد ممتازة لشريكتها “جيو بارك” في المزايدة – وهي نقطة هامة نظراً إلى قلة خبرة “بتروليب” في مجال النفط والغاز. ويقول أبي عاد المدير العام للعمليات: “إينما كنت في العالم، إذا كنت تتمتع بعلاقات جيدة، وكان لديك مركز قوي بالنسبة لصناع القرار الرئيسيين، فلديك فرصة جيدة، لكن يجب أن يكون لديك المتطلبات التقنية. ونحن نتمتع بعلاقات قوية وجيدة في البلد، فنحن نعرف الجميع هنا.” ويختتم قائلاً: “من المؤكد أن شركة “جيو بارك” تجدنا مفيدين لها”. 

العلاقة مع هونغ كونغ

في حين أن شركة “بتروليب” متقدمة بالنسبة لنموذج أعمالها، لكن لا يمكن إيجاد معلومات عن شركة “أبيكس” بسهولة. إذ أن الشركة غير مسجلة في لبنان، وليس لديها موقع على الإنترنت. أما الكتيّب الذي أصدرته هيئة إدارة قطاع البترول، والذي يقدّم معلومات عن كل الشركات المؤهلة مسبقاً والبالغ عددها 46 شركة، فلم يأتِ على ذكر شركة “أبيكس”، وهو الإغفال الوحيد في هذا الكتيّب.

وقد أكد السيد نحاس محامي شركة “أبيكس” على أن الشركة مسجلة في هونغ كونغ في نيسان (أبريل) عام 2012، ويقول نحاس بأنه اختار هونغ كونغ مكاناً لتسجيل الشركة – بدلاً من لبنان – ليحكمها القانون الإنكليزي من أجل “الحصول على إطار عمل قانوني أوضح” – على حدّ قوله.

وبالسؤال عن سبب عدم إدراج أسماء أي مواطنين لبنانيين في أوراق الشركة (تلك الأوراق التي اشترتها مجلة “إكزيكيوتيف”)، يقول نحاس بأن مالكي الشركة الفعليين غير مدرجين في الوثائق، وهم محمود الصيداني الرئيس التنفيذي لشركة “يوني غاز” ومحمد شقير رئيس غرفة التجارة والصناعة والزراعة في بيروت وجبل لبنان. كما أكد كل من الصيداني وشقير على أنهما شريكان في شركة “أبيكس”، لكن الصيداني فقط يمكنه إجراء مقابلة أكثر عمقاً.

إن شركة “أبيكس” تفيد من النظام السري في هونغ كونغ الذي يسمح للمالكين بتسديد رسوم سنوية لإدراج أسماء مديرين وأصحاب أسهم إسميين على الوثائق من أجل “الحفاظ على السرية التامة لهوية المدير الحقيقي” – حسبما تعبّر عن ذلك شركة خدمات لتسجيل الشركات في هونغ كونغ. إذ يذكر في الوثائق أن مدير شركة أبيكس” هو روجر ليو كارينو، وبأن صاحب الأسهم الوحيد في الشركة هو شركة أباكوس (نومينيز) المحدودة”.

وتكشف إحدى المحادثات مع شركة “إنتركورب”، وهي شركة أخرى لتزويد خدمة تسجيل للشركات في هونغ كونغ، بأن كلاً من  كارينو وشركة “أباكوس” هما اسمان مزيفان استخدما لإبقاء الصيداني وشقير بعيدين عن الشركة أمام الجميع.

كما أن اسم “كارينو” قد أدرج أيضاً مديراً لشركة “أبيكس” المحدودة للنفط والغاز، وهي شركة أخرى مسجلة في لندن. وقال كارينو عبر اتصال هاتفي بأنه لا يعمل على أية معاملات حالياً وبأنه يستعد للسفر، لذا فهو لا يستطيع الإجابة على أسئلة مجلة “إكزيكيوتيف”.

كما أنه لم يردّ على رسالة الكترونية أرسلتها له مجلة “إكزيكيوتيف” طلباً للتوضيح. كما أن المساهم الوحيد في شركة “أبيكس” في لندن هو  شركة “أريزللاستثمارات العالمية المسجلة في جزيرة كوراساو الهولندية في البحر الكاريبي. ويقول نحاس بأنه لا يعرف شيئاً عن شركة “أبيكس” في لندن على الرغم من وجود الأسماء ذاتها والمديرين أنفسهم.

ولم يستطِع الصيداني تفسير سبب اختيار شركة “أبيكس” لدفع المال للتعتيم على مالكيها الحقيقين أمام العامة، محيلاً مجلة “إكزيكيوتيف” إلى السيد نحاس الذي لم يرد على طلب لإجراء مقابلة معه للمتابعة

أما الصيداني، فعلى خلاف أبي عاد من شركة “بتروليب”، لم يذكر موضوع “العلاقاتبوصفها ميزة تمنحها شركته للشراكة مع “نفط الهلال”، لكنه لم يتخذ موقفاً دفاعياً لدى سؤاله عن ذلك.

إذ قال الصيداني: “إننا مستثمرون، وشأننا شأن المستثمرين اللبنانيين، فمن حقنا استثمار أموالنا في الغاز اللبناني. فالأمر بهذه البساطة”. وقال الصيداني مؤكداً على ما ستفيد به شركة “أبيكس”: “يريدون منا أن نشارك بالمخاطرة لأن الأمر شبيه بلعبة الحظ، إذ يمكن أن تنفق 400 مليون دولار على أربعة آبار دون أن تجد أي غاز.

لذلك نقوم بتقاسم هذه المخاطرة”. وبجميع الأحوال، من غير الواضح مدى حجم المخاطرة التي يمكن أن تتحملها شركة صغيرة على ما يبدو – والتي بلغ قوامها عند تأسيسها عام 2012 مبلغاً ضئيلاً وصل إلى 10 آلاف دولار هونغ كونغ (1.290 دولار)، ولم يجري الإعلان عن أي شيء إضافي مؤخراً – بالمقارنة مع شركة مثل “نفط الهلال” التي يبلغ قوامها 500 مليون دولار على الأقل.

لكن هذا ليس إلا سؤال واحد في بحر من الغموض الذي يحيط بشركتي “أبيكسو”بتروليب” – وهو يثير التساؤلات حول شفافية القطاع بأكمله، وعندما توجهنا بأبسط طلب، وهو التأكيد على أن شركة “أبيكس” مسجلة في هونغ كونغ، امتنعت هيئة إدارة قطاع البترول اللبنانية عن الإجابة.

موقع الاقتصادي  3-10-2014
ترجمة عن مجلة "اكزيكيوتيف" – لبنان .
 

 

تقارير ذات صلة