معهد ليفانت للدراسات

بين دمشق وبيروت .. لم يعد الطريق كما كان

بين دمشق وبيروت .. لم يعد الطريق كما كان
أبريل 18
20:55 2016

قبل بدء النزاع في سورية كان الطريق بين دمشق وبيروت قصيراً ولايحتاج لأكثر من اصطحاب هويّة شخصيّة , كانت تكفي ساعتين ربما لاجتيازه , اليوم وبعد 5 سنوات من الحرب تغيّر الطريق وصار يستغرق كثيراً من التفاصيل والوقت .

لم تعد دمشق وبيروت توأماً , لقد تغيّر الزمنُ كثيراً , ثمّة هوّة اقتصاديّة واجتماعيّة وسكانيّة تفصلُ المدينتين اليوم , في الماضي كان بعضُ الدمشقيين يقضون عطلة نهاية الأسبوع في بيروت وجبل لبنان , أمّا اليوم فالوصول لبيروت يتطلّب شروطاً قد تبدو تعجيزيّة للعائلات التي كانت بيروت متاحة لها دوماً .

 

استقبل لبنان أعداداً كبيرة من اللاجئين السوريين من مختلف المناطق , حتّى تضخّمت بعضُ المجتمعات في لبنان وأصبحت سوريّة بالكامل , ولّد هذا التغيّر في الديموغرافيا مشاكل وفرص وتحديات للمجتمعين , وبرز التعامل مع اللاجئين والزوار العاديين للبنان على عدّة مستويات :

في المستوى الشعبي استقبل المجتمع اللبناني كثيراً من العائلات بحكم صلات القرابة والتشابه في طريقة الحياة , وانزوت بعض المناطق للتضييق عليهم بحكم ارث سيء قديم تركه بعض السوريين يوماً .

على مستوى الأطراف السياسيّة حاول كلّ طرف جذب اللاجئين ممن يوافقونه التوجه نحو مناطقه وعمل على تقديم المساعدات لهم مستفيداً من التجييش الديني والطائفي أحياناً .

في المستوى الرسمي والحكومي تحاولُ الحكومة اللبنانيّة ضبط الحدود بعد التضخم الكبير الذي احدثه وجود السوريين , بالطبع تلعبُ منظمات الأمم المتحدة دوراً كبيراً في تقديم المساعدات والمنح للحكومة اللبنانيّة والمخيمات , لكنّ الحكومة تحاول الاكتفاء فتضيّق اجراءات الدخول .

يتعاملُ الأمن العام اللبناني مع السوريين الداخلين وفق اجراءات مشددة , لم يعد هناك من يستطيع الدخول دون سبب , الدخول مرهونٌ بعضوية في نقابة أو موعد في سفارة أو حساب بنكي أو عقار واذا كنت راغباً بالسياحة فعليك بحجز فندقي مدفوع مسبقاً ومبلغ ألف دولار كضمانة أنّك لست لاجئاً .

 

في الطريق من دمشق إلى بيروت تمرُّ بحواجز عسكرية عديدة للجيش والجمارك السورية , يستطيعُ أيّ حاجز اعادة تفتيش كل أجزاء السيارة , يمكنُ له مطالبتك بفكّ سقف السيّارة ويمكن لك تجاوز ذلك بعلبة سجائر من ماركة Marlboro  .

يودّعك مركز الجديدة الحدودي بقسيمة خروج لايتجاوز سعرها 2 $ , يختم موظفوا الهجرة والجوازات على قسيمتك بعد اجراءات احترازيّة والتأكد من عدم التهرب من خدمة العلم للذكور , يتهكّم البعض من العسكريين والموظفيين " سافروا , أوروبا والبحر بانتظاركم " .

 

تقطع المنطقة الحدوديّة , السوق الحرّة فيها بضاعة و بعضُ الزوار والمشاريع المعدّة للافتتاح في هذا الطريق أغلقت جميعها .. يطول الطريق مع صور للرئيس الأسد والجيش السوري , في الحدود اللبنانيّة ترى خيماً كبيرة خالية أقامتها سابقاً مفوضيّة اللاجئين للاجئين من سورية .

قبل الدخول لبناء الأمن العام عليك الاصطفاف في طوابير المنتظرين حتّى يتسنّى لك ذلك , هناك ثمّة نوافذ عدّة موزعة بحسب السبب الذي يتم الدخول إليه للبنان , يستقبلك موظفوا الأمن العام بمزاجيّةٍ مستفزّة , لا يكفي أن تريهم الحجز الفندقي بل يجب عليهم الاتصال مع الفندق ثم عليك اظهار مبلغ الألف دولار وحديثاً تصويرها حتّى لا تكون مستأجرة من سائق على الخط !

في شبّاك آخر التعامل أكثر سوءاً أحياناً , فإذا كان لديك موعد طائرة قد يُسمح بالدخول فقط قبل ساعتين والأكثر حظاً من لم يتركه موظف الأمن العام ويذهب في استراحة مفتوحة !

خلف موظفي الأمن العام علّقت على الحائط اطاراتُ صور تتضمّن العلم اللبناني فقط بدل صور رئيس الجمهوريّة الماروني حكماً , يدلّلُ ذلك على الفراغ الرئاسي الذي يشهده لبنان منذ 25 مايو 2014

بعد السماح بالدخول تعود الدولة اللبنانيّة  لتجسّد انقسامها أمام زوارها , منذ الشوارع الأولى قد ترى لافتات تخصّ السوريين وتخصّ قضايا استهلكت انسانيّاً واعلاميّاً بحسب الأطراف واصطفافاتها , قد ترى لافتات حول مجاعة في الزبداني مهملة تحركها الرياح , رغم انتهاء القضيّة اعلاميّاً منذ أشهر فهذه اشارةٌ أنّك دخلت لبنان الذي لايستطيع النأي بنفسه .

من هذا الطريق إلى بيروت خرج مئات الآلاف من اللاجئين نحو البحر ونحو العالم , ودّعوا سوريّة لآخر مرّة من هُنا , تغيّر الطريق الذي كان جزءاً من حياة السوريين , صار يأخذ معظمهم إلى الضفة الأخرى بعيداً عن سورية , وإن كان السوريون يتنفسون الصعداء بعد دخولهم لبنان بخلاصهم من الحواجز العسكرية والتفتيش فإن رائحة القمامة تدفعهم لاغلاق النوافذ بانتظار وسط المدينة المختلف .

 

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة